
بيّنت نصوص اتفاق القاهرة الجديد أنه يمثل خريطة طريق مفصلة لتنفيذ اتفاق شرم الشيخ الذي أوقف الحرب في أكتوبر 2025، ما يرفع من فرص تطبيقه، وفق ما تقوله العديد من الأطراف التي شاركت في جولات المفاوضات الماراثونية التي توصلت إليه.
ووضع الاتفاق الجديد الكثير من التفاصيل والجداول الزمنية والتبادلية في تطبيق البنود التي تقوم في جوهرها على نزع سلاح حركة "حماس"، واستبدال حكمها بلجنة من التكنوقراط، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
ووافقت إسرائيل وحركة "حماس" على خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي تحولت إلى قرار لمجلس الأمن الدولي يحمل الرقم 2803، لكن كل طرف تمسك بمواقفه عند التطبيق، ما أعاق تنفيذ كامل بنود الاتفاق.
من جانبها، رفضت حركة "حماس" مبدأ نزع السلاح، وعرضت بدائل من نوع دخول السلطة الفلسطينية لتسلُّم السلاح، أو الهدنة طويلة الأجل، أو الهدنة المفتوحة، أو وقف الأنشطة العسكرية من تدريب وتصنيع وحفر أنفاق وغيرها، وهو ما رفضته إسرائيل، ومن خلفها الإدارة الأميركية صاحبة الدور المركزي وراء الاتفاق.
وإسرائيل، من جانبها، لم توقف الاغتيالات والهجمات التي حصدت أرواح أكثر من ألف و100 فلسطيني منذ إعلان وقف الحرب، وواصلت توسيع الخط الأصفر الذي حدد سيطرتها بـ52% من مساحة القطاع لتصل هذه السيطرة إلى أكثر من 70% اليوم، ولم تفتح معبر رفح بين غزة ومصر في الاتجاهين، ولم تلتزم بكميات ونوعية السلع والمواد الواردة إلى القطاع.
دور مصر
وقالت مصادر مطلعة على المفاوضات إن الدبلوماسية المصرية لعبت دوراً حثيثاً في التوصل إلى الاتفاق، مثابرة على عقد جولة تلو أخرى من المفاوضات التي تواصلت على مدار الشهور الستة الماضية.
وحسب ذات المصادر، حرصت مصر على إشراك الوسطاء الآخرين، قطر وتركيا، في كل الجولات، واستعانت بشخصيات ورجال أعمال على صلة بالمبعوث الأميركي جاريد كوشنير من أجل تقديم أفكار لتذليل العقبات التي ظهرت في التطبيق.
وقالت المصادر إن الوسيطين القطري والتركي سلّما لمصر دور القيادة في هذه المفاوضات، لمعرفتهما بأن الأوضاع في غزة تحمل تأثيراً مباشراً على الأمن القومي المصري.
الاتفاق
وقالت المصادر إن الاتفاق أصبح ممكناً عندما نجحت مصر في إقناع حركة "حماس" بضرورة الموافقة على نزع السلاح، وأقنعت الطرف الأميركي بأن هذا السلاح يجب أن يُسلَّم إلى جهة فلسطينية، هي لجنة التكنوقراط التي ستحل محل "حماس" في إدارة غزة.
وقالت المصادر إن الجانب الأميركي وافق على هذا الاقتراح لأن لجنة التكنوقراط، وإن كانت تحمل اسماً فلسطينياً، إلا أنها في ذات الوقت تعمل تحت سلطة مجلس السلام الدولي الذي يترأسه الرئيس دونالد ترمب، ما يعني أن السلاح المخزن لن يكون بعيداً عنها.
التغيير لدى "حماس"
وقال مسؤولون في "حماس" إنهم قدموا "تنازلات كبيرة" في موضوع السلاح من أجل تحقيق هدف أسمى، هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، وتوفير عناصر الحياة لأهل القطاع الذين يعيش معظمهم في خيام لا تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، وإحباط مشاريع إسرائيلية جارٍ تنفيذها على الأرض، منها تقسيم القطاع ودفع أهله للهجرة.
وحصلت "حماس" على مجموعة من الحوافز المهمة للقبول بتسليم السلاح، في مقدمتها حل المشكلات المالية والإدارية لموظفيها الذين يبلغ عددهم 50 ألفاً، والاحتفاظ بالسلاح الفردي للحماية الشخصية، بعد ترخيصه وفق القانون الفلسطيني، وحل الميليشيات المتعاونة مع إسرائيل التي شنت حملات اغتيال ضد أبناء الحركة.
الموقف الإسرائيلي
عارض عدد من أعضاء الحكومة الإسرائيلية الاتفاق، لكن العديد من المراقبين يقولون إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تترقب التنفيذ الفعلي من جانب حركة "حماس" لتسليم السلاح.
ويرى هؤلاء أن المؤسسة الأمنية والعسكرية تقبل نزع السلاح بهذه الطريقة إذا كان حقيقياً وليس مناورة من الحركة.
الموقف الأميركي
وشكل إعلان الرئيس الأميركي عن الاتفاق إشارة قوية على تبني الإدارة الأميركية له، واستعدادها لتنفيذه خطوة بخطوة.
وقال دبلوماسي غربي، لـ"الشرق"، إن تطبيق الاتفاق يعد نجاحاً أميركياً في منطقة لم تحقق فيها الدبلوماسية الأميركية الكثير من النجاحات.
وأضاف: "الإدارة الأميركية تواجه مشكلات في مختلف ملفات المنطقة، من إيران إلى لبنان وسوريا وفلسطين، ويبدو لي أن ملف غزة هو الأكثر سهولة".
وتابع: "الإدارة الأميركية أظهرت الكثير من إشارات عدم الرضا عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في سوريا ولبنان وإيران وغزة، ومن الواضح أنها لن تسمح له بأن يفشل خططها في المنطقة، خاصة أنها تعرف أن موقفه نابع من مصالحه الشخصية وليس من مصالح دولة إسرائيل".
وزاد: "إن الرسالة التي تلقاها الرئيس دونالد ترمب من 600 شخصية أمنية إسرائيلية رفيعة، قبيل زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن، احتلت أهمية لديه أكبر بكثير من موقف نتنياهو، لمعرفته أن هذه الشخصيات المهمة تمثل المصالح العميقة لدولة إسرائيل، بخلاف نتنياهو الذي يضع بقاءه في السلطة فوق كل اعتبار".
وطالبت الشخصيات المذكورة، في رسالة إلى ترمب، بالضغط على نتنياهو لوقف "الإرهاب اليهودي" الذي يقوم به المستوطنون ضد الفلسطينيين، ووقف سياسة إضعاف السلطة الفلسطينية، محذرين من أن ذلك ينذر بحدوث انفجار في الضفة الغربية.
وقال الدبلوماسي الغربي: "لا أحد في المنطقة والعالم يريد استمرار هذا الوضع في غزة، باستثناء نتنياهو، وحتى في إسرائيل فإن الأحزاب الصاعدة والجيش والأمن يريدون الخروج من غزة في حال توفر لهم نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها، والاتفاق المرعي أميركياً يوفر لهم ذلك".









