
طرحت صحيفة "نيويورك تايمز" تساؤلات بشأن إمكان أن يشكّل فوز الحزب الاشتراكي في الانتخابات النيابية التي نظمتها ألمانيا الأحد، مؤشراً إلى عودة أحزاب يسار الوسط إلى الحكم في أوروبا، التي مُنيت بهزائم منذ أكثر من عقد، بعدما كانت الركيزة الأساسية للعمل السياسي في القارة.
وأشارت الصحيفة إلى أن مرشح الاشتراكيين في ألمانيا، أولاف شولتز، يستعد لإجراء مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية ذات ميول يسارية، مع حزبَي "الخضر" و"الديمقراطيين الأحرار"، بعدما قاد حملة انتخابية وسطية. واستدركت أن لا شيء مضمون، إذ إن مرشح المحافظين، أرمين لاشيت، الذي خسر بفارق 1.6 نقطة مئوية، يريد أيضاً محاولة تشكيل ائتلاف حكومي.
ورغم أن النتائج أثارت فوضى في معسكر المحافظين، إلا أن المشهد بالنسبة إلى يسار الوسط لا يزال يمثّل تحدياً. ففي دول أخرى بأوروبا، تآكلت شعبية أحزاب من يسار الوسط، مع تبدّد قاعدتها التقليدية من العمال، وتبعثر الكتل السياسية إلى أحزاب صغرى. ولكن بعد بروز اليمينيين الشعبويين في السنوات الأخيرة، ثمة دلائل على احتمال حدوث تغيير.
تشرذم حزبي
"نيويورك تايمز" اعتبرت أن الانتخابات الألمانية أبرزت بشكل حاد استمرار اتجاه كان واضحاً في كل أنحاء أوروبا، هو التشرذم والتقلّب في الدعم السياسي. فقبل 3 عقود، نال أبرز حزبين في ألمانيا أكثر من 80% من الأصوات في الانتخابات الوطنية. والأحد الماضي، حصل الاشتراكيون على 25.7%، وحزبا "الاتحاد الديمقراطي المسيحي" وحليفه "الاتحاد الاجتماعي المسيحي" على 24.1%، ممّا يثير تساؤلات بشأن شرعيتهم، بوصفهم أحزاباً كبرى تمثّل كل عناصر المجتمع.
الأصوات التي تخسرها الأحزاب التي كانت مهيمنة، تكسبها أحزاب تتخذ مواقف محددة بدقة أكبر، سواء كانت حزب "الخضر"، الذي يحرّكه ملف البيئة، أو "حزب الديمقراطيين الأحرار" المؤيّد للحريات المدنية. وإذا قُسّمت الأصوات في ألمانيا بحسب المفاهيم التقليدية لـ "اليمين" و"اليسار"، فستكون شبه متساوية، مع نحو 45% لكل جانب.
عشية تفشي فيروس كورونا المستجد، أظهر استطلاع للرأي أعدّه "مركز بيو للأبحاث" في 14 من دول الاتحاد الأوروبي، في عام 2019، أن عدداً ضئيلاً من الناخبين أعربوا عن وجهات نظر إيجابية بشأن الأحزاب السياسية. 6 فقط من نحو 60 حزباً، نالت تقييماً إيجابياً من أكثر من 50% من السكان في بلدانها. كذلك نالت الأحزاب الشعبوية في القارة آراء سلبية إلى حد كبير.
أقلية يسارية في أوروبا
"نيويورك تايمز" رأت أن على اليسار بذل كثير من الجهد للتعافي، لافتة إلى أن نجاح الاشتراكيين في قيادة ائتلاف حاكم بألمانيا سيجعلهم ينضمّون إلى نادٍ محدود نسبياً، إذ إن لدى 6 من 27 دولة في الاتحاد الأوروبي، هي البرتغال وإسبانيا والدنمارك والسويد وفنلندا ومالطا، حكومات من يسار الوسط.
وتضمّنت ائتلافات التصويت القديمة، التي مكّنت اليسار المركزي في القارة من الحكم، بعد عام 1945، عمالاً صناعيين وموظفين في القطاع العام ومهنيين في المدن. لكن هذه المجموعات باتت مبعثرة، نتيجة الاحتياجات الطبقية والاقتصادية.
قبل عقدين، نجح حزب العمال بزعامة توني بلير في الفوز بولاية ثانية في بريطانيا، من خلال الترويج لسياسات يسار الوسط، مشابهة لتلك التي اتبعها الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.
حزب العمال الآن خارج السلطة منذ أكثر من عقد، ومُني في الانتخابات الأخيرة بخسائر فادحة، في مناطق تقطنها الطبقة العاملة بإنجلترا، وكان يحظى فيها بدعم عميق.
اشتراكيو فرنسا
في فرنسا، لم يتعافَ الحزب الاشتراكي من العهد غير الشعبي للرئيس اليساري السابق، فرانسوا هولاند، وأدائه الكارثي في الانتخابات اللاحقة. ومنذ ذلك الحين، جنحت فرنسا يميناً بشكل متزايد، مع تقلّص الدعم للاشتراكيين والأحزاب اليسارية الأخرى.
ومع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة، المرتقبة في أبريل المقبل، أقدم الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي خاض انتخابات 2017 من موقع وسطي، على التودّد للناخبين اليمينيين. وتُظهر استطلاعات للرأي أن ماكرون، وزعيمة أقصى اليمين مارين لوبان، هما أبرز مرشحين لخوض الدورة الثانية في الاقتراع.
وتراجعت شعبية آن هيدالغو، رئيسة بلدية باريس والمرشحة الاشتراكية للرئاسة، منذ إعلان ترشحها في مطلع سبتمبر. وأظهر استطلاع للرأي، نُشرت نتائجه الخميس الماضي، أن 4% من الناخبين المحتملين قالوا إنهم سيدعمونها في الدورة الأولى.
يسار مختلف
واعتبرت "نيويورك تايمز" أن اليسار لم يعد كما كان سابقاً. فمع تدفق أموال إلى أوروبا، من خلال "خطة مارشال" الأميركية، وازدهار الصناعة، بعد الحرب العالمية الثانية، اجتمع معارضو الشيوعية، والقلقون في الوقت ذاته من احتمال أن تؤجّج الرأسمالية عدم استقرار ومساواة، تحت مظلّة واسعة من أحزاب يسار الوسط، إذ آثروا تأسيس نقابات عمالية قوية ودول رفاهية، تطبّق أنظمة سخية في التعليم والرعاية الصحية.
في ألمانيا، كما في بلدان أخرى، تلاشى الاختلاف بين يسار الوسط ويمين الوسط. ولكن إذا كان هناك ملف يثير حماسة ناخبين من اليسار واليمين، فهو الدور الذي يجب أن يؤديه الاتحاد الأوروبي في حوكمة الدول.
وكسبت أحزاب من أقصى اليمين دعماً، من خلال تصوير المفوضية الأوروبية في بروكسل بوصفها هيئة تنظيمية عليا تجرّد الدول الأعضاء في الاتحاد من سيادتها. وإذا كان المحافظون في ألمانيا مؤيّدين بشدة للاتحاد، فهم حذرون من تعميق روابط مالية داخل التكتل. لكن كثيرين في الحزب الاشتراكي يرون وجوب تعزيز الاتحاد، من خلال تكامل أكثر عمقاً.
جيل جديد من القادة
وأشارت الصحيفة إلى أن الشخصيات السياسية تبدو أكثر أهمية بالنسبة إلى الناخبين، من الأحزاب التقليدية والقضايا التي تمثّلها. وأضافت أن قادة أوروبيين، مثل مارغريت تاتشر، أو فرانسوا ميتران، أو هلموت كول، أو فيلي براندت، كانوا غالباً يسترشدون بمبادئ أيديولوجية.
واعتبرت أن فشل الأحزاب السياسية الرئيسة في معالجة المشكلات التي تواجه الناخبين، أدى إلى ظهور جيل جديد من القادة، قدّموا أنفسهم بوصفهم متمردين. ولفتت إلى ماكرون في فرنسا وبوريس جونسون في بريطانيا، معتبرة أنهما انتهازيان، نجحا في جذب انتباه الناخبين، وفق الصحيفة.
واستدركت أن المستشارة الألمانية المنتهية ولايتها، أنجيلا ميركل، تشكّل نقيضاً لهما، إذ تلتزم تحفظاً رصيناً تجاوز الاختلافات الأيديولوجية، من خلال إشاعة الاستقرار.
وإذ لم يستطع مرشح حزبها في الانتخابات، أرمين لاشيت، إقناع الناخبين بأنه وريثها الطبيعي، قدّم شولتز نفسه بوصفه المرشح الأكثر شبهاً بميركل، رغم انتمائه إلى حزب آخر.
اقرأ أيضاً:




