
يترقب العراقيون الانتخابات التشريعية المقررة، الأحد، وسط تواضع التوقعات بأن تحمل نتائجها التغيير الذي يحلم به كثيرون. فما الذي يمكن أن تسفر عنه هذه الانتخابات وكيف ستنعكس على اختيار رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس الوزراء، وتشكيل الحكومة؟
ويمثل حجم الإقبال على التصويت اختباراً لمدى ثقة الناخبين في النظام السياسي، إذ فتحت مراكز الاقتراع أبوابها لاستقبال الناخبين، الجمعة، ضمن "التصويت الخاص" الذي يشارك فيه عناصر الأجهزة الأمنية والسجناء والنازحون، على أن يعقد الاقتراع العام في عموم البلاد الأحد 10 أكتوبر.
تحدي "النزاهة"
سيكون ضمان النزاهة أحد أهم التحديات التي تواجهها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وحكومة الكاظمي ومعهما بعثة الأمم المتحدة.
وتتثمل أبرز المخاوف في فشل منظومة الانتخابات سواء في أجهزة العد والفرز الإلكتروني أو الوسط الناقل وإمكانية اختراقها أو التلاعب بها وبالنتائج، أو نتيجة للخروقات والانتهاكات التي قد ترتكبها قوى السلاح المنفلت، ما قد يؤدي إلى تأجيل إعلان الانتخابات أو تأخيرها عن الموعد المفترض وهو (24) ساعة، كما حددته المفوضية.
من بين 3249 مرشحاً في الانتخابات سيخرج 329 فائزين، لكن من المتوقع أن يوجه بعض الخاسرين الـ2920 اتهامات بالتزوير للعملية الانتخابية، سيتحدد أثرها بحسب حجم الاتهام وحدود النفوذ الذي يتمتع به الخاسر وفريقه السياسي، ومدى قدرة الداعمين له على تحقيق الضغط السياسي والالتفاف الشعبي حول مثل هذه الشكاوى.
تراقب العملية الانتخابية منظمات دولية عبر نحو 900 مراقب، وسيكون موقفها حاسماً بشأن أي اتهامات محتملة، لا سيما بعد تأكيد جينين هينيس بلاسخارت، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق ورئيس بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، بأنها تعمل على "منع التزوير وتكرار تجربة 2018".
تأجيل جزئي؟
قد يبدو هذا السيناريو غريباً لأول وهلة مع اقتراب موعد الاقتراع العام، لكن هذا الاحتمال يبقى مطروحاً، خاصة في محافظة ذي قار، مع ما يدور من أحاديث في المحافظة وأروقة المحافل السياسية العراقية، بأن بعض المحتجين ربما سيلجأون إلى منع الانتخابات في يوم الاقتراع العام.
كما شهدت المحافظة غياباً "قسرياً" للحملات الانتخابية نتيجة احتجاجات ترفض مظاهر الدعاية وتهدد أصحابها، ووقائع عدة لتمزيق لافتات المرشحين.
وعلى الرغم من أن القانون الانتخابي رقم (9) لسنة 2020 لا يعالج مثل هذه الحالة أو يفترضها، إلا أن المفوضية قد تلجأ إلى تأجيل الانتخابات في المحافظة أو بعض من دوائرها إلى موعد آخر، في حال حدوث ما يمكن أن يعرقل العملية الانتخابية، وهو ما سيؤدي إلى تعطل عقد جلسات البرلمان إلى حين اكتمال انتخابات "ذي قار".
ما بعد النتائج.. 5 سيناريوهات
الأول: فوز تحالف أو حزب بأغلبية المقاعد وبفارق كبير عن بقية التحالفات والأحزاب الأخرى، وأكثر حزب مؤهل لتحقيق هذا المشهد هو حزب الكتلة الصدرية الذي قدم (95) مرشحاً، إلا أن فوز الحزب (سواء الكتلة الصدرية أو أي حزب آخر) لا يعني بالضرورة تكليفه بتشكيل الحكومة، لأن تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة النيابية الأكثر عدداً ذهب إلى أنها ليست الكتلة الفائزة بالانتخابات، بل التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة أو أكثر، شريطة احتلال مقاعدها بالمجلس وحلف أعضائها اليمين الدستورية في الجلسة الأولى كأكبر الكتل.
الثاني: فوز تحالفين أو حزبين، أو تحالف وحزب، بأغلبية المقاعد، وهذا يدفعهما إما إلى التحالف معاً وتشكيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً، أو أن يسعى كل منهما إلى التحالف مع تحالفات وأحزاب ومستقلين لتسجيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً في الجلسة الأولى، وتشكيل الحكومة وترك الآخر في المعارضة.
الثالث: فوز ثلاثة تحالفات، أو ثلاثة أحزاب، أو تحالفين وحزب، أو حزبين وتحالف، بأغلبية مقاعد البرلمان، وهذا يدفعها إما إلى التحالف معاً وتشكيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً وتسجيلها في البرلمان في الجلسة الأولى، وبالتالي تشكيل الحكومة وتقاسم وزاراتها، أو أن يتحالف اثنان ويسعيان لتشكيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً، مع ترك الأخير في المعارضة.
الرابع: أن تتوزع المقاعد أفقياً بين التحالفات والأحزاب، وهذا الاحتمال هو الأرجح من بين جميع السيناريوهات الأخرى، نظراً لطبيعة القانون الانتخابي، وهذا يذهب بها إما إلى تحالف أكبر عدد ممكن منها لتأسيس الكتلة النيابية الأكثر عدداً، أو أن يسعى كل منها إلى قيادة حوارات لتشكيل تحالف من تحالفات وأحزاب مختارة من بين الفائزين، لغرض تسجيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً لتشكيل الحكومة، أو أن تسعى جميعها إلى تشكيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً، مع منح المناصب وفقاً لحصة كل حزب.
الخامس: أن يفوز المرشحون المستقلون بأغلبية عدد المقاعد، وفي هذا المشهد إما سيلجأ المستقلون إلى التجمع معاً وتسجيل الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وهو احتمال صعب جداً، أو الدخول مع تحالفات وأحزاب أخرى لتشكيل الكتلة، ومن ثم تسجيلها في البرلمان، أو أن يتم تشظيهم بين مستقل ومنظم إلى تحالفات أخرى.
هل تتغير قواعد اللعبة السياسية؟
من المرجح أن تفرز الانتخابات تركيبة تقليدية، بعيداً عن أي تحول كبير في نمط العلاقة في القوة والنفوذ بين الأطراف التقليدية أو الناشئة.
لهذا سيكون السيناريو الأقرب هو عودة القواعد التي حكمت الفترات السابقة، بما يجعل تشكيل الحكومة خاضعاً لتوافقات القوى الشيعية الرئيسية، وتكون الخشية من صدام شيعي-شيعي الرابط الذي يعيد لهذا النظام التوافقي قوته من جديد، باعتبار أن معظم القوى الشيعية السياسية الفاعلة تحمل السلاح وترفض أن تكون في المعارضة، ما يجعل توافقها بديلاً للصدام المسلح.
ويعني سيناريو عودة التوافقية الشيعية أن معظم القوى الرئيسية (الكتلة الصدرية والفتح وقوى الدولة الوطنية ودولة القانون)، ستشترك في تشكيل الحكومة بالتحالف مع القوى السنية (تقدم والعزم)، والكردية (الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف كردستان) أو بعضها، فيما ستبقى التحالفات والأحزاب الناشئة والمستقلون بعيدين عن التأثير، وهذا يعني بالضرورة إعادة إنتاج الطبقة السياسية وأحزابها التقليدية، ومعها الأنماط السياسية المعتادة في الحكم وإدارة البلد.
في المقابل، يأمل البعض أن يفرض القانون الانتخابي الجديد والبيئة السياسية العراقية بعد "حراك تشرين" الشبابي، ثنائية جديدة تجبر الطبقة السياسية على الأخذ بها تجنباً لتجدد الحراك.
تقوم هذه الثنائية على فكرة الحكم والمعارضة، وتفترض وجود تحالفات سياسية عابرة للمعسكرات القديمة، ليتشكل تحالف حاكم مكون من تحالفات وأحزاب شيعية وسنية وكردية ومستقلين، ومعارضة تحمل نفس هذه المكونات، لينتهي عملياً نظام التوافقية الذي بنيت عليه العملية السياسية بعد عام 2003.
الأدوار الخارجية
يلعب الفاعلون الإقليميون والدوليون دوراً في تشكيل المشهد السياسي العراقي، بما في ذلك اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، ولم تكن نتائج الانتخابات على الدوام هي العامل الحاسم في هذه الاختيارات إن لم تحظ بقبول إقليمي ودولي.
ويبدو أن تأثير هذين العاملين سيظل حاضراً في المشهد العراقي على نحو نسبي لكنه مؤثر بدرجة ما في تشكيل الخريطة السياسية.
* رئيس مركز "كلواذا" للدراسات وقياس الرأي العام العراقي




