
مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، الخميس، تتفاقم الأزمة الإنسانية بوتيرة متسارعة، في ظل انهيار الخدمات الأساسية وتراجع الآمال في التوصل إلى تسوية سياسية قريبة.
وبينما تستمر المعارك في مناطق عدة، يجد ملايين السودانيين أنفسهم عالقين بين نيران القتال، يواجهون الفقر والجوع وانعدام الأمن في واحدة من أسوأ الأزمات في المنطقة.
وتحذر منظمات الإغاثة من أن الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم، مع اتساع رقعة النزوح الداخلي وانهيار سلاسل الإمداد الغذائي، ما يدفع بملايين السكان نحو حافة المجاعة. كما تتزايد المخاوف من تفشي الأمراض في ظل تدهور النظام الصحي.
وقال توم فليتشر، منسق الإغاثة الطارئة في الأمم المتحدة، في بيان الأربعاء: "هذه الذكرى القاتمة والمليئة بالدروس تمثل عاماً آخر فشل فيه العالم في مواجهة اختبار السودان".
وأضاف فليتشر: "أصبح السودان مختبراً للفظائع: حصار، وحرمان من الغذاء، وعنف جنسي مُستخدم كسلاح".
أزمة إنسانية
تعكس قصص المدنيين حجم المعاناة اليومية. وتروي (هـ.ع)، وهي أرملة تقيم شرق الخرطوم، أنها اضطرت للبقاء في منزلها مع أبنائها منذ اندلاع القتال، رغم النقص الحاد في الغذاء والدواء، ومن بينها الإنسولين، مشيرة إلى أن الأسرة تعيش على الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية وسط تدهور أمني مستمر.
وأضافت أن شقيقها قُتل داخل المنزل في ظل غياب الرعاية الطبية، قبل أن تضطر الأسرة للنزوح ثم العودة دون تحسن ملموس في الأوضاع.
وتشير تقارير ميدانية إلى استمرار سقوط ضحايا مدنيين في مناطق دارفور وكردفان، نتيجة القصف والاشتباكات، مع تسجيل خسائر بشرية بشكل شبه أسبوعي.
وأدان مسؤولون دوليون استهداف مدنيين في حوادث متفرقة، من بينها ضربة استهدفت حفل زفاف في شمال دارفور، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا بحسب تقارير متطابقة.
في المقابل، أفادت شبكة أطباء السودان بسقوط ضحايا وجرحى جراء قصف استهدف مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، متهمة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال (جناح عبد العزيز الحلو) بالوقوف وراء الهجوم.
ويأتي ذلك في ظل تفش متزايد لأمراض مثل الكوليرا وحمى الضنك والملاريا، التي أودت بحياة المئات خلال سنوات الحرب، بالتزامن مع تدهور كبير في الخدمات الصحية.
كما فاقمت الحرب في إيران من معاناة السودانيين، إذ شهدت أسعار السلع ارتفاعاً حاداً. وقال (ف.ب)، وهو تاجر في بورتسودان، لـ"الشرق"، إن سعر صرف الدولار ارتفع من 500 جنيه قبل الحرب إلى 4 آلاف و100 جنيه حالياً، مقارنة بنحو 3 آلاف جنيه قبل اندلاع الحرب في إيران.
وأضاف أن سعر لتر الجازولين ارتفع من 1200 جنيه (نحو 0.29 دولار) إلى 6 آلاف و360 جنيهاً (نحو 1.55 دولار)، فيما قفز سعر البنزين من 250 جنيهاً للتر (نحو 0.06 دولار) إلى 4 آلاف و724 جنيهاً (نحو 1.15 دولار).
ضغوط اقتصادية وتداعيات إقليمية
إلى جانب التداعيات الأمنية والإنسانية للحرب، يتزايد الضغط الاقتصادي على السودانيين بصورة غير مسبوقة، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ معدل التضخم نحو 56% في عام 2026.
وفي تحليل حديث، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن استمرار الحرب قد يعيد اقتصاد السودان إلى مستويات ستينيات القرن الماضي، مع احتمال ارتفاع معدلات الفقر المدقع إلى أكثر من 60%، وانزلاق نحو 34 مليون شخص إضافي إلى دائرة الحرمان، في حال استمر النزاع حتى عام 2030.
وأوضح البرنامج أن السودان خسر ما يُقدّر بـ6.4 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي خلال عام 2023 وحده، فيما انزلق نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد، بالتزامن مع تراجع متوسط الدخل إلى أدنى مستوياته منذ عام 1992. كما أشار إلى أن عدد النازحين تجاوز 13 مليون شخص.
وأضاف أن التعافي سيظل بطيئاً حتى في سيناريو أكثر تفاؤلاً ينتهي فيه النزاع بحلول عام 2026، إذ من المتوقع ألا يتجاوز متوسط النمو الاقتصادي 1.2% حتى عام 2043.
وفي ما يتعلق بالتمويل الإنساني، أكد مسؤولو البرنامج لـ"الشرق"، وجود فجوة كبيرة في تمويل العمليات الإنسانية في السودان، مشيرين إلى أن المنظمات الأممية لم تحصل سوى على 16% من إجمالي 2.9 مليار دولار مطلوبة لتقديم المساعدة لنحو 20 مليون شخص، من أصل 34 مليوناً بحاجة إلى الدعم الإنساني.
بدوره، قال الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، لوكا ريندا، في حديث لـ"الشرق"، إن الأمم المتحدة طلبت 2.9 مليار دولار للعمليات الإنسانية في السودان لعام 2026، لكنها لم تتلقَّ حتى الآن سوى 16% فقط من هذا المبلغ. وأضاف أن النتيجة المباشرة لذلك تتمثل في تفشي الجوع، وتدهور الخدمات الصحية، وحرمان الأطفال من التعليم.
وفي ما يتعلق بآفاق التعافي الاقتصادي، أوضح ريندا لـ"الشرق"، أن الاقتصاد السوداني تعرض لدمار واسع على مختلف المستويات، حيث هُجرت المزارع، ودُمرت أنظمة الري، وأُغلقت المشروعات الصغيرة.
وأشار إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم هذه الفئات، لافتاً إلى أن مكتبه تمكن خلال عام 2025 من الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من برامج الدعم.
الأطفال والنساء الأكثر تضرراً
ووفق البيانات الرسمية السودانية وتقارير الأمم المتحدة، أن الأطفال والنساء يدفعون الثمن الأفدح للحرب، فقد أعلن مدير عام وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، أن نحو 6 آلاف طفل تعرضوا لإصابات متفاوتة خلّفت إعاقات دائمة.
وفي السياق ذاته، كشفت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية في السودان، سليمى إسحق لـ"الشرق"، عن توثيق 2500 حالة اغتصاب حتى الآن، مع تعذر حصر الحالات في ظل سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور بشكل كامل.
وأوضحت أن مكتبها وثق "322 حالة استرقاق جنسي و92 حالة زواج قسري، 70% من ضحاياها قاصرات، إضافة إلى تسجيل 306 حالات اعتداء على طفلات، أصغرهن لم يتجاوز عمرها عاماً واحداً".
وأكدت بعثتان لتقصي الحقائق، أممية وإفريقية، أن الإفلات من العقاب لا يزال السمة الغالبة مع دخول الحرب عامها الثالث.
وذكرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، بالتعاون مع بعثة الاتحاد الإفريقي، أن الانتهاكات الجسيمة والواسعة لحقوق الإنسان التي ترتكبها أطراف النزاع تتفاقم بشكل ملحوظ.
وحملت البعثتان كلاً من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية مسؤولية ارتكاب انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، وأشارتا إلى أن الانتهاكات المنسوبة لقوات الدعم السريع تتسم بطابع منهجي، يشمل أعمال النهب والعنف الجنسي والاستهداف على أسس عرقية، بما أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتدمير حياة المدنيين.
وفي تحذير جديد، نبهت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، دينيس براون، إلى تفاقم الكارثة الإنسانية مع اقتراب الحرب من عامها الرابع.
بدورها، أفادت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بأن الأطفال لا يزالون الضحايا الأكثر تضرراً بعد 3 سنوات من اندلاع النزاع، مشيرة إلى سقوط أو إصابة ما لا يقل عن 245 طفلاً خلال أول 90 يوماً من عام 2026، بزيادة قدرها 50% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأكدت المديرة التنفيذية للمنظمة، كاثرين راسل، أن "العنف ضد الأطفال غير مبرر، ويعكس فشلاً جماعياً في حمايتهم".
على صعيد آخر، كشفت مبادرة محلية طوعية عن توجه نحو 500 ألف طالب وطالبة لأداء امتحانات الشهادة السودانية المؤهلة للالتحاق بالجامعات منتصف أبريل الجاري، في حين يظل مصير نحو نصف هذا العدد، في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، مجهولاً.
تحولات ميدانية في مسار القتال
شهدت الحرب في السودان تحولات لافتة على الصعيد العسكري، إذ تمكن الجيش من بسط سيطرته على ولايات وسط البلاد، ما دفع قوات الدعم السريع إلى التراجع نحو إقليمي دارفور وكردفان في الغرب.
وفي هذا السياق، فرضت قوات الدعم السريع حصاراً طويلاً على مدينة الفاشر، إحدى أبرز المدن الاستراتيجية في دارفور، انتهى بالسيطرة عليها، وسط تقارير أممية تحدثت عن مجازر وانتهاكات واسعة بحق المدنيين، الذين اضطر بعضهم خلال الأشهر الأخيرة من الحصار إلى تناول علف الحيوانات.
وبعد سيطرة الدعم السريع على المدينة أظهرت مقاطع مصورة عمليات قتل نفذها ضباط وجنود تابعون للدعم السريع، ما جلب عقوبات أميركية على بعضهم، أبرزهم "أبو لولو"، الذي ظهر غير مرة متفاخراً بإطلاق الرصاص على مدنيين.
وفي وقت لاحق، قالت قوات الدعم السريع إن هذه التصرفات لا تمثل نهجاً عاماً لقواتها، ووصفتها بأنها سلوك فردي، مؤكدة إلقاء القبض عليه تمهيداً لمحاكمته.
وقبل نهاية العام الثالث من الحرب تركزت المعارك، وخاصة باستخدام الطيران المسيّر في كردفان ودارفور، وفتحت الدعم السريع جبهة جديدة في أقصى جنوب شرق البلاد، حيث استعر القتال في مدينة الكرمك في إقليم النيل الأزرق، قبل أن تسيطر الدعم السريع عليها.
ورأى اللواء متقاعد أمين اسماعيل مجذوب، خبير إدارة الأزمات والتفاوض بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية بالخرطوم، في حديث لـ"الشرق"، أن المتغير الأكبر خلال العام الثالث من الحرب، هو التحول من حرب المدن إلى القتال في الصحاري والجبال، الأمر الذي يوفر ميزتين للجيش، هما الخبرة القتالية في مناطق كهذه، وإمكانات سلاح الجو.
ولفت إلى أن المعارك في الأشهر الأخيرة كشفت عن عجز الدعم السريع عن المناورة العسكرية حيث اضطرت للانسحاب من مدن في إقليم كردفان بعد سيطرتها، مؤقتاً، عليها.
وقال مجذوب إنه يعزو ذلك لانشقاق قادة بارزين مثل اللواء النور قبة، الذي انسلخ من الدعم السريع ملتحقاً بالجيش، علاوة على تراجع الدعم الخارجي خلال الفترة الأخيرة، لتضطر الدعم السريع لفتح جبهات جديدة في محاولة منها لتشتيت جهود الجيش، خاصة جبهة جنوب شرق السودان، في مسعى للوصول إلى مدينة "الدمازين" حاضرة إقليم النيل الأزرق ومن ثم إلى خزان الرصيرص للتأثير على إمداد الكهرباء والزراعة، لكن "الجيش يعمل بتوازن وقادر على إبطال هذه المحاولات" على حد قوله.
وتوقع مجذوب أن هذه المنطقة تحديداً مرشحة لاشتعال أكبر في العام الرابع من الحرب، لافتاً إلى أنه لا يمكن الجزم بنهاية القتال أو استمراره في المرحلة المقبلة.
مسار سياسي متعثر
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى العاصمة الألمانية برلين، التي تستضيف مؤتمراً للقوى المدنية السودانية بتنظيم "الخماسية"، التي تضم الأمم المتحدة والاتحادين الإفريقي والأوروبي وجامعة الدول العربية و"إيجاد"، بهدف الدفع نحو تسوية للصراع، تتراجع الآمال في التوصل إلى حل قريب، خاصة في ظل مقاطعة قوى رئيسية لهذه الفعالية.
وفي هذا السياق، اعتبر وزير النفط والطاقة في حكومة "تأسيس" الموازية والمستشار بقوات الدعم السريع، الباشا طبيق، أن مؤتمر برلين لا يعدو كونه إعادة إنتاج للأزمة السودانية بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين، على حد وصفه، مشيراً إلى أن أي مبادرة دولية تتجاوز هؤلاء "تمثل هروباً من الواقع وضجيجاً فارغاً لا يعكس حقيقة المأساة".
وبينما تعلن قوات الدعم السريع استعدادها للجلوس إلى طاولة التفاوض، تؤكد مصادر حكومية أنها لم تفِ بالتزاماتها في اتفاق جدة، وأنها تخضع لإملاءات خارجية وتتبنى تكتيكات "مناورة"، ما يعقّد فرص التوصل إلى تسوية. في المقابل، تتهم الدعم السريع الجيش بالارتهان لأجندة التيار الإسلامي، وهو ما ينفيه قادة الجيش بشكل قاطع.
من جانبه، شدد أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني، في تصريح لـ"الشرق"، على ضرورة "التخلص من الأوهام والسرديات التي تشوّش الوقائع"، مؤكداً أن محددات الحكومة للحل واضحة، وتتمثل أولاً في رفض أي صيغة تمنح قوات الدعم السريع شرعية سياسية أو عسكرية موازية للدولة، وثانياً تفكيك مخاطر المليشيات عبر الانسحاب من المدن ونزع السلاح الثقيل، وثالثاً وقف الإسناد الخارجي الذي يطيل أمد الحرب، ورابعاً ربط أي وقف لإطلاق النار بآليات تحقق صارمة وترتيبات إنسانية قابلة للتنفيذ، لا بإعلانات سياسية فضفاضة.
وأضاف فريد أن نهاية الحرب يجب أن تفضي إلى جيش وطني موحد واحتكار شرعي للسلاح، مع التأكيد على أن أي عملية سياسية لاحقة ينبغي أن تكون سودانية خالصة لا مفروضة من الخارج، مشدداً في الوقت ذاته على عدم تجاوز مسألة المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة.
وخلص إلى أن التسوية المقبولة هي التي "تنهي التمرد دون أن تشرعن نتائجه أو تعيد إنتاج أسبابه"، معتبراً أن الضغوط الخارجية لفرض تقاسم السلطة أو إضفاء شرعية على بقاء الدعم السريع لا تمثل حلاً، بل محاولة لتمرير أجندات خارجية.
في المقابل، اعتبر محمد الأمين عبد النبي، منسق الاتصال السياسي بحزب الأمة القومي والقيادي في تحالف "صمود"، في حديث لـ"الشرق"، أن إنهاء الحرب يرتبط بجملة من العوامل، في مقدمتها توازن القوى على الأرض، حيث يشير الواقع إلى حالة إنهاك متبادل واستحالة الحسم العسكري.
كما لفت إلى أهمية الإرادة السياسية لدى الأطراف لتقديم تنازلات، إلى جانب الدور الإقليمي والدولي في تكثيف الضغوط وتنسيق المبادرات، فضلاً عن تأثير التدهور الاقتصادي والإنساني، وتماسك أو تشظي الأطراف المتحاربة.
وأشار إلى أن مؤشرات اقتراب نهاية الحرب قد تظهر تدريجياً عبر تراجع العمليات العسكرية، وتحول الخطاب من الحسم إلى الحل السياسي، وبدء قنوات تفاوض رسمية أو غير معلنة، إضافة إلى محاولات توحيد المبادرات الدولية، كما هو مطروح في مؤتمر برلين.
ومع ذلك، حذر عبد النبي من أن دخول الحرب عامها الرابع قد يمثل مرحلة مفصلية، "لكن ذلك لا يعني بالضرورة قرب نهايتها"، ما لم تتوافر شروط متزامنة، تشمل اقتناع الأطراف باستحالة الحسم العسكري، وتوافقاً إقليمياً ودولياً داعماً للحل السلمي، إلى جانب وجود قوى مدنية منظمة وقادرة على تقديم بديل سياسي موثوق.
وأكد أن دور القوى المدنية يزداد أهمية كلما تعثر الخيار العسكري، إلا أن تأثيرها يظل مرهوناً بقدرتها على التماسك وفرض حضورها في العملية التفاوضية، مشدداً على ضرورة فك ارتباطها بالأطراف المتحاربة، بما يتيح لها لعب دور مستقل يسهم في تهيئة بيئة ملائمة للتوصل إلى اتفاق سلام.









