
تدخل العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وفرنسا مرحلة صياغة إطار تعاقدي غير مسبوق، عقب إعلان البلدين الاستعداد لتوقيع معاهدة ثنائية شاملة تؤطر علاقاتهما السياسية والاقتصادية والأمنية للعقود المقبلة.
وستشكل المعاهدة المرتقبة، التي تُعد الأولى من نوعها التي تبرمها باريس مع دولة خارج الفضاء الأوروبي، والأولى للرباط مع شريك أوروبي، الحدث الأبرز خلال زيارة الدولة المرتقبة التي سيقوم بها ملك المغرب محمد السادس إلى العاصمة الفرنسية باريس.
ويأتي هذا التطور التعاقدي تتويجاً لمسار مكثف من التنسيق المشترك، وتجاوزاً لسنوات من الفتور الدبلوماسي، مستنداً بالأساس إلى التحول الاستراتيجي في الموقف الفرنسي، الذي أعلن صراحة دعم السيادة المغربية على الصحراء، واعتبر مخطط الحكم الذاتي الأساس الوحيد لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
وتعزز هذا المسار عبر سلسلة لقاءات وزارية مكثفة بلغت نحو 50 اجتماعاً لتحديد معالم ومضامين هذا الإطار التعاقدي "التاريخي"، الذي يهدف إلى نقل الشراكة إلى مستوى "السيادة المشتركة" والتكافؤ التام.
بوريطة: المرحلة الأقوى في تاريخ العلاقات
وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، أكد في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو عُقد في الرباط، الأربعاء، عقب محادثات ثنائية، أن علاقات البلدين تعيش حالياً "أقوى مراحلها التاريخية في جميع المجالات".
وأوضح أن العلاقات الثنائية دخلت مرحلة جديدة وإيجابية للغاية منذ زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب ولقائه بالملك محمد السادس في أكتوبر 2024، مشدداً على أن العلاقات تشهد منذ ذلك التاريخ دينامية مكثفة واتصالات متواصلة على أعلى مستوى بين قائدي البلدين.
وكشف الوزير المغربي أن الأشهر الأخيرة تميزت بعقد "ما يقارب 40 إلى 50 لقاءً وزارياً" بين مسؤولين مغاربة وفرنسيين، وهي اللقاءات التي ساهمت في تعزيز التعاون الثنائي في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والأمن والتعاون القنصلي والتبادل الإنساني، إلى جانب فتح آفاق جديدة للشراكة في قطاعات وصفها بـ"المتطورة والاستراتيجية"، مثل الأمن السيبراني والصناعات الدفاعية وصناعة الطيران.
وفي الشق الإقليمي، تحدث بوريطة عن الاندماج القاري، مشيراً إلى أن إفريقيا تمثل "قارة انتماء بالنسبة للمملكة المغربية"، فيما تظل بالنسبة لفرنسا فضاءً ذا حضور قوي، مضيفاً: "فرنسا بحاجة لإفريقيا، وإفريقيا بحاجة لفرنسا".
وحول التنسيق الإجرائي وتوقيت الخطوات المقبلة، أشار بوريطة إلى أن اللجنة العليا المغربية الفرنسية ستعقد اجتماعاً لها في يوليو المقبل، برئاسة رئيسي وزراء البلدين، لوضع اللمسات الأخيرة وتدقيق الاتفاقيات الملحقة.
بارو: الدعم والالتزام
من جانبه، أكد وزير الخارجية الفرنسي الأهمية الاستثنائية التي توليها باريس للمرحلة المقبلة، وقال: "نحن نستعد أيضاً لاستقبال ملك المغرب في زيارة دولة إلى فرنسا، ستكون علامة فارقة تاريخية في العلاقات الفرنسية المغربية".
وفيما يتعلق بملف الصحراء، جدد بارو تأكيد ثبات العقيدة الدبلوماسية لبلاده، مشيراً إلى دعم فرنسا استئناف المحادثات المباشرة بين أطراف النزاع في الصحراء على أساس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وبما يتوافق مع أحدث قرار لمجلس الأمن الدولي رقم 2797.
وعلى الصعيد الاقتصادي والقاري، قال بارو إن المغرب هو الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في إفريقيا، وبوابة لوجستية ومالية تربط باريس بأجزاء من القارة، معتبراً أن التعاون والتنسيق المشترك بين البلدين في إفريقيا أمر "طبيعي" بالنظر إلى المصالح المتبادلة والروابط التاريخية.
استلهام أوروبي لمعاهدة سيادية جديدة
من الناحية السياسية والاستراتيجية، تكتسي المعاهدة أهمية قانونية ودبلوماسية بالغة، إذ تشير القراءات الأولية إلى أن إطارها المؤسساتي مستوحى من نماذج معاهدات سيادية تاريخية وهيكلية في أوروبا، مثل معاهدة "الإليزيه" أو "آخن" بين فرنسا وألمانيا، ومعاهدة "الكيرينال" بين فرنسا وإيطاليا.
ويعكس نقل هذا النموذج التعاقدي المتقدم إلى الضفة الجنوبية للمتوسط تحولاً جذرياً في عقيدة باريس الدبلوماسية تجاه الرباط، كشريك إقليمي مكافئ يتمتع بالندية والاستقلالية الاستراتيجية الكاملة، وليس كحليف تقليدي.
وفي تحليل أبعاد هذا التحول، يرى تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس، في حديثه لـ"الشرق"، أن إقدام فرنسا على توقيع هذا النوع من المعاهدات لأول مرة خارج نطاق حلفائها في الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي "الناتو"، يعكس تبلور وعي فرنسي بالأهمية الاستثنائية لعلاقاتها مع الرباط.
وذكر أن هذا التوجه يمثل "القرار الأكثر انسجاماً" لباريس بعد اعترافها الصريح بأن "حاضر ومستقبل الصحراء لا يمكن أن يُحسم إلا تحت السيادة المغربية"، ما ينقل الموقف الفرنسي من مجرد "وعود معلقة" إلى التزام قانوني وأمر واقع يتحقق ميدانياً عبر استثمارات فرنسية مباشرة في أقاليم الصحراء جنوبي البلاد.
وأشار الحسيني إلى أن المعاهدة تأتي في وقت تشهد فيه الدبلوماسية الفرنسية تراجعاً ونوعاً من الأزمة في مناطق نفوذها التقليدية في الساحل وغرب إفريقيا.
وأردف: "فرنسا تحاول عبر هذه المعاهدة تحويل هذا التطور السلبي إلى تطور إيجابي، وتدرك أن المغرب يمثل اليوم منصة استراتيجية عابرة للقارات، تمتد من مشروع (طريق الحرير) نحو العمق الإفريقي، وصولاً إلى بناء علاقات (أورو-إفريقية) متوازنة".
اقتصاد المعاهدة المرتقبة
واقتصادياً، يرى بدر الزاهر الأزرق، أستاذ قانون الأعمال بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن المعاهدة المرتقبة "لا يجب فهمها فقط كوثيقة دبلوماسية، بل كإعلان انتقال حاسم من علاقة تجارية كلاسيكية إلى شراكة استراتيجية معمقة".
وأشار في حديثه لـ"الشرق" إلى أن المغرب صاغ عقيدته الاقتصادية الجديدة بناءً على رفض العودة لمنطق استيراد التجهيزات أو شراء التكنولوجيا الجاهزة، بل يرتكز طموحه على الدخول في "منطق التصنيع المشترك، ونقل الخبرة، وتكوين الكفاءات، وخلق منظومات صناعية متكاملة داخل التراب المغربي"، مع التركيز على قطاعات الدفاع والأمن، وصناعة الطيران، والطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدقيقة.
وذكر أن الرهان العملي والتحول الجوهري يكمن في تحول طبيعة الاستثمارات الفرنسية في المملكة، بحيث تتجاوز نموذج "مصانع التركيب أو المناولة البسيطة" وتنتقل نحو "وحدات ذات قيمة مضافة عالية، تشمل مراكز البحث والتطوير، وهندسة التصنيع للقطع الدقيقة، والصيانة الصناعية المتقدمة، والتكوين التقني عالي المستوى"، إلى جانب ربط الجامعات والمعاهد المغربية مباشرة بسلاسل الإنتاج.
ولفت إلى أن هذه الخطوات ستؤهل المغرب ليصبح "قاعدة صناعية وإفريقية مشتركة" متكاملة، وليس مجرد سوق استهلاكي.
وتُعد فرنسا الشريك التجاري الثاني للمغرب بعد إسبانيا، وأكبر مصدر للاستثمارات الأجنبية فيه، بحجم تبادل تجاري سنوي يناهز 14.8 مليار يورو، موزعة بالتساوي تقريباً بين صادرات وواردات بقيمة 7.4 مليارات يورو لكل جانب، ما يعكس توازناً كبيراً في الميزان التجاري.
وينعكس هذا الزخم الاقتصادي في حضور أكثر من ألف شركة فرنسية تعمل في المملكة، تتركز في قطاعات صناعة السيارات والطيران والخدمات واللوجستيك.
الصحراء تجذب استثمارات فرنسية
وعلى صعيد ملف الصحراء والأقاليم الجنوبية، يقول الأزرق إن التحول الميداني بعد الاعتراف الفرنسي بات "مهماً جداً وملموساً"، إذ فتح هذا الموقف الدبلوماسي الباب أمام تدفق استثمارات فرنسية "أكثر وضوحاً وجرأة" في مدن الداخلة والعيون وكلميم.
وتتوزع هذه الاستثمارات الكبرى في مجالات الطاقات المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والتنمية الترابية، والموانئ، واللوجستيك، وتحلية المياه، بالإضافة إلى السياحة والصناعات المرتبطة بقطاع الصيد البحري.
إلا أن الأزرق شدد على مقياس أساسي لنجاح هذا الجانب، حيث اعتبر أن الأهمية تكمن في "ألا تظل هذه الاستثمارات مجرد مشاريع كبرى فوقية، بل ينبغي أن تخلق أثراً محلياً مباشراً ومستداماً".
وشدد على أن القيمة العملية للمعاهدة ستتوقف على قدرتها على خلق فرص عمل للشباب، وإدماج المقاولات المحلية والناشئة، وتطوير التكوين التقني المتخصص في الأقاليم الجنوبية، بما يعزز موقع الداخلة والعيون كمنصات إنتاج وقواعد تصدير باتجاه إفريقيا الأطلسية.
العمق الإفريقي
وفيما يخص الامتداد القاري للشراكة، رأى الخبراء أن "المبادرة الأطلسية" التي أطلقها ملك المغرب تمنح معاهدة الرباط وباريس بُعداً جيو-اقتصادياً واسع النطاق، يتجاوز حدود العلاقة الثنائية.
وفي هذا السياق، أشار الأزرق إلى أن العقيدة الجديدة لا تتحدد بمحور ثنائي مغلق (باريس- الرباط)، بل تتسع لتصاغ وفق معادلة ثلاثية الأبعاد (باريس-الرباط-إفريقيا الأطلسية).
وتشير إفريقيا الأطلسية إلى الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي، والتي ترتبط اقتصاداتها وتبادلها التجاري ومسارات الطاقة والتعاون الاستراتيجي فيها ارتباطاً وثيقاً بمنطقة حوض الأطلسي.
وفسّر الأزرق هذا التكامل بعناصر القوة التي يملكها كل طرف، حيث يساهم المغرب بموقعه الاستراتيجي الفريد، واستقراره السياسي، وتجربته البنكية واللوجستية العميقة، فضلاً عن شبكة اتصالاته وعلاقاته الإفريقية الممتدة. في المقابل، تمتلك فرنسا التكنولوجيا المتقدمة، والقدرات التمويلية الضخمة، والشركات متعددة الجنسيات الكبرى.
ولفت إلى أنه في حال اجتمع الطرفان بناءً على منطق "رابح-رابح"، سيكون بمقدورهما بناء "ممر اقتصادي أطلسي" استراتيجي يخدم دول الساحل ودول غرب إفريقيا في مجالات حيوية تشمل الطاقة، وتطوير الموانئ، والأمن الغذائي، والنقل، والرقمنة، والتكوين المهني.
ويتكامل هذا التحليل مع ما ذهب إليه تاج الدين الحسيني، الذي أكد بدوره أن الأذرع الاقتصادية المغربية الكبرى، وفي مقدمتها مجموعة "المكتب الشريف للفوسفات" (OCP) والقطاع البنكي المغربي، تلعب دوراً ريادياً في القارة في مجالات الأمن الغذائي والتمويل.










