تعديل دستوري بكوريا الشمالية كيم يطوي صفحة التوحيد مع الجنوب | الشرق للأخبار
خاص

تعديل دستوري في كوريا الشمالية.. كيم يطوي صفحة الوحدة مع الجنوب ويكرس الدولة النووية

time reading iconدقائق القراءة - 9
زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يزور جامعة كيم إيل سونج للسياسة، في بيونج يانج، كوريا الشمالية. 24 فبراير 2025 - Reuters
زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون يزور جامعة كيم إيل سونج للسياسة، في بيونج يانج، كوريا الشمالية. 24 فبراير 2025 - Reuters

أجرت كوريا الشمالية تعديلات واسعة على دستورها، تعكس توجهات جديدة في قيادة البلاد وعلاقاتها الإقليمية وتعيد صياغة موقفها من قضية توحيد الكوريتين، كما منحت هذه التغييرات زعيم البلاد كيم جونج أون سلطات أوسع، وأكدت الدور المركزي للأسلحة النووية في استراتيجية الدولة وبقاء النظام.

وفي مارس الماضي عقد مجلس الشعب الأعلى اجتماعه في بيونج يانج، وأجرى عدة تعديلات على دستور البلاد، وتم الكشف عن هذه التعديلات هذا الأسبوع، فيما تقوم كوريا الجنوبية حالياً بمراجعتها.

وبرزت بعض التفاصيل التي يمكن أن تعكس التوجه المستقبلي لبيونج يانج، مثل حذف النصوص المتعلقة بتوحيد الكوريتين، وتكريس سياسة الزعيم الكوري الشمالي القائمة على اعتبار "الدولتين معاديتين".

وكانت النسخ السابقة من الدستور تنُص على أن كوريا الشمالية ستسعى نحو "التوحيد السلمي"، لكن تم حذف هذه العبارة من الدستور المُعدل، إلى جانب عدة عبارات أخرى مثل "الانتصار الكامل للاشتراكية".

كما تُعزز التعديلات سلطة كيم جونج أون، وتكشف عن مدى سيطرته على الأسلحة النووية لكوريا الشمالية.

"خطوة متوقعة"

ولم يكن حذف النصوص المتعلقة بالتوحيد مفاجئاً تماماً، إذ أوضح لي جيونج-هو، الأستاذ في مركز أرشيف الحرب بجامعة كوريا، لـ"الشرق"، أن الخطوة كانت متوقعة بالفعل بعد إعلان كيم جونج أون في ديسمبر 2023 أن العلاقات بين بيونج يانج وسول لم تعد بين "أشقاء في الأمة"، بل أصبحت بين "دولتين معاديتين". كما قامت كوريا الشمالية بهدم بعض الرموز، مثل قوس إعادة التوحيد والطرق والسكك الحديدية التي تربط بين الكوريتين.

وأشار جيونج-هو إلى أن حذف النصوص المتعلقة بالتوحيد يعزز السيطرة الداخلية، قائلاً: "في حال لم تعد كوريا الجنوبية تُعامل كجزء من الأمة نفسها، يمكن لبيونج يانج تقليص الجاذبية الإيديولوجية للجنوب، وتبرير زيادة التسلح، وعزل السكان عن التأثيرات الخارجية".

وأضاف أن هذا يسمح للزعيم الكوري الشمالي بإعادة تعريف مبدأ "جوتشي"، وهو نسخة بيونج يانج من الاشتراكية والاكتفاء الذاتي، في نطاق أضيق، فبدلاً من أن يمتد إلى كامل شبه الجزيرة الكورية، يمكن اعتباره مقتصراً على كوريا الشمالية فقط، مما يمكن كيم من تقديم نفسه كقائد أنجز هذه المهمة الوطنية.

كما يحدد الدستور المُعدل حدود كوريا الشمالية مع الصين وروسيا من الشمال، وجمهورية كوريا (الاسم الرسمي للجنوب) من الجنوب، ما يشير ضمنياً إلى اعترافها بكوريا الجنوبية، التي لم تُذكر في دستور 2019 على الإطلاق.

والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت بيونج يانج تعتبر كوريا الجنوبية دولة "معادية". وتُشير وكالة الاستخبارات الوطنية الكورية الجنوبية إلى أن الدستور المُعدل يخفف بشكل واضح من حدة العداء، قائلة إنه "لا توجد أي تصريحات عدائية تجاه الجنوب على الإطلاق"، وأن بيونج يانج تسعى للحفاظ على الوضع الراهن بدلاً من التحرك بشكل عدائي.

من جانبه، حث سانج يونج يون، أستاذ الدراسات العسكرية بجامعة سوكيونج، سول على التعامل مع هذه التعديلات الدستورية بحذر، وقال لـ"الشرق" إن غياب التركيز على التوحيد "لا ينبغي تفسيره تلقائياً على أنه تراجع في التوترات العسكرية". 

وأضاف أنه رغم إعلان كوريا الشمالية أنها لم تعد تنوي التعامل مع الجنوب، فإنها واصلت إرسال رسائل عسكرية وسياسية إليها، ما يعني أن "الأمر قد لا يقتصر على إعادة تعريف كوريا الجنوبية كدولة مجاورة عادية"، بل قد يكون خطوة نحو ترسيخ علاقة أكثر عدائية بين الدولتين.

وقد يتركز هذا العداء حول الحدود البحرية بين الكوريتين، إذ لا يحدد الدستور الكوري الشمالي الحدود مع الجنوب، والحدود البحرية محل نزاع.

ويمكن القول إن ترك الحدود غير محددة يسمح لبيونج يانج بتجنب إثارة نزاع حدودي على المدى القصير، لكنه يفتح المجال لاحتمال نشوب خلافات مستقبلية.

وفي حين عدّلت بيونج يانج دستورها لتعتبر الكوريتين دولتين منفصلتين، لا يزال دستور سول يُعرف جمهورية كوريا على أنها تشمل كامل شبه الجزيرة الكورية وجزرها.

ومن غير المرجح أن تُعيد كوريا الجنوبية تعريف حدودها أو مسألة التوحيد في دستورها قريباً، إذ إن مثل هذه التغييرات لن تحظى بدعم الأغلبية الساحقة اللازمة في الجمعية الوطنية، ما يجعل البرلمان الحالي في سول عاجزاً عن إجراء أي تعديل، حتى لو كان طفيفاً، على دستور البلاد.

وبناءً على ذلك، فإن التعديلات التي أجرتها كوريا الشمالية على دستورها لا تُرجح أن تؤدي وحدها إلى تحسن مفاجئ في العلاقات الدبلوماسية بين الكوريتين، بل ينبغي النظر إليها على أنها تغييرات داخلية في الشمال أكثر من كونها رسالة موجهة إلى سول.

تعزيز سلطة كيم جونج أون

كما تعزز التعديلات الدستورية في كوريا الشمالية سلطة كيم جونج أون، إذ تُعينه رئيساً للدولة، وتضعه فوق مجلس الشعب الأعلى، وتُحذف الصلاحيات النظرية للمجلس في عزله من السلطة.

وفي الوقت نفسه، تم حذف إنجازات والده كيم جونج إيل وجده كيم إيل سونج، مؤسس كوريا الشمالية، من الدستور.

وأوضح جيونج-هو أن هذه التعديلات "يجب أن تُفهم على أنها محاولة لتأسيس عهد جديد لكيم جونج أون".

وأضاف أن شرعية كيم عند توليه السلطة كانت مستمدة من السلطة الموروثة من أسلافه، لكنه ظل نتيجة لذلك مرتبطاً بإطارهم الأيديولوجي، بما في ذلك هدف إعادة التوحيد، وهو ما قيد حركته.

وأشار إلى أن الزعيم الكوري الشمالي يخاطر إيديولوجياً بالتخلي عن جزء من الإرث الذي يمنح حكمه الشرعية، غير أن التعديلات الدستورية تمنحه في الوقت نفسه القدرة على التحرك نحو "شكل أكثر كاريزما من السلطة".

وقال الباحث الزائر في مركز آسيا بجامعة سول الوطنية، ديلان موتين لـ"الشرق" إن كيم، بعد أكثر من عقد في السلطة، "يشعر الآن بالثقة الكافية للخروج من ظلال والده وجده ووضع بصمته الخاصة على الدستور". 

وأضاف أن الزعيم الكوري الشمالي أطاح أيضاً خلال إعادة الهيكلة الأخيرة للقيادة عدداً من "الديناصورات الذين ما زالوا يفكرون بمنطق الحرب الكورية"، كما يسعى إلى تقديم بيونج يانج كـ "قوة إقليمية عادية".

وأوضح موتين أن الوقت الحالي هو الأنسب لكيم لإجراء هذه التغييرات الكبرى، لا سيما بعد النجاحات المتعددة في الخارج مع روسيا والصين مؤخراً، إلى جانب مؤشرات النمو الاقتصادي في الشمال، ما يعزز ثقته.

وتوقع موتين أن تؤدي هذه التعديلات في الدستور والقيادة إلى بعض الإصلاحات الاقتصادية في المستقبل.

وتضمنت التعديلات أيضاً بنداً جديداً يمنح الزعيم الكوري الشمالي سلطة التحكم في القوة النووية للبلاد، مع إمكانية تفويض هذه السلطة، كما ينُص الدستور على الحالات التي يمكن فيها استخدام الأسلحة النووية، بما في ذلك في أعقاب أي ضربة استهدافية أو عملية مماثلة ضد كيم. 

وعلى الرغم من أن بيونج يانج عرّفت نفسها كدولة نووية منذ سنوات عديدة، يرى جيونج-هو أن تكريس هذه السلطة النووية لزعيم البلاد يعني أن "كوريا الشمالية تقول إن الأسلحة النووية لم تعد مجرد ورقة مساومة، بل أصبحت جزءاً من هوية الدولة، وهيكل القيادة، واستراتيجية بقاء النظام".

ويبدو أن منح القدرة على تفويض هذه السلطة النووية يشكل إجراءً احترازياً ضد أي ضربة محتملة تستهدف قيادة البلاد، وهو تقليد للأسلوب الذي تبنته إيران مؤخراً، حيث تقوم بتفويض إطلاق الصواريخ إلى قادة ميدانيين. 

وأوضح موتين أن بيونج يانج، من خلال صياغة هذا الأمر بوضوح في الدستور، ترسل رسالة واضحة للغاية إلى الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية مفادها أن أي محاولة لشن ضربة ضد القيادة لن تنجح.

وعملياً، يبدو أن مسألة نزع السلاح النووي قد خرجت من طاولة المفاوضات، على الأقل في المستقبل القريب. ويشير جيونج-هو إلى أنه قد يتعين على سول وواشنطن تعديل سياساتهما نحو "أجندة سياسية أكثر واقعية" ترتكز على الردع وتقليل المخاطر.

تصنيفات

قصص قد تهمك