كواليس "الطلاق البائن" بين رئيس السنغال ورئيس حكومته | الشرق للأخبار
تحليل إخباري

رفاق الأمس أعداء اليوم.. كواليس "الطلاق" بين رئيس السنغال ورئيس حكومته

time reading iconدقائق القراءة - 9
زعيم المعارضة السنغالية عثمان سونكو يستمع إلى المرشح الرئاسي الذي يدعمه في انتخابات 24 مارس باسيرو ديوماي فاي، خلال مؤتمر صحافي مشترك عُقد بعد يوم من الإفراج عنهما من السجن، في دكار بالسنغال. 15 مارس 2024 - Reuters
زعيم المعارضة السنغالية عثمان سونكو يستمع إلى المرشح الرئاسي الذي يدعمه في انتخابات 24 مارس باسيرو ديوماي فاي، خلال مؤتمر صحافي مشترك عُقد بعد يوم من الإفراج عنهما من السجن، في دكار بالسنغال. 15 مارس 2024 - Reuters

شهدت العاصمة السنغالية دكار ليلة الجمعة، زلزالاً سياسياً غير مسبوق، إذ أصدر الرئيس باسيرو ديوماي فاي مرسوماً قضى بإقالة رئيس وزرائه وعرابه عثمان سونكو، وحل الحكومة بالكامل.

أعلن التلفزيون الرسمي السنغالي الخبر عبر بيان تلاه الأمين العام للرئاسة، أومار سامبا با، جاء فيه أن الرئيس فاي: "أنهى مهام رئيس الوزراء عثمان سونكو، وبالتالي مهام الوزراء ونوابهم، مع تكليف الحكومة المستقيلة بتصريف الأعمال اليومية".

هذا الإجراء وضع حداً لواحدة من أبرز الثنائيات السياسية في إفريقيا الحديثة، والتي عُرفت بـ"الترادف التنفيذي" بين فاي وسونكو، معلناً بداية مرحلة جديدة من الغموض السياسي والاضطراب الاقتصادي في البلاد.

 وجاء هذا "الطلاق" بين الرئيس ورئيس وزرائه بعد أشهر من الخلافات الصامتة التي خرجت إلى العلن في جلسة برلمانية عاصفة قبل أيام من الإقالة، انتقد فيها سونكو علناً بعض توجهات الرئاسة، ما عجل بقرار الإطاحة به.

وفي أول رد فعل له عقب صدور القرار، كتب سونكو في حسابه بمنصة فيسبوك: "الحمد لله.. الليلة سأنام بقلب خفيف في حي كير جورجي" (في إشارة إلى مقر إقامته الخاصة في العاصمة داكار بعيداً عن أسوار قصر رئيس الوزراء).

من هو عثمان سونكو؟

ولد عثمان سونكو في 15 يوليو 1974 في مدينة "ثييس" (Thiès) ثالث أكبر مدينة في السنغال، ونشأ في منطقة كازامانس في جنوب البلاد.

وتلقى تعليماً أكاديمياً متميزاً، إذ حصل على شهادة في القانون العام من جامعة "جاستون بيرجر" (Gaston Berger University) في مدينة سانت لويس شمالي السنغال.

 ثم تخرج من المدرسة الوطنية للإدارة (ENA) في السنغال متخصصاً في الضرائب والعقارات.

وعمل سونكو لمدة 15 عاماً كمفتش للضرائب والمستندات الرسمية، وهي الوظيفة التي منحته رؤية عميقة لكواليس الفساد المالي والإداري في الدولة. 

وفي عام 2014، أسس حزب "الوطنيون السنغاليون من أجل العمل والأخلاق والأخوة" (PASTEF)، متبنياً خطاباً راديكالياً معادياً للمنظومة التقليدية ونبرة سيادية قومية متشددة.

من الفصل إلى زعامة المعارضة

بحلول عام 2016 تحول سونكو إلى "مبلغ عن الفساد"، إذ كشف عن تجاوزات ضريبية، وتهرب مالي لشركات كبرى وشخصيات مقربة من نظام الرئيس السابق ماكي سال. وأسفر ذلك عن فصله بمرسوم رئاسي من وظيفته كمفتش ضرائب، وهي الخطوة التي منحت سونكو شعبية جارفة، وحولته إلى "بطل شعبي" في نظر العديد من الشباب.

وعام 2017 انتخب سونكو نائباً في الجمعية الوطنية (البرلمان)، ليصبح الصوت الأعلى والأكثر شراسة ضد حكومة ماكي سال.

وفي عام 2019 ترشح للانتخابات الرئاسية، وحل في المركز الثالث بنسبة 15.6% من الأصوات، مستنداً إلى قاعدة جماهيرية عريضة من الشباب العاطلين عن العمل والمتطلعين للتغيير.

وواجه سونكو ملاحقات قضائية متعددة، أبرزها اتهامات بالاغتصاب تمت تبرئته منها لاحقاً قبل أن يتم توجيه تهمة إفساد الشباب له)، تلتها تهم بـ"الدعوة إلى التمرد". 

وأدت هذه المحاكمات إلى اندلاع احتجاجات دامية في السنغال أسفرت عن سقوط العشرات. وفي يوليو 2023، حلت السلطات حزبه السياسي وأودعته السجن.

علاقة سونكو وفاي.. من "عراب" إلى غريم

لا يمكن فهم صعود الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي إلى الرئاسة بمعزل عن علاقته بعثمان سونكو، فقد كان فاي رفيقاً لسونكو في مصلحة الضرائب، وشغل منصب الأمين العام لحزبه، وعندما تأكدت استحالة ترشح سونكو للانتخابات الرئاسية لعام 2024 بسبب الأحكام القضائية الصادرة بحقه نتيجة إدانته بتهمة التشهير، اختار سونكو رفيقه فاي (الذي كان مسجوناً معه أيضاً) ليكون مرشح الحزب البديل، تحت الشعار الشهير الذي ردده أنصار الحزب: "ديوماي هو سونكو، وسونكو هو ديوماي".

وبعد الإفراج عنهما في عفو عام قبيل الانتخابات بـ10 أيام فقط، قاد سونكو الحملة الانتخابية لفاي ببراعة، ما مكن الأخير من الفوز بالرئاسة من الجولة الأولى في مارس 2024 بنسبة 54% من الأصوات، ليصبح أصغر رئيس في تاريخ السنغال.

وعقب الفوز، عين الرئيس فاي عرابه سونكو رئيساً للوزراء، لكن هذه الثنائية سرعان ما بدأت بالتآكل تحت وطأة "عقدة الرجلين القويين" وصراع الصلاحيات بين الرئاسة ورئاسة الوزراء، لا سيما بعد أن وجه سونكو علناً في يوليو الماضي اتهامات مبطنة للرئيس بـ"الفشل في القيادة" لعدم الدفاع عنه بقوة أمام الخصوم، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام محلية وإقليمية.

لماذا وقع "الطلاق"؟

تلخص الخلاف الحالي بين الرجلين في نقطتين أساسيتين هما السياسة الاقتصادية الدولية، وإدارة الحزب والسلطة.

وأشارت وكالة "رويترز" إلى أن سونكو تبنى توجهاً "أفريقانياً" راديكالياً مناهضاً للمؤسسات المالية الدولية، وفي نوفمبر الماضي، عارض بشدة أي مقترحات لإعادة هيكلة ديون السنغال البالغة نحو 13 مليار دولار، ليدخل في صدام مع صندوق النقد الدولي، ومتهماً إياه بالضغط على البلاد في هذا الاتجاه.

جاء ذلك بعد أن جمد الصندوق برنامج تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار إثر اكتشاف "بيانات مضللة" أرسلتها الحكومة السابقة، كشفت أن ديون السنغال الفعلية وصلت إلى 132% من الناتج المحلي الإجمالي مع نهاية عام 2024. 

وفي حين مال الرئيس فاي إلى البراغماتية والهدوء لاستئناف المحادثات مع الصندوق (المقرر إعادتها في يونيو المقبل لتفادي أزمة اقتصادية)، كان سونكو يرفض شروط الصندوق، بل ورفض مؤخراً طلباً من وزير ماليته شيخ ديبا لرفع أسعار الوقود محلياً لتغطية عجز الموازنة البالغ ملياري دولار.

كذلك تمسك سونكو بموقفه الداعي إلى مراجعة وإلغاء عدد من عقود الطاقة الموقعة مع الشركات الأجنبية، باعتبارها لا تحقق مصالح السنغال بالشكل الكافي. 

وفي مارس الماضي، أعلن إلغاء عقد مرتبط بشركة PB في حقل "السلحفاة الكبرى أحميم" للغاز، واصفاً الاتفاق بأنه "مجحف"، كما ألغى 71 رخصة تعدين، ضمن توجه يهدف، بحسب مقربين منه، إلى إعادة بناء مالية البلاد وتعزيز السيطرة الوطنية على الموارد.

لكن هذه الخطوات أثارت مخاوف داخل دوائر الحكم، إذ رأى الرئيس باسيرو ديوماي فاي، أن التصعيد في مراجعة العقود قد يبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين الأجانب في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصادية متزايدة.

ومع اتساع الخلافات بين الرجلين، بدأ التوتر يطفو إلى العلن بصورة غير مسبوقة، خصوصاً بشأن إدارة الحزب الحاكم وحدود النفوذ داخل السلطة.

ووجد نفسه في وضع معقد، فقد وصل إلى الرئاسة مستفيداً إلى حد بعيد من الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها سونكو، لكنه في المقابل سعى إلى ترسيخ موقعه كرئيس فعلي للدولة، وسط انزعاج متزايد من تحركات سونكو وخطابه السياسي الذي بدا، في نظر خصومه، وكأنه يتجاوز حدود دوره الحكومي.

وجاء خطاب سونكو الأخير أمام البرلمان، قبل ساعات من إقالته، ليعكس عمق الأزمة داخل الحكم، بعدما ألمح بشكل مباشر إلى أن خلافاته مع الرئيس لم تعد مجرد تباينات عابرة، بل أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الحزب وطريقة إدارة الدولة.

إلى أين يتجه السنغال؟

تفتح إقالة عثمان سونكو الباب أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية في السنغال، مع تصاعد المخاوف من تداعيات الانقسام داخل المعسكر الحاكم على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ويبرز احتمال انقسام الحزب الحاكم كأحد أكبر التحديات، خاصة أن الحزب يهيمن على الجمعية الوطنية، ما قد يعرقل الإصلاحات الاقتصادية التي يسعى الرئيس فاي إلى تمريرها للحصول على دعم من صندوق النقد الدولي.

وفي المقابل، تبدو عودة سونكو إلى المعارضة احتمالاً مطروحاً بقوة، خصوصاً بعدما أكد سابقاً استعداده للانسحاب من الحكومة إذا ابتعدت السلطة عن البرنامج السياسي الذي تأسس عليه الحزب. 

ويعتقد مراقبون أن سونكو لا يزال يمتلك قدرة كبيرة على تحريك الشارع، مستنداً إلى قاعدة شعبية واسعة، خاصة بين فئة الشباب.

وفي بلد لطالما قُدم بوصفه أحد أكثر النماذج استقراراً في غرب إفريقيا، يشكل الصراع بين فاي وسونكو اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات السنغالية على احتواء الخلافات داخل قمة السلطة، ومنع تحولها إلى أزمة سياسية أوسع.

تصنيفات

قصص قد تهمك