
رغم مرور نحو 3 شهور على تشكيل لجنة إدارة قطاع غزة، إلا أنها ليس فقط لم تدخل القطاع، بل ليس لديها، بعد، خطة للقيام بذلك في الزمن المنظور، وليس لديها أيضاً أي موازنة لإنفاقها على الخدمات العامة في القطاع، كما ليس لديها هياكل إدارية للقيام بأي مهام حكومية.
وقدم ممثل "مجلس السلام" في قطاع غزة نيكولاي ملادينوف، في اجتماع عقده مع قيادة حركة "حماس" في القاهرة، مؤخراً، خطة لنزع سلاح الحركة، والانسحاب الإسرائيلي، ودخول "قوات الاستقرار الدولية"، وتولي اللجنة مهامها في إدارة القطاع. لكن الحركة رفضت الخطة مشترطة الانسحاب الإسرائيلي من كامل قطاع غزة، أولا قبل بحث موضوع السلاح.
ترميم المؤسسات الحكومية
وفي غضون ذلك، واصلت حركة "حماس"، إعادة ترميم المؤسسات الحكومية والهياكل الإدارية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، التي تشكل نحو 45% من مساحة قطاع غزة يعيش فيها الغالبية العظمى من سكان القطاع البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة. ويشمل ذلك قوى الأمن والجهاز القضائي، وسلطة الضرائب وغيرها من أدوات الحكم الأساسية.
برفض حركة "حماس" مبدأ سحب السلاح، يدخل قطاع غزة في حالة من عدم اليقين. فمن جهة ترفض إسرائيل الانسحاب من القطاع مشترطة ذلك بسحب تام لسلاح الحركة. ومن جهة ثانية ترفض "حماس" بحث مسألة السلاح إلا بعد انسحاب إسرائيل وتوفير ضمانات أمنية كاملة، واستيعاب موظفيها في الإدارة الحكومية الجديدة، وهو ما ترفضه إسرائيل.
قلق من عودة الحرب
وترافق فشل اللقاءات الأخيرة التي عقدها ملادينوف مع قادة "حماس" مع قيام إسرائيل بسلسلة إجراءات منها إغلاق معبر رفح الرابط بين قطاع غزة ومصر في الاتجاهين، والقيام بسلسلة غارات قتلت في الساعات الـ24 الأخيرة، 13 فلسطينياً، ليرتفع بذلك عدد الضحايا منذ سريان وقف إطلاق النار في الحادي عشر من أكتوبر الماضي إلى أكثر من 700 فلسطيني.
ويخشى الكثير من أهالي غزة من عودة الحرب على القطاع؛ خاصة وأن إسرائيل تشهد هذا العام انتخابات عامة سيكون ملف هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر، ونتائج الحرب على غزة في قلب حملاتها الانتخابية.
إعادة الإعمار
وبددت الأزمة الأخيرة آمال أهالي قطاع غزة الذين يعيش غالبيتهم في خيام لا تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، بإعادة إعمار بيوتهم وترميم الخدمات الأساسية من مياه، وكهرباء، وطرق، وصرف صحي وغيره.
وزادت الحرب الإيرانية من التوقعات المتشائمة بشأن إعادة إعمار قطاع غزة؛ خاصة وأن الدول المرشحة لتقديم مليارات الدولارات لهذه المهمة بات لديها أولويات أخرى، خصوصاً مع تفاقم أزمة الطاقة العالمية التي خلقتها الحرب.
أفكار أميركية بديلة
وتقول مصادر دبلوماسية غربية، إن المسؤولين الأميركيين عن ملف غزة، وضعوا تصورات لخطط بديلة في حال فشل مشروعهم لسحب سلاح "حماس"، والانسحاب الإسرائيلي.
وترتكز هذه الأفكار على تنفيذ مشاريع إعادة إعمار في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، ودعوة المواطنين إلى مغادرة المناطق التي تسيطر عليها حركة "حماس" إلى مناطق البناء الجديدة.
لكن هذه الأفكار لا تحظى بقبول الكثير من الدول المرشحة لتقديم تبرعات لإعادة الإعمار، وتلك المرشحة للمشاركة في "قوات الاستقرار الدولية"، التي نصت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على إحلالها محل قوات الاحتلال الإسرائيلية بعد نزع سلاح "حماس".
عمل لجنة إدارة غزة
وتضفي مثل هذه الأفكار، والخطط المزيد من التعقيدات أمام لجنة إدارة غزة التي تضم عدداً من الشخصيات الفنية الفلسطينية، التي حظيت بقبول فاتر من القوى الأساسية الفلسطينية، خاصة السلطة الفلسطينية، وحركة "حماس"، اللتين لا تخفيان الكثير من التحفظات والقلق من الدور المرسوم لها.
وقال مسؤولون في اللجنة، إنهم يواجهون معضلات كبيرة في عملهم، فمن جهة لا يمكنهم إقامة مقراتهم الإدارية في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية خشية أن تتحكم إسرائيل في حركتهم اليومية وبرامج عملهم، وفي ذات الوقت لا يستطيعون الإقامة في المناطق الواقعة تحت إدارة حركة "حماس"، خشية حدوث تنازع سلطة بين إدارتين محليتين، واحدة مسلحة والثانية مجردة من السلاح.
وأمام تعذّر التوصل إلى اتفاق بشأن سلاح "حماس"، والانسحاب الإسرائيلي، تبقى لجنة إدارة غزة عالقة في مقرها في العاصمة المصرية القاهرة دون قدرة فعلية على العمل.
بقاء الوضع الراهن
أكثر ما يقلق سكان قطاع غزة، هو بقاء الوضع الراهن كما هو عليه دون تغيير. فإسرائيل تسيطر على نحو 55% من مساحة القطاع، وتفرض قيوداً صارمة على دخول المواد والمساعدات الغذائية إلى المناطق الواقعة وراء ما يسمى "الخط الأصفر"، وهو خط وهمي متحرك فاصل بين المنطقة التي تسيطر عليها، وتلك التي تسيطر عليها "حماس".
وقال الصحافي محمد الأسطل المقيم في مدينة غزة لـ"الشرق": "بقاء الوضع الراهن يُشكل كابوساً لدى كل مواطن في غزة".
وأضاف: "نحو مليون ونصف المليون يعيشون في خيام مكتظة، لا يوجد فيها أي حد من الشروط الصحية. نسبة البطالة نحو 80% ونسبة الفقر 90%. الناس تعتمد على المساعدات الغذائية التي غالباً لا تصل...".
وتظهر إحصاءات المنظمات الإنسانية، ومؤسسات الأمم المتحدة أن معدل دخول الشاحنات إلى غزة لا يزيد عن 130 شاحنة يومياً، بخلاف العدد المتفق عليه، وهو 600 شاحنة.
ويفتقد الناس للمواصلات العامة بسبب عدم توفر الوقود ما يجعل الحياة بالغة الصعوبة. وقال محمد الأسطل: "الناس تفضل عودة الحرب على بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، فلربما تخلق الحرب حلاً لهذه الحياة شبه المستحيلة".
رهانات ومخاوف "حماس"
تراهن حركة "حماس" بالدرجة الأولى على حاجة الأطراف لها في أية خطة لاستقرار غزة، لأنها القوة الوحيدة المنظمة التي تدير، وتنظم الحياة اليومية لسكان القطاع. وتراهن أيضاً على تغيرات ما قد تحدثها الحرب الإيرانية منها عدم انكسار ايران، و"حزب الله"، الحلفاء الأساسيين للحركة، في هذه الحرب.
ولدى "حماس" الكثير من المخاوف من خطط سحب السلاح؛ منها قيام إسرائيل باجتياح ما تبقى من القطاع، واعتقال أعضاءها، أو تصفيتهم. وقال عدد من المسؤولين في الحركة لـ"الشرق"، إن "خيار عودة الحرب، أو بقاء الوضع القائم أفضل من تسليم السلاح".
أحد المسؤولين قال: "لا أحد قادر على ضمان التزام إسرائيل بأي اتفاق، فهي لم تنفذ سوى الجزء اليسير مما هو مطلوب منها في المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب".
وأضاف: "لقد فشلت إسرائيل في نزع سلاحنا خلال عامين من الحرب، واليوم تريد أن تسحبه باتفاقات لا أحد قادر على ضمان التزامها بها".
رهانات إسرائيل
في المقابل، لدى إسرائيل رهانات منها الضغوط الهائلة التي يعيش أهالي قطاع غزة تحت وطأتها في ظل عدم توفر الإيواء، والمدارس والجامعات وفرص العمل والخدمات العامة وغيرها.
ومنها أيضاً بقاء الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، ما يعيق فرص الحديث عن حلول سياسية، ويفتح الطريق أمامها لمواصلة الضم المتسارع الجاري في الضفة الغربية. ويساعد إسرائيل في ذلك غياب المبادرات الفلسطينية لإنهاء الانقسام وحل مشكلات خاصة، خاصة السلاح، ضمن سلطة واحدة، وقانون واحد، ورجل أمن واحد.












