
كشف تصويت في مجلس النواب الأميركي عن "انقسام غير مسبوق" داخل الحزب الديمقراطي بشأن المساعدات لإسرائيل، بعدما أيد نحو نصف نوابه مشروعاً لوقفها، في تحول يعكس تنامي المعارضة لسياسات الحكومة الإسرائيلية والحرب على غزة داخل قواعد الحزب وقياداته.
ورفض مجلس النواب، الأربعاء، مشروع قانون يقضي بوقف المساعدات الأميركية لإسرائيل، إلا أن ما يقرب من نصف أعضاء الحزب الديمقراطي أيدوا الخطوة، في ما اعتبرته "نيويورك تايمز" مؤشراً يعكس تحولاً سريعاً وجذرياً داخل الحزب الديمقراطي بعيداً عن "الدعم غير المشروط" لإسرائيل المستمر منذ عقود.
وفشل مشروع القانون، الذي سعى إلى وقف المساعدات الأميركية لإسرائيل، البالغة قيمتها 3.3 مليار دولار، من مشروع قانون الإنفاق الخاص بوزارة الخارجية، بعد أن حصل على 104 أصوات "مؤيدة" مقابل 314 "رافضة"، فيما صوّت 10 أعضاء بـ"الحضور" دون تأييد أو رفض.
وصوّت جميع الجمهوريين تقريباً ضد مشروع القانون، باستثناء النائب توماس ماسي (من كنتاكي)، أحد مقدمي المشروع.
لكن عدد الديمقراطيين الذين أيدوا المقترح فاق عدد معارضيه، بمن فيهم نواب أكدوا أنهم صوّتوا لصالحه رغم اعتراضهم على وقف المساعدات.
"انقسام عميق"
ويُعد ذلك أحدث دليل على "الانقسام العميق" داخل الحزب الديمقراطي بشأن دعم إسرائيل، في وقت يواجه الحزب تصاعداً ملحوظاً في مشاعر العداء لإسرائيل ولسلوكها في الحرب على غزة بين قواعده، وفق "نيويورك تايمز".
وقال مؤيدو المشروع إن التصويت كان الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامهم للتعبير عن رفضهم لسياسات الحكومة الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان، ورغبتهم في إحداث تغيير جذري في مسار العلاقات الأميركية - الإسرائيلية.
وكتب النائب جريج كاسار (ديمقراطي من تكساس)، رئيس كتلة التقدميين في الكونجرس، في رسالة إلى أعضاء الكتلة دعا فيها جميع أعضائها البالغ عددهم 98 نائباً إلى تأييد المقترح: "كنت أتمنى لو أتيحت لنا فرصة التصويت على تعديل يقتصر على المساعدات العسكرية مع الإبقاء، بطبيعة الحال، على البرامج الإنسانية، لكن هذا الخيار غير متاح لنا".
وأضاف: "الشعب الأميركي يطالب بوقف استخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين في تمويل الجيش الإسرائيلي".
وامتد الانقسام ليشمل قيادات الحزب الديمقراطي. فقد صوّت زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب، حكيم جيفريز (من نيويورك)، والنائب بيت أجيلار، ثالث أكبر القيادات الديمقراطية، ضد المشروع، بينما أيدته النائبة كاثرين كلارك، مسؤولة الانضباط الحزبي لدى الديمقراطيين.
وقالت كلارك إنها دعمت المشروع "ليس لأنها تتفق مع جميع بنوده أو مع دوافع الحزب الجمهوري التهكمية لطرحه، بل لأنها تعتقد أن هناك حاجة إلى تغيير المسار".
وفي بيان صدر قبل التصويت بقليل، وصفت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي (ديمقراطية من كاليفورنيا) التعديل بأنه "خيار مؤسف"، لكنها قالت إنها ستدعمه "للرسالة التي يبعث بها".
وأظهرت النتائج النهائية أن 103 ديمقراطيين صوّتوا لوقف المساعدات، مقابل 98 عارضوا ذلك، فيما اختار 10 أعضاء التصويت بـ"الحضور" من دون إعلان موقف. ويعني ذلك أن أكثر من نصف الكتلة الديمقراطية لم تكن مستعدة لرفض مشروع يوقف المساعدات الأميركية لإسرائيل.
مؤيدون ومعارضون
وخلال الأسابيع التي سبقت التصويت، واجه الديمقراطيون صعوبة في تحديد موقفهم من المقترح الذي قدمه ماسي، المعروف بمعارضته التدخلات الخارجية، إذ رأوا فيه محاولة لوضعهم في مأزق سياسي.
وعقد جيفريز، المعروف منذ سنوات بدعمه القوي لإسرائيل، اجتماعين للكتلة الديمقراطية لمناقشة التعديل، وهي خطوة وصفتها "نيويورك تايمز" بأنها "نادرة للغاية" وعكست مدى حساسية الملف الإسرائيلي بالنسبة للحزب.
وفي رسالة أعلن فيها معارضته للمشروع، الثلاثاء، دعا جيفريز للمرة الأولى إلى "إعادة ضبط شاملة" للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية. كما ألمح إلى أن الديمقراطيين، إذا استعادوا الأغلبية في الكونجرس، سيصرون على ربط أي مساعدات أمنية لإسرائيل بضمان عدم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان بحق الفلسطينيين.
وحتى في معارضته للمشروع، أقر جيفريز، الذي يُتوقع أن يصبح رئيساً لمجلس النواب العام المقبل إذا استعاد الديمقراطيون الأغلبية، بأن هناك "أسباباً وجيهة تدفع الأعضاء إلى التصويت بطرق مختلفة". ورغم تحفظاتهم على المشروع، اختار عشرات الديمقراطيين تأييده.
وقال النائب خواكين كاسترو (ديمقراطي من تكساس)، خلال جلسة مجلس النواب: "حق الدفاع عن النفس لا يشمل قصف المنازل بشكل عشوائي"، منتقداً رد حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هجمات 7 أكتوبر 2023.
كما أعلن النائب سيث مولتون (ديمقراطي من ماساتشوستس)، الذي كان يُعرف سابقاً بدعمه القوي لإسرائيل، تأييده وقف جميع المساعدات.
وقال: "لا يمكننا ببساطة الاستمرار في التغاضي عن تصرفات نتنياهو التي تتعارض مع ضميرنا الأخلاقي ومع مصالح أمننا القومي من خلال الإبقاء على الوضع القائم".
وقال مولتون، الذي يخوض سباقاً للفوز بمقعد في مجلس الشيوخ، إنه لن يقبل بعد الآن تبرعات من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل ذات التوجه اليميني المتشدد، والتي أصبحت في الآونة الأخيرة تمثّل عبئاً سياسياً داخل الحزب الديمقراطي.
ولم يتحدث خلال، جلسة الأربعاء، ضد المشروع سوى عدد محدود من الديمقراطيين.
وقال النائب براد شيرمان (ديمقراطي من كاليفورنيا) إن الهدف الوحيد من المشروع هو "شق صف الحزب الديمقراطي ووضع حزبنا في صف من يقولون إن إسرائيل لا تملك حق الوجود".
من جانبه، دعا النائب ستيني هوير (ديمقراطي من ماريلاند)، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع "أيباك"، زملاءه إلى "التصويت بالرفض"، معتبراً أن تأييد المشروع "تصويت ضد الأمن الأميركي وضد سلامة الولايات المتحدة"، على حد تعبيره.
"عبء سياسي"
وزادت توقيتات التصويت من صعوبة الموقف بالنسبة لبعض الديمقراطيين، إذ جاء في وقت استأنفت فيه الولايات المتحدة وإيران الحرب بينهما.
وقال جيريمي بن عامي، رئيس جماعة الضغط "جي ستريت" ذات التوجه الوسطي اليساري: "أعضاء الكونجرس يدركون تماماً تغير موازين القوى. والتعامل مع هذه المرحلة ومحاولة إيجاد أرضية يشعرون معها بالارتياح يمثل تحدياً".
وبات دعم إسرائيل يشكل سريعاً "عبئاً سياسياً" بين الناخبين الشباب وذوي التوجهات اليسارية، وهم من القواعد الانتخابية المهمة للحزب الديمقراطي. لكن المؤشرات توحي بأن هذا التوجه أصبح أوسع نطاقاً.
وأظهر استطلاع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع "سيينا" في مايو الماضي، أن 74% من الناخبين الديمقراطيين يعارضون تقديم مزيد من الدعم الاقتصادي والعسكري لإسرائيل، بما يشمل أغلبية كبيرة في جميع الفئات العمرية.
وقبيل التصويت، أعلنت جماعة "جي ستريت" معارضتها لمشروع القانون، لكنها أوضحت أيضاً أن بإمكان أعضائها التصويت بالتأييد أو الرفض أو الامتناع وفقاً لقناعاتهم، لأن التصويت يمثّل "إحدى الفرص القليلة المتاحة لتسجيل موقف رسمي يعبّر عن الاعتراض على الطريقة التي استخدمت بها الحكومة الإسرائيلية المساعدات العسكرية والأسلحة الأميركية".
وقال بن عامي إن نتيجة التصويت تجسد التحول الكبير الذي حدث بالفعل، وربما تمثّل أحد أسرع التحولات الكاملة في الرأي العام الأميركي تجاه قضية سياسية.
قلق من الانقسام داخل الحزب
وقبيل التصويت، قال ماسي، الذي خسر مؤخراً انتخابات تمهيدية أمام منافس مدعوم من ترمب جعل من معارضته تقديم المساعدات لإسرائيل محوراً أساسياً في حملته، إن التعديل الذي اقترحه يستند إلى المنطق السليم.
وأوضح أمام مجلس النواب: "نرسل إلى إسرائيل، في إطار هذا القانون، أموالاً أكثر مما ننفقه على المحاربين القدامى المشردين في هذا البلد. ينبغي أن نتوقف عن ذلك. يجب أن نخفض إنفاقهم. إنهم أكبر متلقٍ للمساعدات الأميركية".
في المقابل، قال عدد من الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل، إنهم يشعرون بقلق بالغ إزاء التحول داخل حزبهم، والذي أتاح لنواب الاصطفاف إلى جانب ماسي.
وظاهرة "الاصطفاف الحزبي" تعني التزام النواب بتوجهات حزبهم بشكل صارم في التصويت على التشريعات، ما يجعل من الصعب تمرير القوانين الكبرى دون توافق واسع، مما يؤدي غالباً إلى "حالة جمود تشريعي".
وقال النائب جوش جوتهايمر (ديمقراطي من نيوجيرسي)، المعروف بدعمه الثابت لإسرائيل، لـ"نيويورك تايمز" إن "دعم العلاقات الأميركية الإسرائيلية يتحول بسرعة إلى رأي أقلية بين الديمقراطيين في الكونجرس، وهو تحول هائل وصادم حدث خلال فترة زمنية قصيرة".
تراجع الدعم لإسرائيل
وأظهر استطلاع، أجرته وكالة "أسوشيتد برس" بالتعاون مع مركز "نورك" ونُشرت نتائجه الأسبوع الماضي، تراجعاً كبيراً في دعم الناخبين لإسرائيل، إذ قال نحو ثلث البالغين الأميركيين، بمن فيهم نحو نصف الناخبين الديمقراطيين، إن إسرائيل ارتكبت "إبادة جماعية" بحق الفلسطينيين خلال الحرب على غزة.
وأفاد 58% من الناخبين الديمقراطيين بأن الولايات المتحدة "مفرطة في دعمها" لإسرائيل، مقارنة بـ45% عندما طُرح السؤال نفسه في استطلاع أجري في يناير 2024.
في المقابل، رأى 62% من الديمقراطيين أن الولايات المتحدة "لا تقدم دعماً كافياً" للفلسطينيين، مقارنة بـ49% في عام 2024.











