
تتزايد حالة القلق داخل الحزب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي مع توالي الفضائح التي تطال عدداً من نوابه في دوائر انتخابية رئيسية، ما أثار مخاوف قيادات الحزب من خسارة مقاعد كانت تُعد حتى وقت قريب آمنة نسبياً، وهو ما قد يهدد أغلبيتهم في المجلس.
وفي الأسابيع الأخيرة الحاسمة قبل انتخابات التجديد النصفي، سعى رئيس مجلس النواب مايك جونسون والذراع الانتخابية للحزب الجمهوري إلى احتواء الأزمات السياسية المتصاعدة التي تحاصر حملتي النائب ماكس ميلر في ضواحي كليفلاند بولاية أوهايو، والنائب تشاك إدواردز في غرب ولاية نورث كارولاينا، لكن بنتائج متباينة، بحسب شبكة "CNN".
وأعلن إدواردز، الأربعاء، أنه لن يترشح لإعادة انتخابه، بعدما أوصت لجنة الأخلاقيات في مجلس النواب بتوجيه اللوم إليه، وخلصت إلى أنه تصرف بشكل غير لائق تجاه موظفتين في مكتبه.
ورغم انسحاب إدواردز، لا يزال الديمقراطيون يرون أن لديهم فرصة للمنافسة على المقعد في نورث كارولاينا، نظراً لضيق الوقت المتاح أمام الجمهوريين لاختيار مرشح جديد قبل مواجهة مرشحهم.
في المقابل، يتمسك ميلر بالاستمرار في السباق رغم مخاوف كبار مسؤولي الحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترمب من أن فرصه في الفوز أصبحت محدودة، حتى في دائرة فاز بها ترمب بأكثر من 10 نقاط.
وتضاف هذه الأزمة إلى مشكلة أخرى يواجهها الحزب في وسط ولاية فلوريدا، حيث لا يزال النائب كوري ميلز يخضع لتحقيق واسع النطاق من قبل لجنة الأخلاقيات بمجلس النواب.
تحركات خلف الكواليس
وتجنب قادة الحزب الجمهوري، بمن فيهم جونسون، ممارسة ضغوط علنية على ميلر للانسحاب من السباق. وقال جونسون، في مقابلة مع مجلة "بوليتيكو"، الثلاثاء، إن تحقيق لجنة الأخلاقيات مع ميلر يجب أن يأخذ مجراه.
لكن خلف الكواليس، تسابق قيادات الحزب لاحتواء الأضرار السياسية، وسط قلق متزايد من الطريقة التي يدافع بها ميلر عن نفسه في الإعلام، والتي يعتقد كثيرون داخل الحزب أنها تضعف فرص إعادة انتخابه.
ووصف أحد الاستراتيجيين الجمهوريين مقابلة ميلر مع مذيع CNN جيك تابر بأنها كانت "كارثية"، فيما قال مساعد جمهوري في الكونجرس إن أداءه كان "أسوأ بكثير من السيئ.. كارثة بكل معنى الكلمة".
وفي الوقت نفسه، عمل قادة الحزب على إقناع إدواردز بعدم جدوى مواصلة حملته الانتخابية، بينما يأمل عدد من الجمهوريين في أن يخسر ميلز الانتخابات التمهيدية للحزب في وقت لاحق من الشهر الجاري.
معضلة الإنفاق الانتخابي
ولم تحجز المجموعات الانتخابية الرئيسية للحزب الجمهوري في مجلس النواب حتى الآن أي إعلانات تلفزيونية لدعم النواب الثلاثة حتى موعد الانتخابات في نوفمبر، وفقاً لبيانات شركة AdImpact التي تتابع الإنفاق الإعلاني السياسي في الولايات المتحدة.
لكن مع تزايد الإنفاق الديمقراطي، سيضطر جونسون وفريقه قريباً إلى حسم ما إذا كانوا سيدعمون النواب الذين يواجهون أزمات، حفاظاً على الأغلبية الجمهورية، حتى وإن كان ذلك قد يضر بصورة الحزب على المستوى الوطني.
في المقابل، يبحث الديمقراطيون كيفية استثمار هذه الأزمات سياسياً. وبينما يطالب بعض النواب الديمقراطيين بالتصويت سريعاً على طرد ميلر من مجلس النواب، تفضل قيادة الحزب تركه في السباق وهزيمته في الانتخابات، بدلاً من منح الجمهوريين فرصة استبداله بمرشح أقل إثارة للجدل.
ورغم أن الفوز بالمقعدين في أوهايو وفلوريدا لن يكون سهلاً بالنسبة للديمقراطيين، إذ حقق ترمب فيهما انتصارات بفارق من رقمين، فإن الحزب يؤكد أن لديه فرصة حقيقية لقلب النتيجة إذا بقي ميلر في السباق، وإذا فاز ميلز بترشيح الجمهوريين.
وقالت النائبة الديمقراطية سوزان ديلبيني، التي ترأس الذراع الانتخابية للديمقراطيين في مجلس النواب: "هؤلاء النواب لا يهتمون بتمثيل مجتمعاتهم، ويعانون من سوء في السلوك وضعف في الحكم، وهو ما يثير تساؤلات جدية بشأن أهليتهم للاستمرار في المنصب".
ميلر يرفض الانسحاب
بدأت أزمة الجمهوريين هذا الأسبوع مع تصاعد الضغوط على ماكس ميلر، أحد أبرز حلفاء ترمب، بعدما حاول الدفاع عن نفسه عبر بث مباشر على منصة "إكس"، ما سلط الضوء مجدداً على اتهامات وجهتها إليه زوجته السابقة إيميلي مورينو، ابنة السيناتور الجمهوري بيرني مورينو، بتعنيفها.
وينفي ميلر هذه الاتهامات، إلا أن الخلاف العائلي جذب اهتمام الرئيس ترمب نفسه.
وبحسب شبكة CNN، لا يعتقد ترمب في أحاديثه الخاصة أن ميلر قادر على الفوز بالانتخابات في ظل الاتهامات الموجهة إليه، لكنه لم يطلب منه مباشرة الانسحاب عندما تحدثا هاتفياً، الاثنين.
ودعا عدد من الجمهوريين، بينهم السيناتور بيرني مورينو، إلى انسحاب ميلر من السباق.
كما أعلنت لجنة الأخلاقيات في مجلس النواب، الثلاثاء، فتح تحقيق رسمي بحقه، وهي خطوة قال ميلر سابقاً إنه يرحب بها لإثبات براءته.
ورغم ذلك، أكد ميلر خلال مقابلة مع CNN أنه لن ينسحب من الانتخابات، وقال: "سألني كثيرون إن كنت سأنسحب من السباق أو أستقيل أو أغادر قبل انتهاء المهلة، وإجابتي هي: لا".
وأضاف أن قيادة الحزب الجمهوري تدعمه، قائلاً: "رئيس مجلس النواب مايك جونسون يقف إلى جانبي.. لم يطلب مني أحد مغادرة بطاقة الاقتراع، لأنهم يعلمون أننا نستطيع الفوز بهذا المقعد".
وفي بيان سابق، قال ميلر: "لن أضفي الشرعية على ادعاءات كاذبة بالانسحاب لإرضاء الرأي العام.. أنا بريء من جميع الاتهامات المنسوبة لي، وقد مثلت مصالح ناخبيّ بشكل جيد، فلماذا أنسحب؟".
وغالباً ما يشير ميلر إلى كونه يهودياً أميركياً وأن دعم إسرائيل يمثل قضية أساسية بالنسبة له. كما تحدث علناً عن تصاعد معاداة السامية في الولايات المتحدة بعد اندلاع حرب غزة.
ودخل في سجالات حادة مع شخصيات مؤيدة للفلسطينيين في الكونجرس، أبرزها النائبة الديمقراطية رشيدة طليب، واتهمها بالتساهل مع منظمات يعتبرها إرهابية.
ويخوض الديمقراطي برايان بوينديكستر، عضو مجلس محلي وعامل في قطاع الحديد، حملته الانتخابية على أساس برنامج شعبوي أكسبه تأييداً من الجناحين المعتدل والتقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
وقال بوينديكستر إن سلوك ميلر سيكون محور حملته، مضيفاً: "إذا ثبتت صحة جميع الاتهامات ضد النائب ماكس ميلر، فإن مكانه السجن وليس الكونجرس".
تقرير أخلاقي ينهي حملة إدواردز
بينما كان الجمهوريون يحاولون احتواء أزمة ميلر، تلقوا ضربة جديدة مع صدور تقرير شديد اللهجة من لجنة الأخلاقيات خلص إلى أن تشاك إدواردز قام بمحاولات غير مرغوب فيها للتقرب من موظفتين شابتين في مكتبه.
واعترضت حملة إدواردز على نتائج التقرير، مؤكدة أنه "لم ينتهك قانون التحرش الجنسي الفيدرالي".
لكن خلال ساعات، بدأ قادة الحزب الجمهوري العمل لإقناعه بالتخلي عن حملة إعادة انتخابه، خشية أن يؤدي بقاؤه إلى خسارة المقعد، خصوصاً مع توقع تصويت مجلس النواب على توجيه اللوم الرسمي إليه بعد عودة الأعضاء من عطلة أغسطس.
وتشاك إدواردز مؤيد قوي لإسرائيل أيضاً، لكن يُنظر إليه أكثر كنائب جمهوري محافظ يتبنى الموقف الحزبي التقليدي الداعم لإسرائيل وليس كشخصية تقود هذا الملف داخل الكونجرس.
ولذلك يدعم تقديم المساعدات العسكرية والأمنية الأميركية لإسرائيل، وتبنى مواقف متشددة تجاه الحركات المؤيدة للفلسطينيين في بعض الجامعات الأميركية، وهاجم فعاليات اعتبرها متعاطفة مع حركة حماس.
ودعم "قانون التوعية بمعاداة السامية" (Antisemitism Awareness Act)، وهو قانون أثار جدلاً بسبب تأثيره المحتمل على الخطاب المتعلق بإسرائيل في الجامعات الأميركية.
وأعلن إدواردز، الأربعاء، عدم ترشحه مجدداً، ما يمنح الحزب فرصة لاختيار مرشح بديل لمواجهة المرشحة الديمقراطية جيمي آيجر، وهي مزارعة وحفيدة نائب سابق في مجلس النواب والمجلس التشريعي للولاية، وتعد من أبرز مرشحي الديمقراطيين هذا العام.
وحققت آيجر أداءً قوياً في جمع التبرعات، إذ جمعت خلال الربع الأخير 9 أضعاف ما جمعه إدواردز.
ميلز يواجه مستقبلاً غامضاً
أما النائب الجمهوري عن فلوريدا كوري ميلز، فلا يزال يواجه سلسلة من التحقيقات، من بينها تحقيق لجنة الأخلاقيات في مجلس النواب.
وتصاعدت المخاوف بشأن فرصه الانتخابية العام الماضي بعد الكشف عن خضوعه لتحقيق من شرطة واشنطن العاصمة على خلفية مزاعم بالاعتداء على أحد الأشخاص، رغم أنه لم يُعتقل وينفي ارتكاب أي مخالفة.
وأعلنت لجنة الأخلاقيات في مايو أنها أصدرت أكثر من 20 مذكرة استدعاء، وجمعت آلاف الوثائق، واستجوبت عشرات الشهود، للتحقيق في مزاعم تفيد بأن ميلز ربما خالف قواعد أو قوانين أو معايير سلوك مختلفة.
وكوري ميلز مؤيد قوي لإسرائيل أيضاً، لكن خطابه يتركز أكثر على قضايا الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والسياسة الخارجية الأميركية، بحكم خلفيته العسكرية وخدمته السابقة في الجيش.
وسافر بنفسه إلى إسرائيل بعد اندلاع حرب غزة للمساعدة في إجلاء أميركيين عالقين هناك، وهي خطوة لاقت اهتماماً إعلامياً واسعاً.
ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان ميلز سيظهر على بطاقة الاقتراع، إذ يأمل عدد من كبار الجمهوريين في خسارته الانتخابات التمهيدية للحزب في 18 أغسطس أمام المذيع المحلي السابق رايان إليجا.
وجمع ميلز نحو 60 ألف دولار فقط خلال الربع الأخير، مقابل نحو 300 ألف دولار لمنافسه إليجا، بينما جمع المرشح الديمقراطي الأبرز بيل دالتون، وهو محارب قديم في البحرية ومسؤول سابق في وكالة "ناسا"، قرابة نصف مليون دولار.
وقال دالتون: "لكل شخص قضية أو أكثر تشغل اهتمامه، فلماذا أختار من يمثلني في الكونجرس بينما لا أستطيع حتى التحدث مع أطفالي عن قضايا العنف ضد النساء المرتبطة به؟".
من جانبه، قال ميلز إنه يتوقع أن يركز منافسه الديمقراطي على تحقيقات لجنة الأخلاقيات، مضيفاً أن دائرته كانت دائماً هدفاً للديمقراطيين.
وأضاف: "من الطبيعي أن يستغلوا ذلك، فهذه هي السياسة.. وأتوقع أن ينتهي تحقيق لجنة الأخلاقيات قريباً، لكن ستظل هناك قضايا سياسية تظهر الواحدة تلو الأخرى، فكلما أغلقت ملفاً ظهر آخر".










