
تسعى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى قيادة إصلاحات عميقة على أجهزة الاستخبارات في البلاد، تحت مظلة الحكومة، بعد نحو ثمانية عقود من سياسة اعتبرت أنها "الأكثر ترحيباً بالجواسيس الأجانب".
من المتوقع أن تنشئ الحكومة اليابانية مجلساً وطنياً للاستخبارات خلال هذا الشهر، بهدف تعزيز سيطرتها على عمليات جمع المعلومات وتحليلها، بحسب ما أفادت صحيفة Japan Times.
وسترأس تاكايتشي المجلس الذي يُراد منه إنشاء إطار استخباراتي تقوده رئاسة الوزراء، بهدف تحسين التنسيق بين مختلف الوزارات والهيئات الحكومية.
وفي إطار جهود أوسع لتعزيز القدرات الاستخباراتية لليابان، تعتزم حكومة تاكايتشي أيضاً تسريع المناقشات بشأن سبل مكافحة التجسس الأجنبي، وتدريب الكوادر الاستخباراتية.
ومع ذلك، لا تزال المخاوف قائمة داخل اليابان، من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى "انتهاكات لحقوق الإنسان".
المجلس الوطني للاستخبارات
وسيضم المجلس الوطني للاستخبارات رئيسة الوزراء، ورئيس أمانة مجلس الوزراء، ووزير الخدمات المالية، ورئيس اللجنة الوطنية للسلامة العامة، ووزراء العدل والخارجية والمالية والاقتصاد والتجارة والصناعة، والأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة، والدفاع.
وسيتولى المجلس بحث ومناقشة "الأنشطة الاستخباراتية المهمة"، بما في ذلك تلك المرتبطة بالأمن القومي والإرهاب، إلى جانب "العمليات الاستخباراتية الأجنبية"، مثل أنشطة التجسس التي تنفذها قوى خارجية. كما سيضع السياسات الأساسية المتعلقة بالأنشطة الاستخباراتية.
وقد يزيد عدد أعضاء المجلس أو ينخفض وفقاً للملفات والقضايا المطروحة للنقاش.
وحتى الآن، تتوزع العمليات الاستخباراتية في اليابان بين الشرطة الوطنية ووزارات الخارجية والعدل والدفاع وهيئات حكومية أخرى، لكن الآثار السلبية للعمل المنعزل داخل كل مؤسسة باتت أكثر وضوحاً.
ويهدف القانون الخاص بإنشاء المجلس الوطني للاستخبارات، الذي أُقر في أواخر مايو، إلى توحيد عمليات جمع المعلومات، وتحسين التنسيق بين الجهات الحكومية.
وينص القانون صراحة على أن كل وزارة وهيئة "ملزمة بتقديم المواد والمعلومات إلى المجلس بناءً على طلب رئيسه".
أما العمل التنفيذي المتعلق بجمع المعلومات وتحليلها، فستتولاه هيئة جديدة تحمل اسم "المكتب الوطني للاستخبارات"، تُنشأ داخل أمانة مجلس الوزراء بالتزامن مع تشكيل المجلس.
وسيُعاد تنظيم مكتب الاستخبارات والأبحاث التابع لمجلس الوزراء ورفع مستواه ليتحول إلى مكتب جديد، يُتوقع أن يبدأ عمله بنحو 700 موظف.
كما سيجري استقطاب موظفين إضافيين من خلال التوظيف في منتصف المسار المهني، وبرامج تبادل الموظفين مع القطاع الخاص.
وسيتولى إدارة المكتب مدير عام، بعد رفع مستوى منصب مسؤول استخبارات مجلس الوزراء الحالي. وسيحمل المدير العام رتبة تعادل رتبة الأمين العام للأمن القومي.
وكالة استخبارات خارجية
وينص اتفاق الائتلاف بين الحزب الليبرالي الديمقراطي بقيادة تاكايتشي وحزب الابتكار الياباني على إنشاء وكالة استخبارات خارجية بحلول نهاية السنة المالية 2027، إلى جانب الإسراع في سن تشريعات مرتبطة بمنع التجسس.
وتستعد إدارة تاكايتشي لإنشاء لجنة من الخبراء لبحث هذه القضايا بالتزامن مع إطلاق المجلس الوطني للاستخبارات، والانتقال إلى مناقشات موسعة بشأنها.
إلا أن المقترحين مرشحان لإثارة معارضة أشد، وقد وصفت تاكايتشي هذه السياسات بأنها "تقسم الرأي العام الوطني".
وأشار مسؤول حكومي رفيع للصحيفة، إلى أن الإدارة تعتزم التحرك بحذر، قائلاً: "يجب أن نمضي قدماً بعناية لضمان الحصول على دعم الرأي العام".
وذكرت الصحيفة اليابانية أنه هناك مخاوف متعلقة بالمراقبة العامة واحتمال انتهاك الخصوصية نتيجة إساءة استخدام الصلاحيات الاستخباراتية الموسعة من دون معالجة واضحة.
ولا يتضمن القانون أحكاماً صريحة لحماية الخصوصية، كما لا ينص على إنشاء هيئة مستقلة من طرف ثالث لمراقبة الأنشطة الاستخباراتية، بحسب التقرير.
ورداً على احتجاجات أحزاب المعارضة، أكدت الحكومة مراراً أنها لن تنتهك خصوصية المواطنين من دون ضرورة.
كما تبنت أحزاب الائتلاف الحاكم والمعارضة قراراً مكملاً ينص على "إيلاء العناية الواجبة لحماية المعلومات"، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا القرار سيشكل ضمانة فعالة في التطبيق العملي.
وأعربت تاكايتشي عن رغبتها في مواصلة تعزيز القدرات الاستخباراتية لليابان.
وقالت للصحافيين في أواخر مايو، بعد إقرار قانون إنشاء المجلس الوطني للاستخبارات: "سبق أن قلت إن هذا القانون يمثل الخطوة الأولى في إصلاح يهدف إلى تعزيز القدرات الاستخباراتية لبلادنا".
بيئة سهلة لـ"الجواسيس"
وتعد اليابان البيئة الأسهل لعمل الجواسيس الأجانب، ويعود ذلك أساساً إلى الصدمة التي خلفها قمع hلمعارضة قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها.
ويكرس الدستور الذي أُقر بعد الحرب، حماية خصوصية الاتصالات وحرية التعبير، وهو ما فرض قيوداً صارمة على أنشطة المراقبة التي تجيزها السلطات.
وأدى ذلك إلى غياب قوانين تجرم التجسس في اليابان، باستثناء ما يتعلق بالعسكريين والمتعاقدين مع القوات المسلحة.
وقال المتحدث باسم الحكومة اليابانية، مينورو كيهارا، إن هناك حاجة إلى التعامل مع "أنشطة المعلومات الأجنبية" التي تهدد أمن اليابان، مثل "سرقة المعلومات المهمة"، معتبراً أنها "تتزايد في ظل بيئة أمنية تتغير بسرعة"، بحسب ما أوردت صحيفة "جارديان" البريطانية.
وبعد سلسلة من القضايا التي صدرت فيها أحكام مخففة بحق مدانين بالتجسس، انهارت عام 1985 محاولة لإقرار قانون لمكافحة التجسس كان يتضمن عقوبة الإعدام، ضمن العقوبات المحتملة، وذلك في مواجهة اعتراضات شعبية واسعة.
كما واجه قانون "حماية الأسرار المصنفة"، معارضة قوية، لكنه أُقر في البرلمان الياباني عام 2013، وكانت أشد عقوباته السجن لمدة تصل إلى 10 سنوات بحق من يفشي أسرار الدولة.
تعاون أميركي ياباني
كان الاعتقاد السائد داخل اليابان وخارجها أن البلاد لم تمتلك بعد الحرب العالمية الثانية قدرات استخباراتية كبيرة أو جهازاً استخباراتياً فاعلاً.
لكن الوثائق التي سربها إدوارد سنودن، الذي عمل متعاقداً مع وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) في قاعدة عسكرية أميركية باليابان بين عامي 2009 و2012، كشفت أن مديرية استخبارات الإشارات اليابانية (DFS) تعمل منذ خمسينات القرن الماضي بتعاون وثيق مع وكالة الأمن القومي الأميركية.
وكشفت تحقيقات أجرتها هيئة الإذاعة اليابانية (NHK) بالتعاون مع موقع "ذا إنترسبت" عامي 2017 و2018، عن وجود ست منشآت على الأقل يعمل فيها نحو 1700 موظف، يتنصتون على المكالمات الهاتفية والاتصالات الرقمية على مدار الساعة.
ولا تُرفع تقارير هذه العمليات إلا إلى رئيس الوزراء وأقرب مساعديه، فيما يقع المقر الرئيسي للجهاز داخل مبنى غير لافت يحمل الرمز "C1" في مجمع وزارة الدفاع بمنطقة إيتشيجاي ا وسط طوكيو.
وتعمق التعاون بين وكالة الأمن القومي الأميركية ومديرية استخبارات الإشارات اليابانية على مدى العقود الماضية، إذ تدير الوكالة الأميركية ما لا يقل عن ثلاث منشآت رئيسية للمراقبة داخل اليابان، من بينها محطة مراقبة في أوكيناوا، ساهمت اليابان بنحو 500 مليون دولار في تكاليفها.
وفي المقابل، درّبت وكالة الأمن القومي الأميركية عناصر الاستخبارات اليابانية، وزودتها بتقنيات من بينها نظام XKeyscore للمراقبة الواسعة لحركة الإنترنت، وفقاً للوثائق المسربة.









