
كشفت وثائق رفع البيت الأبيض الأميركي السرية عنها حديثاً تفاصيل غير معروفة سابقاً بشأن قرار مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI فتح تحقيق لمكافحة التجسس بحق الرئيس دونالد ترمب عام 2017، للاشتباه في طبيعة علاقاته بروسيا، قبل أن يتعثر هذا المسار سريعاً بعد تعيين المحقق الخاص روبرت مولر، الذي حصر تحقيقه في الشق الجنائي دون متابعة ملف مكافحة التجسس، وفق "نيويورك تايمز".
وفي العام الأخير، قاد مدعون فيدراليون في جنوب ولاية فلوريدا جهود إدارة ترمب لملاحقة مسؤولي أجهزة الاستخبارات وعناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي الذين حققوا في التدخل الروسي في انتخابات 2016، سعياً إلى بناء قضية جنائية ضدهم.
لكن البيت الأبيض أضاف خلال الأسابيع الأخيرة، بُعداً جديداً إلى مساعيه لإعادة صياغة تاريخ التحقيق في التدخل الروسي، بعدما نشر مجموعة كبيرة من مذكرات مكتب التحقيقات الفيدرالي التي كانت مصنفة سرية، وقال إنها تدعم مزاعم الرئيس ترمب بأن ما يُعرف بـ"الدولة العميقة" كانت تستهدفه.
ولا تتضمن الوثائق الجديدة معلومات مهمة لم تكن معروفة من قبل، كما أنها لا تقوّض بصورة أساسية المبررات التي استند إليها مكتب التحقيقات الفيدرالي لفتح التحقيق في التدخل الروسي، وفقاً للصحيفة.
غير أن هذه المواد تكشف تفاصيل جديدة عن جانب من الأحداث التي أحاطت بترمب خلال الأشهر الأولى من ولايته عام 2017، بعد فوزه على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، وهو جانب كثيراً ما جرى تجاهله.
ويتمثل هذا الجانب في القرار الاستثنائي الذي اتخذه المكتب بفتح تحقيق منفصل لمكافحة التجسس بحق رئيس الولايات المتحدة، وكيف جرى تعطيل هذا التحقيق قبل أن تتاح له فرصة حقيقية للمضي قدماً.
ولطالما رفض ترمب المزاعم التي تحدثت عن كونه أداة في يد روسيا أو عن امتلاكه روابط مالية واسعة معها، بوصفها ادعاءات لا أساس لها. كما لم تثبت أي تحقيقات معروفة للرأي العام أن ترمب كان يتصرف بتوجيه من موسكو.
تحقيقان متوازيان
رغم أن التدقيق في أنشطة ترمب عُرف آنذاك باسم "التحقيق في التدخل الروسي"، فإنه كان في الواقع يضم عدة تحقيقات منفصلة.
فخلال الحملة الرئاسية لعام 2016، فتح مكتب التحقيقات الفيدرالي تحقيقاً في ما إذا كان أفراد مرتبطون بحملة ترمب ينسقون مع جهود روسيا للتدخل في الانتخابات.
ولم يكن ذلك التحقيق، المعروف باسم "كروسفاير هوريكين" (Crossfire Hurricane)، يركز مباشرة على سلوك ترمب الشخصي أو علاقاته بروسيا.
لكن في مايو 2017، وبعد أسبوع من إقالة مدير المكتب جيمس بي كومي، قرر مسؤولون كبار وعناصر مكافحة التجسس في المكتب المضي في تحقيق ذي مسارين حمل الاسم الرمزي غير المعتاد "أوكسفرد كوما" (Oxferd Comma).
وكان أحد المسارين جنائياً، ويهدف إلى بحث ما إذا كان ترمب، بإقالته كومي، قد خالف القانون عبر عرقلة سير العدالة والتدخل في تحقيق المكتب بشأن التدخل الروسي في الانتخابات. كما كان يستهدف تقييم ما إذا كانت حملة ترمب قد تآمرت مع الروس.
أما المسار الثاني، فكان تحقيقاً لمكافحة التجسس يركز على صلات ترمب بروسيا.
وتختلف تحقيقات مكافحة التجسس عن التحقيقات الجنائية، فهي لا تقتصر على تحديد ما إذا كان القانون قد انتُهك، بل تبحث أيضاً فيما إذا كانت قوة أجنبية معادية تعمل على تقويض الولايات المتحدة.
وتُصنف هذه التحقيقات على أنها سرية، وتُجرى بعيداً عن الأنظار، وقد تمتد لسنوات طويلة، وأحياناً لأكثر من عقد. وينتقدها المدافعون عن الحريات المدنية لأنها قد تكشف سلوكيات محرجة لمواطنين أميركيين، وإن لم تكن تشكل جرائم.
ونادراً ما تُفضي هذه القضايا إلى توجيه اتهامات، لكن مكتب التحقيقات الفيدرالي غالباً ما يتخذ إجراءات، مثل تحذير المسؤولين والمواطنين، من محاولات أشخاص محيطين بهم التأثير عليهم.
وجاء في إحدى المذكرات التي رفع عنها البيت الأبيض السرية ونشرها الأسبوع الماضي، في إشارة إلى تحقيق مكافحة التجسس: "الهدف من التحقيق هو تحديد ما إذا كان الرئيس ترمب يتلقى أو تلقى توجيهات من الاتحاد الروسي، أو يخضع لسيطرته، أو نسّق أنشطة معه، بما يشكل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة و/أو انتهاكاً للقوانين الجنائية الفيدرالية".
إقالة كومي عجّلت بفتح التحقيق
وبحسب المذكرات التي نشرها البيت الأبيض، كان مكتب التحقيقات الفيدرالي قد خلص إلى أن الحكومة الروسية تدخلت في انتخابات 2016 لمصلحة ترمب. كما توصل إلى أن الروس عرضوا تقديم المساعدة لحملته الانتخابية، وأن الحملة دفعت الحزب الجمهوري إلى تبني موقف أكثر قرباً من روسيا بشأن أوكرانيا ضمن برنامجه الانتخابي لعام 2016.
وكان المكتب يعلم أيضاً أن ترمب مارس ضغوطاً على كومي، قبل إقالته، لإنهاء التحقيق في العلاقات بين حملته وروسيا.
وتظهر المذكرات أن المكتب كان قلقاً كذلك إزاء تاريخ ترمب الشخصي والتجاري.
وجاء في مذكرة فتح التحقيق: "تشير المعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة إلى أن الرئيس ترمب تربطه منذ فترة طويلة علاقات تجارية وعقارية مع روسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابق، تعود إلى ثمانينات القرن الماضي".
وأضافت: "في عام 2008، قال نجل ترمب إن الروس يشكلون نسبة كبيرة بصورة غير متناسبة من كثير من أصول ترمب. كما تشير المعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة إلى أن ترمب أقام علاقات تجارية داخل الولايات المتحدة وروسيا مع رجال أعمال روس نافذين محددين بالاسم".
ويبقى السؤال حول ما إذا كانت تلك المعلومات العلنية تبرر فتح تحقيق لمكافحة التجسس، محور الخلاف المستمر منذ سنوات بين حلفاء ترمب ومسؤولي مكتب التحقيقات الفيدرالي الذين اتخذوا القرار. فقد أكد ترمب دائماً أن روابطه الشخصية والتجارية والمالية بروسيا كانت محدودة.
لكن عناصر المكتب أرادوا إجراء تحقيق واسع النطاق لمعرفة ما إذا كان ترمب، بإقالة كومي، يسعى إلى وقف التحقيق في التدخل الروسي وإخفاء أي روابط محتملة قد تكون تربطه بموسكو.
وقال المستشار القانوني العام للمكتب آنذاك، جيمس بيكر، في شهادة أمام الكونجرس: "عرقلة (التحقيق) بحد ذاتها كانت ستقوض قدرتنا على معرفة ما فعله الروس، وهذا هو ما كان سيشكل تهديداً للأمن القومي".
تعيين مستشار خاص
وفي اليوم الذي فُتح فيه تحقيق "أوكسفرد كوما"، أطلع المدير بالإنابة لمكتب التحقيقات الفيدرالي، أندرو ماكيب، نائب وزير العدل رود روزنستاين على قرار المكتب.
وفي اليوم التالي، اتخذ روزنستاين قراراً استثنائياً آخر، فعين المدير السابق للمكتب روبرت مولر مستشاراً خاصاً للتحقيق مع ترمب وحملته.
لكن ما لم يكن معروفاً آنذاك أن روزنستاين، بتعيينه مولر، كان قد أنهى فعلياً تحقيق مكافحة التجسس.
وعندما عيّن روزنستاين مولر، فوضه بإجراء تحقيقات جنائية بشأن التدخل الروسي في الانتخابات، والعلاقات بين حملة ترمب وروسيا، وما إذا كان ترمب قد حاول عرقلة تلك التحقيقات.
لكنه لم يكلف مولر بإجراء تحقيق مكافحة التجسس المتعلق بترمب، كما أوضح له أنه لا يريد تحقيقاً مفتوحاً يمتد سنوات. ومن جانبه، فهم مولر أن مهمته تقتصر على التحقيق في الجرائم.
ورغم أن روزنستاين لم يمنح مولر صلاحية إجراء تحقيق مكافحة التجسس، فإن مسؤولية الإشراف عليه انتقلت إلى عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي العاملين ضمن فريق مولر، وفقاً للمذكرات التي نشرها البيت الأبيض.
إلّا أن تركيز مهمة المستشار الخاص على الجرائم أدّى إلى تراجع أولوية جانب مكافحة التجسس، ليصبح "محصوراً في الأنشطة الواقعة ضمن نطاق اختصاص المستشار الخاص"، بحسب إحدى المذكرات.
وعندما صدر تقرير مولر عام 2019، خلص إلى أن التحقيق لم يعثر على أدلة تثبت تآمر ترمب أو حملته مع الروس خلال انتخابات 2016.
لكن مولر امتنع عن إصدار حكم بشأن ما إذا كان ترمب قد عرقل سير العدالة. كما لم يتضمن التقرير قسماً يتناول علاقات ترمب الشخصية بروسيا، أو ما إذا كان عرضة للاستغلال أو يمثل تهديداً في مجال مكافحة التجسس.
وفي 24 يوليو 2019، أدلى مولر بشهادته أمام الكونجرس، وأقر رداً على أسئلة النواب بأنه لم يبحث، على سبيل المثال، ما إذا كان رجال أعمال روس نافذون قد استخدموا شركات ترمب لغسل الأموال.
كما أقر، رداً على سؤال آخر في الجلسة نفسها، بأن تحقيقه اقتصر على الجرائم، وبدا أنه ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال استمرار تحقيق في مجال مكافحة التجسس.
وأدلى مولر بهذه الشهادة في 24 يوليو 2019، غير أن المذكرات التي نشرها البيت الأبيض الأسبوع الماضي أظهرت أن تحقيق مكافحة التجسس كان قد أُغلق قبل ذلك بأكثر من ثلاثة أشهر.













