اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي.. ما القصة؟ | الشرق للأخبار
خاص

اغتيال رئيس الاستخبارات العسكرية في بنغازي.. ما القصة؟

time reading iconدقائق القراءة - 10
جانب من مراسم جنازة اللواء فوزي المنصوري مدير إدارة الاستخبارات العسكرية الليبية في بنغازي بحضور قيادات من الجيش الليبي. 11 أغسطس 2026 - مكتب إعلام القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية
جانب من مراسم جنازة اللواء فوزي المنصوري مدير إدارة الاستخبارات العسكرية الليبية في بنغازي بحضور قيادات من الجيش الليبي. 11 أغسطس 2026 - مكتب إعلام القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية

أعاد اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في قوات شرق ليبيا اللواء فوزي المنصوري، ملف الاغتيالات إلى واجهة المشهد الأمني في ليبيا، وسط غياب معلومات رسمية عن هوية المنفذين أو دوافع العملية، فيما يطرح محللون تساؤلات بشأن الأبعاد السياسية، في بلد يعيش على وقع انقسام بين الشرق والغرب.

واغتيل المنصوري في انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته عقب خروجه من مسجد بمدينة بنغازي، وفق ما أعلنت الحكومة الليبية المكلفة من البرلمان، الاثنين، في حادث يعيد تسليط الضوء على مستوى الحماية الأمنية للشخصيات العسكرية والأمنية في المنطقة. ولم تقدم السلطات تفاصيل إضافية بشأن طبيعة الحادث أو الجهة التي تقف وراءه، أو طبيعة العبوة الناسفة المستخدمة.

في المقابل، نشرت منصات وحسابات في شرق ليبيا مشاهد توثق احتراق سيارة في منطقة الهواري بمدينة بنغازي، وقالت إنها تعود لاستهداف المنصوري.

ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن الحادث، فيما تتركز التساؤلات بشأن ملابسات عملية الاغتيال، وكيف تمكّن المنفّذون من استهداف شخصية تشغل منصباً حساساً في المنظومة الاستخباراتية التابعة لقوات شرق ليبيا بقيادة المشير خليفة حفتر.

وبينما يرى بعض المحللين أن الوصول إلى شخصية بهذا المستوى أمام منزلها يطرح تساؤلات تتجاوز هوية المنفذين إلى طبيعة الثغرات الأمنية المحتملة التي ربما سمحت بتنفيذ هجوم من هذا النوع، يذهب آخرون إلى ما هو أبعد من البُعد الأمني للعملية، معتبرين أن الحادث لا يمكن فصله عن محيطه السياسي، في ظل التباينات بين السلطات المتنافسة والانقسام القائم في البلاد.

ماذا حدث؟

كانت الساعة تشير إلى نحو التاسعة مساءً بالتوقيت المحلي (السابعة مساءً بتوقيت جرينتش)، عندما سمع سكان دوي انفجار قوي قرب مسجد السيدة عائشة في بنغازي، قبل أن تندلع النيران في موقع الحادث.

ولاحقاً، تبين أن الانفجار استهدف سيارة المنصوري، الذي تولى منصب مدير الاستخبارات العسكرية في بنغازي عام 2024، برتبة لواء.

وفي ظل غياب معطيات عن الجهة المنفذة، يظل اغتيال المنصوري لغزاً مفتوحاً على جميع التأويلات، في تحليلات تغذيها حقيقة أن طبيعة الاستهداف ومكانه يفرضان التعامل معه باعتباره تطوراً أمنياً بالغ الحساسية، بحسب ما يراه المحلل السياسي الليبي سالم المبروكي.

واعتبر المبروكي، أن منصب الشخصية المستهدفة يبعث بأكثر من رسالة قد تكون لها علاقة بمستوى الأمن في بنغازي، وذلك رغم ما يبدو من استقرار تشهده المدينة والمنطقة الشرقية بشكل عام.

ويشير في حديثه لـ"الشرق"، إلى أنه  "من السابق لأوانه القفز إلى استنتاج محدد، لكن بحسب المعطيات الأولية، فإن استهداف شخصية مثل المنصوري بعبوة ناسفة يطرح أسئلة تتجاوز هوية المنفذين إلى طبيعة الثغرات التي سمحت بتنفيذ الهجوم"، لافتاً إلى أن "وقوع التفجير يكشف عن اختراق أمني خطير وخلل في إجراءات الحماية، ما يعني أن الأساليب التقليدية لم تعد كافية لتأمين الشخصيات الأمنية، ويضع سلطات الشرق أمام تحدي إعادة النظر في بروتوكولات الحماية".

لكن في منطقة لا يمكن عزلها عما يشهده البلد بأكمله من أزمة مستمرة منذ سنوات، ووسط تطورات متزامنة ترتبط بالأخص، بالاشتباكات المسلحة في الغرب، يبدو أن تعزيز الأمن في بنغازي قد لا يكون كافياً لمعالجة جذور الهشاشة الأمنية العامة، بحسب المبروكي.

وتتواتر مؤخراً استهدافات لمنشآت الطاقة، خصوصاً في مدينة الزاوية غربي ليبيا، علاوة على اندلاع اشتباكات مسلحة بين تشكيلات متناحرة ومتعددة الولاءات.

وتلك "البيئة المضطربة"، كما يصفها المبروكي، لا يمكن أن تقتصر تداعياتها على مسرحها في المنطقة الغربية، "بل من الطبيعي أن تمتد إلى الشرق".

اعتبارات أمنية وسياسية

ويعتبر الباحث السياسي الليبي عبد الله الغرياني، أن ما حدث يختزل وجود "ثغرة أمنية كبيرة"، أدّت إلى حالة من الذهول والصدمة تجاه الحادث ومستوى الهدف أيضاً، مضيفاً أن استهداف المنصوري يعني استهداف المؤسسة العسكرية و"عمق الموقع الذي يتواجد فيه".

وفي حديثه لـ"الشرق"، أوضح الغرياني، أن العملية تحمل "رسالة انتقامية وسياسية في الوقت نفسه"، مستنداً إلى ما شهدته بنغازي سابقاً من عمليات اغتيال استهدفت شخصيات عسكرية وسياسية. وأشار الباحث إلى أن "بعض عمليات الاغتيال التي شهدتها ليبيا في مراحل سابقة تداخلت فيها اعتبارات أمنية وسياسية".

ويعتقد الغرياني، أن الاغتيال يأتي "في ظل حالة استقرار تشهدها منطقة (الشرق) ومدينة بنغازي على وجه التحديد"، مشيراً إلى أن طريقة تنفيذها قد تشير إلى احتمال وجود متابعة لتحركات المنصوري قبل استهدافه، إلى جانب حساسية موقعه العسكري وسجله في مواجهة التنظيمات المسلحة في درنة ومحيط طرابلس عام 2019.

كما يرى المحلل السياسي باسل ترجمان، أن اغتيال المنصوري "لا يشير إلى ثغرة أمنية"، مرجحاً أن تكون العملية مدبرة وليست صدفة أو حادثاً منعزلاً، استناداً إلى طريقة تنفيذها.

من جهته، يلفت الكاتب والباحث السياسي الليبي محمد محفوظ، إلى أن "البلاد لم تشهد منذ سنوات حوادث اغتيال بهذا الأسلوب، أي باستخدام العبوات الناسفة، وهو نهج بعض الجماعات المتطرفة".

ويقول محفوظ لـ"الشرق": "نحن أمام حادثة من الصعب التكهن بأسبابها وبمن يقف وراءها، خاصة في ظل عدم وجود أحداث مترابطة أو متسلسلة، ولذلك نحتاج، بلا شك، إلى بعض الوقت لمعرفة الدوافع أو على الأقل تقدير بعض خيوط هذه القضية، التي تأتي في ظرف حساس، حيث إن المنصوري يشغل منصباً عسكرياً حساساً في شرق ليبيا".

ويربط الغرياني بين الاغتيال وما يصفه بتداخل التطرف مع التوجهات السياسية في ليبيا، مشيراً إلى وجود تنظيمات في طرابلس "غرب ليبيا" لا تزال تنشط في المشهد، ومذكّراً بتصريحات ومواقف سابقة مرتبطة بالقتال في بنغازي واستهداف القوات المسلحة وقياداتها.

فيما يشير المحلل السياسي سالم المبروكي، إلى أن اغتيال المنصوري لا علاقة له بغرب ليبيا أو بالتطورات الحاصلة فيه، مرجحاً أن "يكون مرتبطاً بتصفية حسابات شخصية أو نشاط جماعة مسلحة أو صراع نفوذ أو غيرها".

ويوضح: "لا يصح ربط ما حدث في غرب ليبيا، بالنظر إلى الحماية الأمنية المشددة التي تخضع لها بنغازي بشكل خاص، ما يجعل الوصول إلى قيادات الجيش هناك مجازفة محفوفة بالمخاطر".

أما المحلل السياسي باسل ترجمان فيرى خلال حديثه لـ"الشرق"، أن "حالة الفوضى التي تشهدها ليبيا اليوم خاصة في مناطق الغرب ستبدأ انعكاساتها بشكل مباشر على الشرق، وهذا أمر مقلق للغاية، لأن ما يجري يستبطن عملية إعادة خلط للأوراق في المشهد الليبي وهذا سيكون له انعكاسات كبرى".

مسار التسوية

وفي تعليقه على احتمال انعكاس عملية الاغتيال على المبادرة الأميركية الرامية إلى حل الأزمة الليبية، يرى باسل ترجمان، أن العملية وقعت في توقيت حساس، يتزامن مع تحركات سياسية تستهدف إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات الليبية.

ويقود المبادرة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، وهي مقاربة تراهن على خطوات اقتصادية وأمنية تمهّد الطريق لإنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات ليبيا، في نهج عكسي لمبادرات سابقة اعتمدت البدء بحسم الخلافات الدستورية والانتخابية، لكنها لم تثمر عن نتائج لسبب أو لآخر.

وفي الاتجاه نفسه، اعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة بنغازي عثمان البوسيفي، أن "اغتيال المنصوري عملية إرهابية أراد منفذوها خلط الأوراق سياسياً وأمنياً".

وأوضح البوسيفي أنه على الصعيد الأمني، فإن "المنفذين احتاجوا معلومات دقيقة عن نمط تحرك المنصوري وتتبعه، رغم أن هذا الاختراق قد يحدث في أي منظومة أمنية من دول العالم".

واعتبر أن "خطورة العملية تكمن في حساسية التوقيت الذي اختاره المنفذون لخلط الأوراق الأمنية بالسياسية والتشويش على فرص الاستقرار التي تقترب منها ليبيا لتوحيد المؤسسات، وعلى رأسها المؤسسات الأمنية والعسكرية".

ويرى البوسيفي أن توقيت الاغتيال، بالتزامن مع جهود التسوية التي تقودها المبادرة الأميركية، وحساسية منصب المنصوري، وطبيعة جهاز الاستخبارات العسكرية، تحمل "رسائل أمنية وسياسية لكي يدب الشك والخوف والتشتت بين الأطراف المتقاربة للتسوية السياسية ويعود مناخ يسوده الفرقة مجدداً".

من جانبه، يربط الكاتب والباحث السياسي الليبي محمد محفوظ عملية الاغتيال بالسياق السياسي والأمني الذي تشهده ليبيا، مشيراً إلى أنها تأتي بالتزامن مع المسار الأممي والمبادرة الأميركية لتوحيد المؤسسات العسكرية بين الشرق والغرب، وما تتضمنه من تنسيق عسكري ومناورات مشتركة ولقاءات بين القيادات العسكرية في الجانبين.

وبالنسبة لمحفوظ، فإن "توقيت الاغتيال بالغ الحساسية والتعقيد، ما يحتم التعامل سريعاً مع العملية، من خلال التحقيق والكشف عن تفاصيلها والجهة التي تقف وراءها".

تفاؤل رغم التحديات

وعلى الرغم من حالة الصدمة التي خلّفها اغتيال المنصوري، فإن الغرياني لا يعتقد أن "عملية الاغتيال تأتي في إطار أو ضمن نتائج عكسية لجهود المصالحة والتسوية"، مرجحاً ارتباطها بما وصفها بـ"تنظيمات راديكالية لا تزال تنشط في المنطقة".

ولا يستبعد الغرياني، أن تكون للعملية تداعيات على جهود التسوية السياسية، في ظل تزامنها مع تطورات أمنية واقتصادية أخرى تشهدها ليبيا.

ويشير الغرياني في حديثه إلى الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة التي تستهدف منشآت النفط بمدينة الزاوية (غرب) في تطور يعتقد مراقبون أنه يشير لمرحلة أكثر خطورة تتمثل في استهداف البنية التحتية التي تقوم عليها عملية الإنتاج والتكرير والتخزين وتوزيع الوقود.

تصنيفات

قصص قد تهمك