
تسارع ألمانيا إلى تعزيز جاهزية نظامها الصحي لمواجهة تداعيات حرب محتملة في أوروبا، من إعادة تأهيل منشآت طبية تعود إلى حقبة الحرب الباردة إلى تدريب الجراحين وتعزيز مخزونات الأدوية، وسط تحذيرات من ضغوط غير مسبوقة على المستشفيات المدنية والعسكرية، وفق "بلومبرغ".
وتجري جهات حكومية في جميع أنحاء ألمانيا عمليات مسح لأنظمة الرعاية الصحية والبنية التحتية، لمعرفة مدى قدرتها، أو عدم قدرتها، على الصمود في سيناريو دفاعي.
هل النظام الصحي الألماني مستعد لغزو روسي محتمل؟
ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا، شهدت ألمانيا تصاعداً في الهجمات الهجينة، من بينها محاولة استهداف مطار بطائرة مُسيرة محملة بالمتفجرات في لايبزيج الشهر الماضي، إلى جانب هجمات إلكترونية عدة استهدفت مستشفيات.
وحذّر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس من أن روسيا قد تكون في وضع يمكنها من مهاجمة أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو) بحلول عام 2029.
وقالت "بلومبرغ" إنه إذا حدث ذلك، فستكون ألمانيا ملزمة بالدفاع عن الحلف، وبالنظر إلى موقعها في قلب أوروبا، فمن المرجح أن تتحول البلاد إلى مركز رئيسي لعبور الجنود، ووجهة لتلقيهم العلاج الطبي.
وفي تقرير وضع سيناريوهات محتملة في حال غزت روسيا أراضي تابعة لحلف "الناتو"، قدّر الجيش الألماني (البوندسفير) أن ما يصل إلى 1000 جندي مصاب قد يصلون إلى ألمانيا يومياً.
ومع وصول المستشفيات العسكرية الخمسة في البلاد سريعاً إلى طاقتها الاستيعابية، فضلاً عن إلزام القانون المستشفيات المدنية بالمساعدة خلال زمن الحرب، فمن المرجح أن يتعرض النظام لضغوط غير مسبوقة، وقد يضطر إلى فرز أولويات علاج الجنود والمدنيين.
مستشفى "أولم" العسكري
وأدى ذلك بدوره إلى تسليط الضوء على منشآت مثل مستشفى "أولم"، الذي يُعد مثالاً نادراً على ملجأ طبي عسكري لا يزال في حالة جيدة بما يكفي لإعادة استخدامه. لكن إعادة تشغيله ستتطلب إنفاق ملايين اليوروهات لتحديث أنظمة التهوية والطاقة التي تعود إلى عقود مضت، ولن يمثل ذلك سوى جزء ضئيل مما هو مطلوب على نطاق أوسع، بحسب "بلومبرغ".
واكتمل بناء مستشفى أولم تحت الأرض عام 1979، في خضم المواجهة بين موسكو والغرب. وصُمم بحيث يتيح للأطباء مواصلة علاج الجنود المصابين في حال وقوع هجوم نووي، ويمكنه إيواء ما يصل إلى 2000 شخص لمدة 90 يوماً. وعلى مدى الجزء الأكبر من العقود الثلاثة الماضية، ظلت المنشأة المترامية الممرات مهجورة. والآن، يدرس الجيش الألماني إعادة تشغيلها.
وقال بنديكت فريمرت، المدير الطبي ورئيس مستشفى القوات المسلحة في أولم، للوكالة: "هل نظام الرعاية الصحية لدينا مستعد لهذا؟ الإجابة الوحيدة هي: لا. ما ينتظرنا هو سباق ماراثون".
تحديات متعددة
تشمل التحديات التي تواجهها ألمانيا توفير عدد كافٍ من أسرّة المستشفيات. ويتعين على قادة البلاد أيضاً تعزيز سلاسل إمدادات المستلزمات الطبية وتحسين التنسيق بين أنظمة المستشفيات العسكرية والمدنية.
ويمثل التدريب مصدر قلق آخر، إذ يُقدّر أن بضع مئات فقط من الأطباء في ألمانيا لديهم خبرة في التعامل مع الإصابات الناجمة عن الحروب. ولزيادة هذا العدد، يقدم الجيش الألماني والجمعية الألمانية لعلاج الإصابات DGU دورات للجراحين المدنيين حول علاج حوادث الإصابات الجماعية والإصابات الناجمة عن الحروب.
وفي حال اندلاع حرب، ستتولى القوات الطبية التابعة للجيش الألماني علاج الجنود المصابين في الخطوط الأمامية قبل نقلهم إلى ألمانيا، حيث ستتولى سلطات الولايات إحالتهم إلى المستشفيات المدنية.
واختُبرت هذه الاستراتيجية في مارس الماضي، عندما أجرى الجيش أكبر تدريب طبي له منذ عقود، لمحاكاة هجوم على ليتوانيا ونقل الجنود إلى مستشفيات في برلين وأجزاء من ولاية براندنبورج.
ويهدف قانون الأمن الصحي، الذي كان من المتوقع أن يصل إلى البرلمان هذا الخريف، إلى ضمان قدرة النظامين المدني والعسكري على التواصل بفاعلية خلال حالات الطوارئ من خلال إنشاء صورة آنية عن الأسرّة والأدوية والعاملين الذين يمتلكون مهارات ذات صلة بالحرب.
لكن الأمور تسير بشكل تدريجي في الوقت الحالي، ما يجعل من الصعب معرفة أماكن وجود المتخصصين، أو ما إذا كان الأطباء والممرضون الذين يتطوعون أيضاً لدى منظمات الإغاثة أو يخدمون كجنود احتياط مدرجين ضمن الحسابات على النحو الصحيح.
وقالت ماريا لينا فايس، النائبة عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي وعضو لجنة الصحة في البرلمان الألماني، للوكالة: "في الوقت الحالي، لدينا هذه الجزر، أي المستشفيات. والآن يتعلق الأمر بربطها بالنظام ككل".
استعداد الشركات
وفي غياب التوجيهات الحكومية، بدأت بعض الشركات في إجراء حساباتها الخاصة. ووجدت شركة التكنولوجيا الحيوية CSL أن ما يصل إلى 20% من موظفيها في بعض المناطق قد يتم استدعاؤهم للخدمة كجنود احتياط أو متطوعين.
وأشارت أنيجريت فيتيش-هوفر، رئيسة أعمال الشركة في ألمانيا والنمسا وسويسرا، أيضاً إلى أن سائقي الشاحنات، الذين يأتي كثير منهم من أوروبا الشرقية، قد تستدعيهم بلدانهم الأصلية للخدمة.
كما تبحث الشركة في كيفية مواصلة إنتاج الأدوية الأساسية إذا ارتفع الطلب عليها فجأة. ولإنتاج دواء يُستخدم في جراحات الإصابات، يتعين على شركة CSL أولاً جمع تبرعات البلازما ومعالجتها. لكن هذه العملية قد تستغرق ما يصل إلى عام، كما أن فترة الصلاحية المحدودة للمنتجات النهائية تجعل من الصعب إنشاء مخزونات استراتيجية.
وقالت فيتيش-هوفر: "من دون عوامل تخثر الدم، تصبح الأمور صعبة للغاية". وأضافت أنه إذا بدأ الجنود المصابون في الوصول إلى ألمانيا لتلقي العلاج على النطاق الذي حدده الجيش الألماني، "فلن يكون أحد مستعداً، لا نحن ولا منافسونا".
وقال مايكل آي، الشريك في شركة PwC والمتخصص في قطاع الرعاية الصحية، للوكالة إن المستشفيات، ولا سيما الكبيرة منها، تسعى أيضاً للحصول على المشورة بشأن القدرة على الصمود والتخطيط لحالات الطوارئ.
وبالإضافة إلى بحث وسائل الحماية المادية، مثل الزجاج المقاوم للرصاص والحواجز الواقية من الطائرات المُسيرة، تقيّم بعض المستشفيات المدة التي ستكفي خلالها الأدوية والمستلزمات الجراحية في حال وقوع أزمة.
وقال آي: "اقتصادنا بُني إلى حد كبير حول سلاسل إمداد تعمل وفق مبدأ التوريد في الوقت المناسب. وقد يكون ذلك جيداً من ناحية الكفاءة وتقليل رأس المال المعطل، لكنه ليس الأسلوب الذي تُبنى به القدرة على الصمود"، داعياً ألمانيا إلى إنشاء مخزونات لا مركزية من الكمامات والأدوية واللقاحات وتخزينها في مواقع متعددة.
دروس من الغزو الروسي لأوكرانيا
وكان الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 مثالاً واقعياً على كيفية تكيف الأنظمة الطبية مع الحرب.
وتتذكر كاترينا بيلكا، طبيبة التخدير والأستاذة في كييف، كيف ارتجل العاملون في مستشفاها حلولاً عدة، فنقلوا المرضى إلى طوابق سفلية كان يُعتقد أنها أكثر أماناً، وسدوا النوافذ لحمايتها من الزجاج المتطاير أثناء الغارات الجوية، وحوّلوا مساحات تحت الأرض، مثل غرف تبديل الملابس والغرف الفنية، إلى مناطق للعلاج.
وعندما بدأت روسيا استهداف البنية التحتية للطاقة، شرعت المستشفيات في تنويع مصادر الكهرباء، فأدخلت مولدات كهربائية وألواحاً شمسية. وقالت بيلكا إن أحد أكبر التحديات طوال تلك الفترة كان التعامل مع حالة عدم اليقين، المتمثلة في "المستوى المرتفع من التوتر ونقص المعلومات وغياب الفهم".
وعلى الجانب الآخر من مستشفى القوات المسلحة، يستعد مستشفى جامعة أولم أيضاً لأسوأ السيناريوهات. ولديه فريق مخصص للأزمات والقدرة على الصمود ينظم تدريبات على مواجهة الهجمات الإرهابية، ويبحث حالياً ما إذا كان من الممكن تحويل مرآب السيارات الموجود تحت المبنى إلى ملجأ طوارئ طويل الأمد في حال وقوع هجوم.
وقال أودو كايزر، كبير المسؤولين الطبيين في مستشفى الجامعة، إن العديد من المباني الألمانية شُيدت في وقت لم تكن فيه القدرة على الصمود والاستعداد للأزمات من الأولويات الرئيسية. كما أن التمويل والمنح يغطيان عموماً إجراءات البناء أو التجديد الأكثر جدوى من حيث التكلفة، وليس الإجراءات الأكثر قدرة على الصمود.
وأعرب أيضاً عن قلقه إزاء نقاط الضعف في سلسلة إمدادات المستلزمات الطبية. فألمانيا، شأنها شأن معظم أنحاء أوروبا، تعتمد على الصين في العديد من المكونات الأساسية اللازمة لإنتاج المضادات الحيوية ومسكنات الألم.
وبينما يزيد مستشفاه مخزونات بعض الأدوية الأساسية، فإن المخاوف المتعلقة بالميزانية تجعل ذلك أمراً معقداً. وتوصي السلطات المستشفيات في ألمانيا بتخزين أدوية وحدات العناية المركزة لمدة ستة أسابيع فقط.
وهناك دعم سياسي واسع لتحديث الإطار القانوني للبلاد بما يضمن استمرار عمل نظام الرعاية الصحية في سيناريوهات الدفاع أو زمن الحرب.
وكانت الحكومة السابقة تعمل على هذا الأمر، لكنها أخفقت في استكماله قبل انهيارها عام 2024. وكان من المتوقع أن يقدم الائتلاف الحكومي الحالي مشروع قانون الأمن الصحي هذا الصيف، لكنه أرجأه إلى الخريف، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيتمكن من تحقيق هذا الموعد.













