
ظهر "حزب الصراصير" الذي يقوده شباب في الهند، قبل أشهر قليلة كـ"حملة ساخرة" على الإنترنت، لكن سرعان ما تحول إلى قوة سياسية مؤثرة على أرض الواقع، بعدما نجح بحشد عشرات الآلاف من المتظاهرين في شوارع العاصمة نيودلهي.
وواصل آلاف من أنصار "حزب الصراصير" احتجاجاتهم في نيودلهي، الخميس، رغم أن التظاهرات التي شهدتها المدينة مطلع الأسبوع تحولت إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة، أسفرت عن إصابة العشرات. وشهدت نيودلهي الأربعاء، واحدة من أكبر الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الهند خلال السنوات الأخيرة، إذ شارك فيها نحو 20 ألف شخص، معظمهم من الطلاب والشباب.
وفي ظل اتساع الاحتجاجات، أفادت تقارير بأن وزيراً بارزاً في الحكومة التقى ممثلين عن الحركة للاستماع إلى مطالبهم، في أول خطوة تبدو أنها تمهد لحوار رسمي مع الحركة.
لكن قوات الأمن تعاملت بقوة مع المحتجين في وسط نيودلهي، حيث أقامت حواجز أمنية واستخدمت الهراوات والغاز المسيل للدموع لتفريق آلاف المتظاهرين الذين كانوا يتجهون نحو مبنى البرلمان.
وبعد أسابيع من الصمت، أدلى مودي بأول تعليق له منذ مايو بشأن تسريب واسع أدى إلى إلغاء امتحانات القبول الوطنية في كليات الطب، وهي القضية التي تُعد الشرارة الرئيسية للاحتجاجات. ودافع مودي عن تعامل حكومته مع الأزمة، متعهداً بمعاقبة جميع المتورطين.
في المقابل، أدان وزير التعليم دارمندرا برادان الاحتجاج أمام منزل مودي، معتبراً أن الحكومة "ملتزمة بنسبة 100% بمناقشة قضية تسريب الامتحانات ومعالجة جميع المخاوف الحقيقية للشباب".
كيف بدأ "حزب الصراصير"؟
في مايو الماضي، ألغت السلطات الهندية نتائج امتحان NEET، وهو الامتحان الوطني شديد التنافسية للقبول في كليات الطب، بعد أن كشفت التحقيقات عن تسريب أسئلة الامتحان الذي أُجري في 3 مايو.
وجاءت هذه الواقعة لتضاف إلى سلسلة من حوادث تسريب الامتحانات والمخالفات التي شهدها النظام التعليمي الهندي خلال السنوات الأخيرة.
وأدى إلغاء النتائج إلى إجبار أكثر من مليوني طالب على إعادة الامتحان، ما أثار موجة غضب واسعة ومطالب بإصلاحات جذرية لنظام الامتحانات.
وشكلت هذه الأزمة الشرارة المباشرة لانطلاق حركة "الصراصير"، التي سرعان ما تحولت إلى منصة تعبر عن غضب الشباب من ارتفاع معدلات البطالة والضغوط الاقتصادية، إلى جانب احتجاجها على أزمة الامتحانات.
وتعود تسمية الحركة إلى تعليق أدلت به رئيسة المحكمة العليا الهندية خلال جلسة لا علاقة لها بقضية الامتحانات، عندما وصفت الشباب العاطلين عن العمل بأنهم "صراصير".
ورداً على ذلك، كتب أبهيجيت ديبكي، زعيم الحركة، الذي كان يعيش آنذاك في الولايات المتحدة بعد تخرجه من جامعة بوسطن، عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي: "ماذا لو اجتمعت كل الصراصير معاً؟".
وحظي المنشور بتفاعل واسع، فأسس ديبكي لاحقاً حسابات للحركة وموقعاً إلكترونياً باسم حزب شعب الصرصور (Cockroach Janta Party - CJP)، في إشارة ساخرة إلى وصف القاضية.
وخلال أسابيع قليلة فقط، تجاوز عدد متابعي حسابات ديبكي 20 مليون شخص، بينما حجبت الحكومة الهندية مؤقتاً حساب الحزب على منصة "إكس" داخل البلاد.
ومع اتساع التأييد الشعبي، عاد ديبكي إلى الهند لقيادة الحركة من نيودلهي وتنظيم فعالياتها في مختلف أنحاء البلاد.
ما مطالب الحركة؟
يتضمن الموقع الإلكتروني لـحزب الصراصير برنامجاً سياسياً يضم خمس مطالب رئيسية، وهي: منع تعيين رؤساء المحكمة العليا في البرلمان بعد تقاعدهم. واعتقال مفوض الانتخابات الرئيسي إذا جرى شطب أصوات مواطنين من سجلات الاقتراع. وتخصيص 50% من المناصب الوزارية للنساء، ورفع نسبة تمثيلهن في مؤسسات الدولة من 33% إلى 50%. وتعزيز استقلالية وسائل الإعلام. ومنع أي نائب يغيّر انتماءه الحزبي من تولي أي منصب حكومي لمدة 20 عاماً.
كما نشر الحزب الأسبوع الماضي وثيقة منفصلة بعنوان "خمسة مطالب لإنهاء أزمة الامتحانات في الهند"، تضمنت: إصدار قانون جديد للامتحانات العامة يعزز الشفافية والمساءلة، وإنشاء هيئات امتحانات جديدة وإصلاح المؤسسات القائمة، وإقرار ميثاق لحقوق الطلاب، وإنشاء صندوق لدعم الطلاب وأسرهم، وفرض رقابة برلمانية دائمة على هيئات الامتحانات، وليس فقط عند وقوع فضائح.
أسابيع من الاحتجاجات
تحولت منطقة جانتار مانتار في نيودلهي إلى مركز رئيسي للاحتجاجات، حيث يعتصم المتظاهرون منذ أكثر من شهر.
وفي يونيو الماضي، بدأ أعضاء الحركة اعتصاماً مفتوحاً مطالبين باستقالة وزير التعليم، وانضم إليهم طلاب ومهنيون وعائلات بأطفالهم.
وفي 28 يونيو، أعلن الناشط سونام وانجتشوك، الذي سبق أن احتجزته حكومة مودي بسبب احتجاجات سابقة، إضراباً عن الطعام دعماً للحركة، ما أدى إلى توافد المزيد من المحتجين إلى موقع الاعتصام.
واستمر وانجتشوك في الإضراب لمدة 20 يوماً، قبل أن تنقله شرطة دلهي إلى المستشفى، الأمر الذي أثار موجة استياء واسعة على مستوى البلاد. وبعد إنهاء إضرابه، دعا أعضاء الحركة إلى تنظيم مسيرة باتجاه البرلمان.
واستجاب آلاف المحتجين للدعوة، الاثنين، رافعين لافتات كتب عليها: "أوقفوا تطبيع تسريب الامتحانات" و"أنقذوا التعليم… أنقذوا المستقبل"، إلى جانب شعارات تطالب باستقالة وزير التعليم. إلا أن التظاهرة، التي مثلت ذروة أسابيع من التصعيد، انتهت باشتباكات عنيفة مع قوات الأمن.
ووصف مؤسس الحركة، أبهيجيت ديبكي، تعامل الشرطة مع المتظاهرين بأنه "قاسٍ وشرير للغاية".
وقال زعيم المعارضة راهول غاندي، رئيس حزب المؤتمر الوطني الهندي، في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي: "توجهنا إلى منزل رئيس الوزراء مودي للمطالبة بإجابات بشأن الاعتداءات الوحشية التي تعرض لها الطلاب والشباب".
واتهم غاندي الحكومة بالتهرب من المساءلة، قائلاً: "الحكومة لا تريد تحمل المسؤولية، ولا تريد إجراء نقاش حول القضية داخل البرلمان".
كما طالب باستقالة كل من رئيس الوزراء ناريندرا مودي ووزير الداخلية أميت شاه، الذي يشرف على الشرطة، متهماً إياهما بـ"تدمير مستقبل شباب الهند".
وخلال الاعتصام أمام منزل رئيس الوزراء، أوقفت الشرطة غاندي وعدداً من قادة المعارضة، قبل أن يُفرج عنهم لاحقاً.








