إحياء مجازر الاستعمار بالجزائر.. خطوة فرنسا لتحسين العلاقات | الشرق للأخبار

إعادة السفير وإحياء ذكرى "مجازر الاستعمار".. خطوات فرنسية لتحسين العلاقات مع الجزائر

time reading iconدقائق القراءة - 9
الوزيرة الفرنسية المنتدبة لشؤون القوات المسلحة والمحاربين القدامى أليس روفو خلال إحياء ذكرى أحداث 8 مايو في مدينة سطيف. الجزائر. 8 مايو 2026 - @WilayaSetif00019
الوزيرة الفرنسية المنتدبة لشؤون القوات المسلحة والمحاربين القدامى أليس روفو خلال إحياء ذكرى أحداث 8 مايو في مدينة سطيف. الجزائر. 8 مايو 2026 - @WilayaSetif00019

في شوارع مدينة سطيف شرق الجزائر، شاركت الوزيرة الفرنسية المنتدبة لشؤون القوات المسلحة والمحاربين القدامى أليس روفو في إحياء ذكرى أحداث 8 مايو 1945، التي قتل فيها الاستعمار الفرنسي آلاف الجزائريين أثناء مطالبتهم بحق تقرير المصير.

ورافق الوزيرة عدد من المسؤولين الجزائريين، إلى جانب السفير الفرنسي ستيفان روماتيه، الذي أعلن عودته إلى الجزائر لاستئناف مهامه بعد أكثر من عام على استدعائه إلى باريس، خلال ذروة الأزمة الدبلوماسية بين البلدين.

وحمل اختيار تاريخ 8 مايو وسطيف دلالات رمزية، إذ لا تزال هذه المدينة، إلى جانب قالمة وخراطة، تمثل واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر.

ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تحتفل بسقوط النازية، خرج جزائريون للمطالبة بحقهم في تقرير المصير، لكن تلك المظاهرات قوبلت بقمع دموي، تقول السلطات الجزائرية إنه أودى بحياة نحو 45 ألف شخص.

ويقول المؤرخون إن هذه الأحداث كانت سبباً في اندلاع حرب التحرير الجزائرية بعد 9 سنوات، في 1 نوفمبر 1954، وانتهت باستقلال الجزائر عن فرنسا في 5 جويلية 1962.

وقال الإليزيه في بيان، الجمعة، إنه "في الوقت الذي كان الفرنسيون يحتفلون فيه بالتحرر، استمر قمع المظاهرات في مدن سطيف وقالمة وخراطة لعدة أسابيع، وأسفر عن سقوط آلاف الضحايا". وأضاف: "هذه هي حقيقة تاريخنا، ومن شرف فرنسا أن تنظر إليه بوضوح".

واعتبر الإليزيه أن هذه الخطوة تعكس إرادة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في "معالجة العلاقات بين فرنسا والجزائر بصدق، مع احترام جميع الذاكرات المرتبطة بها".

والسبت، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في قصر المرادية، كلاً من الوزيرة والسفير الفرنسيين، بحضور كبار مسؤولي الدولة.

وقالت الوزيرة الفرنسية عقب استقبالها من قبل تبون، إن "المحادثات كانت جد بناءة"، مشيرة إلى أن ماكرون كلفها بـ"التعبير عن عزمه على إيجاد كافة السبل لإعادة بعث علاقة قائمة على الاحترام والندية والهدوء والثقة بين بلدينا".

واعتبرت أن هدف باريس هو "التوصل بسرعة إلى نتائج، ولذلك بحثنا خطوات عملية لكي تكون الأشهر القادمة مفيدة لمصالح وعلاقات الجزائر وفرنسا".

كما عقدت الوزيرة الفرنسية لقاء مع رئيس أركان الجيش الجزائري السعيد شنقريحة في مقر وزارة الدفاع.

وبخصوص التعاون الأمني وفي مجال الدفاع، قالت روفو إنها تطرقت إليه مطولاً مع شنقريحة، معتبرة أن هذا التعاون "'مهم جداً في سياق إفريقي ودولي يتسم بعدم الاستقرار".

وكان ماكرون قرر منتصف أبريل 2025 سحب سفيره من الجزائر، إلى جانب طرد 12 موظفاً من القنصليات الجزائرية في فرنسا، رداً على قرار الجزائر طرد موظفين تابعين للسفارة الفرنسية بالجزائر، عقب توقيف موظف قنصلي جزائري في باريس بتهمة "محاولة اختطاف" جزائري مقيم في باريس، معروف بنشاطه على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي نهاية يناير 2026، كشفت قناة "الجزائر الدولية" توجه الجزائر لإعلان السفير الفرنسي لديها شخصاً غير مرغوب فيه، على خلفية ظهوره في برنامج فرنسي، حمّل خلاله الجزائر مسؤولية الأزمة الدبلوماسية مع بلاده.

رسائل سياسية وتاريخية

وقال بيان الرئاسة الفرنسية، الجمعة، إن السفير الفرنسي سيستأنف مهامه، إذ "سيعمل على مختلف جوانب التعاون الثنائي، بروح من المعاملة بالمثل، مع إيلاء اهتمام خاص بعودة مواطننا كريستوف جليز إلى فرنسا".

وكريستوف جليز هو صحافي فرنسي أدانه القضاء الجزائري بالسجن 7 سنوات نافذة، بتهم تتعلق بـ"تمجيد الإرهاب"، عقب توقيفه في الجزائر عام 2024. ومؤخراً، سحب هذا الصحافي الطعن أمام محكمة النقض، على أمل الاستفادة من عفو رئاسي، من الرئيس الجزائري.

وأضاف بيان الإليزيه أن "النظرة الواضحة التي تعتمدها فرنسا تجاه التاريخ ينبغي أن تسمح اليوم بإقامة علاقات قائمة على الثقة وواعدة للمستقبل، بما يخدم مصلحة الشعبين الفرنسي والجزائري".

ويرى النائب في مجلس النواب كمال بن خلوف، أن "عودة السفير الفرنسي إلى الجزائر، تزامناً مع مناسبة تحمل رمزية كبيرة في التاريخ الجزائري، وهي 8 مايو 1945، تتضمن رسائل سياسية عديدة تسعى باريس إلى توجيهها للجزائر، لا سيما في ما يتعلق بملف الذاكرة الوطنية، ومحاولة رأب الصدع وإعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي".

وأضاف بن خلوف، في تصريح لـ"الشرق"، أن هذا التوجه "يتماشى أيضاً مع رؤية الجزائر التي لا ترغب في التصعيد في علاقاتها الدولية، خصوصاً مع الدول ذات الروابط التاريخية، مع التشديد على ضرورة قيام العلاقات على مبدأ الندية والمعاملة بالمثل".

وأشار إلى أن عودة السفير الفرنسي وزيارة المسؤولة العسكرية الفرنسية تأتيان في سياق "مساعٍ لاحتواء الأزمة وإعادة ترتيب الملفات الثنائية، بما يضمن تحقيق مصالح البلدين والابتعاد عن التوتر الذي لا يخدم المصالح العليا للطرفين".

واعتبر بن خلوف أن عودة السفير "تمت في أجواء من التشاور والتنسيق بشأن عدد من الملفات الحساسة، من بينها قضايا الأمن، والجالية الجزائرية في فرنسا، والهجرة، والتعاون الاقتصادي، إلى جانب ملفات أخرى ذات اهتمام مشترك".

ويأتي قرار إعادة السفير الفرنسي لاستئناف مهامه بعد استئناف الحوار الأمني بين البلدين، الذي تم تفعيله خلال زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز في فبراير الماضي، إلى جانب استئناف الحوار الدبلوماسي من خلال المحادثة الهاتفية التي جرت منتصف مارس الماضي بين وزيري خارجية الجزائر وفرنسا، والتي تناولت واقع العلاقات الثنائية وآفاق تطويرها.

انفراج جزئي

ويرى محمد السي بشير، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، أن "الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا شهدت انفراجاً جزئياً فقط، بالنظر إلى أن الجزائر لم تعلن بعد تعيين سفير جديد لها في باريس، فيما لا تزال سفارتها هناك تُدار من قبل قائم بالأعمال".

وأضاف أن زيارة المسؤولة العسكرية الفرنسية "لا ترتبط فقط بإحياء ذكرى مجازر 8 مايو 1945، بل ربما أن المسؤولة الفرنسية تحمل أوراق تفاوضية وعروض تتعلق بعدد من المطالب الجزائرية".

واعتبر أن الجزائر "نجحت خلال الفترة الأخيرة في تفكيك الملف الفرنسي إلى مسارين"، هما "المسار الرسمي الذي لا تتعامل معه الجزائر إلا في  القضايا ذات المصالح المشتركة، مثل ملفات الهجرة، واستقبال المهاجرين غير النظاميين، وحماية الجالية الجزائرية في فرنسا"، ومسار آخر يتعلق بـ"التعاون عبر منظمات وجمعيات غير رسمية"، مشيراً إلى الوزيرة الفرنسية السابقة سيجولين رويال، بصفتها رئيسة لجمعية الصداقة الفرنسية الجزائرية، والتي سبق أن استقبلها الرئيس الجزائري في إطار دعم التعاون الاقتصادي بين البلدين.

واعتبر السي بشير أن انفتاح الجزائر على الفاعلين غير الرسميين، مثل منظمات أرباب العمل والجمعيات الاقتصادية، قد يشكل دافعاً للسلطات الفرنسية لإدراك أن التعامل مع الجزائر بندية واحترام متبادل يخدم المصالح الفرنسية، خصوصاً في مجال الطاقة، في ظل التحديات المرتبطة بالحصول على موارد الطاقة، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي.

وأضاف أن "فرنسا تملك مصلحة استراتيجية في استعادة مستوى تعاونها مع الجزائر، بما يسمح لها بالاستفادة من موارد الطاقة على غرار ما حققته دول أوروبية مثل إيطاليا وإسبانيا، شريطة تصحيح مسار العلاقات الثنائية، وتخفيف حدة التوتر، والتوقف عن استخدام الجزائر كورقة في السجالات السياسية والإعلامية الفرنسية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المرتقبة العام المقبل".

وكان السفير الجزائري السابق السعيد موسى، والذي تم استدعائه في يوليو 2024، قد تم تعيينه سفيراً للجزائر في البرتغال.

وسحبت الجزائر سفيرها وخفضت التمثيل الدبلوماسي رداً على اعلان ماكرون دعمه لمبادرة الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب كحل لقضية الصحراء.

تصنيفات

قصص قد تهمك