
تواجه قيادة نايجل فاراج لحزب "الإصلاح" Reform UK اليميني في بريطانيا، ضغوطاً متزايدة، في ظل استمرار الجدل بشأن تلقيه هدية مالية بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني، وتصاعد الخلافات الداخلية، وتراجع نتائج الحزب في الانتخابات الفرعية، بالتزامن مع بروز منافسين جدد، وفق صحيفة "الجارديان".
وبينما تنفي قيادات الحزب وجود أزمة، أشارت الصحيفة، الأحد، إلى أن هذه التطورات عززت التكهنات بشأن مستقبل فاراج السياسي. ونقلت عن أحد أصدقائه، الذي أمضى وقتاً معه خلال الأسابيع الأخيرة، قوله إن "الإرهاق الذي يبدو عليه مؤخراً أمر طبيعي بعد شهرين من الحملات الانتخابية اليومية، لكنه لا يعني أنه يستعد لترك قيادة الحزب".
وبحسب "الجارديان"، امتلأت أروقة وستمنستر خلال الفترة الأخيرة بشائعات عن تزايد شعور فاراج بالإرهاق من قيادة حزب "الإصلاح"، في أعقاب الأزمة التي أثارها قبوله هدية بقيمة 5 ملايين جنيه إسترليني من ملياردير العملات المشفرة، كريستوفر هاربورن. كما يواجه تساؤلات جديدة بشأن ما إذا كان صديقه المقرب، جورج كوتريل، المُدان سابقاً في قضية احتيال، قد ساهم في تغطية جانب من نفقات نمط حياته.
وينتظر زعيم الحزب قرار مفوض معايير البرلمان بشأن مدى صحة عدم إعلانه الأموال التي تلقاها من هاربورن، سافر إلى الولايات المتحدة للمشاركة في فعاليات تجمعه بنخبة حركة "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" MAGA، وسط تأكيد مصادر أنه عاد إلى التواصل الوثيق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
صراعات داخلية
وفي لندن، تشهد مقرات الحزب في ميلبانك، صراعات داخلية ومنافسة على النفوذ بوتيرة أكبر من المعتاد، وسط تساؤلات بشأن مستقبل فاراج، حسبما أوردت الصحيفة.
كما يسود القلق بسبب خسائر الحزب في الانتخابات الفرعية الأخيرة، إلى جانب توجهه بصورة أكبر نحو اليمين المتطرف لمواجهة حزب "استعادة بريطانيا" الذي أسسه النائب السابق عن الحزب، روبرت لوي.
وأشارت الصحيفة إلى أن أعضاء الحزب القدامى يشككون في المنتمين الجدد القادمين من حزب المحافظين، وعلى رأسهم روبرت جينريك وفريقه، إذ يعتقدون أنهم يخططون لخلافة فاراج، وربما لعقد اتفاق مع المحافظين بعد الانتخابات، وهو ما ينفيه جينريك.
في المقابل، تحدث ضياء يوسف، أحد أبرز ممولي الحزب والمتحدث باسم الشؤون الداخلية، عن عدم اختياره لخوض الانتخابات الفرعية، كما دخل في سجال مع جينريك عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن سياسة الحزب الخاصة بترحيل المهاجرين.
وعندما سرّبت مصادر في الحزب، إلى وسائل الإعلام معلومات عن تحرك للإطاحة بيوسف بسبب ميله نحو اليمين المتطرف عقب الهزيمة في الانتخابات الفرعية في دائرة "ميكرفيلد"، أبدى جيمس أور، مسؤول السياسات في الحزب، تأييداً لرسالة داعمة له، واصفاً منتقديه بأنهم "ثعابين تتربص في العشب".
سؤال الخلافة
وترى "الجارديان"، أن جوهر التوترات يتمثل في التساؤل بشأن الشخصية التي يمكن أن تخلف فاراج إذا لم يتمكن من الصمود سياسياً أمام التدقيق في ثروته ومصادر دخله خارج العمل السياسي.
وقد يؤدي صدور قرار سلبي من مفوض معايير البرلمان، إلى تعليق عضوية فاراج في البرلمان، وربما إجراء انتخابات فرعية في دائرة كلاكتون التي يمثلها، مع إمكانية خوضه السباق والفوز مجدداً.
وقلص فاراج ظهوره العلني بشكل ملحوظ، منذ أن كشفت "الجارديان" في أبريل الماضي، تلقيه 5 ملايين جنيه إسترليني من هاربورن قبل دخوله البرلمان، فيما قدّم الأخير أيضاً 15 مليون جنيه إسترليني لحزب "الإصلاح".
وتقول مصادر داخل الحزب، إن فاراج قلّل من وجوده في المقر الرئيسي للحزب، رغم تأكيد الحزب أنه يتواجد في مقر ميلبانك يومياً، كما توقف عن تقديم برنامجه على قناة GB News، الذي يُبث في السابعة مساءً، منذ ما قبل الانتخابات المحلية.
وفي غضون ذلك، يمضي فاراج وقتاً طويلاً في النوادي والمطاعم التي يرتادها في منطقتي مايفير وتشيلسي، كما يقضي جانباً من وقته في منزله الجديد بمقاطعة ساري، الذي اشتراه بعد فترة وجيزة من تلقيه هدية هاربورن في عام 2024، رغم تأكيده أن ثمن العقار جاء من الأجر الذي حصل عليه مقابل مشاركته في برنامج تلفزيون الواقع I'm a Celebrity... Get Me Out of Here!.
ويتواجد فاراج حالياً في واشنطن للمشاركة في احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، ويقول مقربون منه إنه عاد إلى التواصل الوثيق مع إدارة ترمب، بعدما تعذّر عليه لقاء الرئيس في وقت سابق من العام الجاري، وذلك رغم أن استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن ارتباطه بالرئيس الأميركي يمثل أحد أبرز العوامل التي تحد من تأييد الناخبين لحزب "الإصلاح".
وقال أحد العاملين السابقين في المقر الرئيسي للحزب، إن فاراج يبدو مختلفاً هذه الأيام مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، موضحاً أن جدول أعماله المزدحم يجعل حتى بعض نواب الحزب غير قادرين على الحصول على مواعيد للقائه، الأمر الذي دفعهم إلى الشكوى من أن مموليهم أيضاً لا يستطيعون مقابلته.
ورغم مشاركته في الحملات الانتخابية التي سبقت الانتخابات المحلية، والانتخابات الفرعية في مانشستر، وسباق اختيار مفوض الشرطة والجريمة في نورفولك، تجنب فاراج عقد مؤتمراته الصحفية الأسبوعية المعتادة.
وبحسب "الجارديان"، اعتُبرت الجولة الإعلامية التي خضع خلالها لاستجواب مكثّف بشأن مبلغ الـ5 ملايين جنيه إسترليني، "كارثة" داخل أروقة الحزب. وقال أحد مستشاريه السابقين، إن استراتيجية الابتعاد عن الأضواء كانت الأنسب في هذه المرحلة، وكان ينبغي له الاستمرار في اتباعها.
أنصار فاراج يرفضون التكهنات
ويرى المدافعون عن فاراج أن التكهنات بشأن مستقبله السياسي يغذيها كل من حزبي المحافظين و"استعادة بريطانيا"، ويعتقد بعضهم أن الحزبين يعملان معاً في محاولة لإسقاطه.
وقال أحد المسؤولين في حزب "الإصلاح" والمقرب من فاراج، إن ما يحدث يشبه الأسلوب الذي استُخدم ضد ترمب، من خلال استهدافه على المستوى الشخصي في محاولة لإضعافه، فيما وصف مسؤول آخر تلك التكهنات بأنها "مجرد أمنيات من أعدائه".
وأكدت مصادر داخل "الإصلاح"، أنها "لا تعترف بهذا التصور" باعتباره يعكس انقسامات أو تراجعاً في استطلاعات الرأي، مشددة على أن التقارير التي تتحدث عن تراجعه "مبالغ فيها إلى حد كبير"، وأنه "لن تكون هناك أي صفقات أو تحالفات" مع حزب المحافظين.
كما دافع النائب داني كروجر، الذي انشق عن المحافظين وانضم إلى حزب "الإصلاح"، عن فاراج، قائلاً إن "ملاحقته وعائلته بسبب أوضاعهم المالية وترتيباتهم المعيشية تمثل محاولة واضحة من دوائر النفوذ في الحكومة ووسائل الإعلام لإضعاف الحزب بسبب التهديد الذي يشكّله لمصالحها"، متهماً منتقديه بـ"مهاجمة الشخص بدلاً من القضية".
ورغم دفاع كروجر وآخرين عن فاراج، فإن بعض العاملين الحاليين والسابقين في الحزب، يتساءلون عما إذا كانت قيادته قد أحدثت تحولاً كافياً يمكّن "إصلاح المملكة المتحدة" من الفوز في انتخابات عامة.
ورغم النجاح الكبير الذي حققه الحزب في الانتخابات المحلية بحصوله على نحو 1500 مقعد وسيطرته على 14 مجلساً محلياً، بدأ خبراء استطلاعات الرأي يتحدثون عن بلوغ دعم الحزب "سقفاً انتخابياً" عند نحو 30%، في ظل ما يرونه نقصاً في الاحترافية وتقارباً مع خطاب اليمين المتطرف.
استراتيجية الحزب وسياساته
ويشعر بعض ممولي الحزب بالاستياء من استراتيجيته، وما يعتبرونه ضعفاً في التركيز على وضع السياسات، رغم أن حزب "الإصلاح" لا يحتاج، بحسب الصحيفة، إلى قاعدة واسعة من المتبرعين بعد حصوله على ملايين الجنيهات من كبار ممولي العملات المشفرة، مثل هاربورن وبن ديلو.
وكان الحزب قد عيّن مطلع العام الجاري، جيمس أور، رئيساً للسياسات، إلا أن إنتاجه ظل محدوداً، باستثناء خطط لحماية النساء والأمهات في العمل، والتركيز على ترحيل المهاجرين غير النظاميين. كما اختفت من الموقع الإلكتروني للحزب بعض السياسات السابقة، ومنها مشروع قانون العملات المشفرة والأصول الرقمية.
وقال أحد ممولي الحزب عقب انتخابات ميكرفيلد الفرعية: "لم يقتصر الأمر على فشلهم في الفوز، بل كان الإخفاق كبيراً بصورة لافتة"، مضيفاً أن المشكلة تتعلق بالسياسات أيضاً، لأن الأحزاب الشعبوية تصل إلى حد معين ثم تتراجع إذا لم تمتلك برنامجاً أوسع.
مستقبل القيادة
وقال متبرع آخر إن الخلافات داخل الحزب "باتت واضحة"، مشيراً إلى أن المشكلات بدأت بعد انضمام جينريك، الذي جاء من بيئة صراعات داخل حزب المحافظين. وأضاف أن فاراج أصبح "أكثر ميلاً إلى تفويض المهام"، بينما أصبح يوسف بمثابة "رئيس الوزراء" داخل الحزب، في حين يؤدي ريتشارد تايس دور سد الفجوات، غير أن انضمام جينريك أوجد مصدراً جديداً للاضطراب.
وترجح صحيفة "الجارديان"، أن تتعمق هذه الانقسامات إذا شعر قادة الحزب بأن قيادة فاراج أصبحت مهددة.
ويرى بن حبيب، نائب زعيم الحزب السابق الذي أُقصي من منصبه في أواخر عام 2024، أن فاراج يواجه "تهديداً وجودياً" يعتمد على قرار مفوض معايير البرلمان، مضيفاً أن الحزب يواجه بالفعل أزمة حقيقية. وقال إنه لا يعتقد أن فاراج سيضمن الفوز إذا أُجريت انتخابات فرعية في كلاكتون، مؤكداً أن "استعادة بريطانيا" سيكون مستعداً لمنافسته.
ومن جانبه، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة مانشستر، روب فورد، إنه من غير المرجح أن يغادر فاراج السياسة طوعاً، لكن خروجه سيضع الحزب في حالة من الفوضى، مع استفادة واضحة لحزب "استعادة بريطانيا". وأضاف أن أي تقدم يحققه لوي في استطلاعات الرأي سيزيد حدة الصراع داخل الحزب.
واختتم بالإشارة إلى أن فاراج، كلما واجه أزمات، يميل إلى تقديم نفسه كضحية، وأنه يستمتع بالبقاء في قلب المعركة السياسية، ولا يُتوقع أن ينسحب إلا إذا أُجبر على ذلك.











