
تشهد مناطق غرب ليبيا تكراراً في الهجمات بالطائرات المسيّرة على منشآت النفط والطاقة، في تحوّل خطير في حسابات الأطراف المسلحة لبسط النفوذ على القطاع الحيوي، ما يثير مخاوف من انزلاق البلاد إلى موجة جديدة من الفوضى.
واتفق خبراء ليبيون في حديثهم لـ"الشرق"، على أن استخدام المسيّرات في استهداف منشآت الطاقة يمثل "تحولاً خطيراً" في أدوات الصراع بين التشكيلات المسلحة، بعدما ظلت المواجهات حول القطاع النفطي تتركز لسنوات على الأرض، عبر إغلاق الحقول والمنشآت أو تعطيل الطرق، قبل أن تمتد أخيراً إلى الجو وتطال مرافق الإنتاج والتكرير والتخزين وتوزيع الوقود.
وتتزايد المخاوف بحسب الخبراء، مع تنوع المنشآت المستهدفة وتواتر الهجمات خلال فترة زمنية قصيرة، إذ طالت خزاناً للوقود ومنشآت لتخزين النفط ومعالجته، ومصنعاً لخلط الزيوت وتعبئتها، فضلاً عن مرافق للكهرباء وتحلية المياه، ما يشير إلى أن الصراع بدأ يتخذ منحى تصاعدياً، ويجعل البنية التحتية الحيوية نفسها ساحةً للصراع على النفوذ، بما يهدد بفوضى قد تعيد الأزمة إلى مربعها الأول.
وفجر الأربعاء، أعلنت "الشركة العامة للكهرباء" في ليبيا تعرض منشآت للطاقة لهجمات جديدة، بينها محطة احترقت بالكامل وخرجت من الخدمة، ما أدّى إلى انقطاع التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب مدينة الزاوية (غرب).
وحذّرت الشركة، (التي تزود مختلف أنحاء ليبيا بالكهرباء، بما فيها مناطق الشرق والجنوب)، في بيان من "خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، وما قد يترتب عليها من تداعيات مباشرة على استقرار الشبكة العامة".
وقالت الشركة إن "فقدان المزيد من محطات التحويل وخطوط ومكونات نقل الطاقة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، وربما تصل إلى حدوث إطفاء جزئي أو عام للشبكة الكهربائية".
وأوضحت أن الاعتداءات والاضطرابات الأمنية التي شهدتها مدينة الزاوية خلال الفترة الماضية ألحقت أضراراً جسيمة بمنشآت الشبكة ومكوناتها، كما أثرت بشكل مباشر على برامج الصيانة والعمرة الجسيمة لوحدات الإنتاج بمحطة كهرباء الزاوية.
مصفاة الزاوية في قلب التصعيد
وسَبقت الهجمات على منشآت الكهرباء، خلال 48 ساعة، سلسلة اعتداءات استهدفت منشآت نفطية في المدينة، بينها مصفاة الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، وتُعد أكبر مصفاة عاملة في ليبيا حالياً بعد توقف مصفاة رأس لانوف.
وأربك التصعيد عمليات قطاع الطاقة، ودفع المؤسسة الوطنية للنفط إلى التلويح بإعلان "القوة القاهرة" ووقف عمليات مصفاة الزاوية إذا استمرت الهجمات، محذّرةً من استمرار الاعتداءات على المنشآت النفطية في المدينة.
ورغم إعلان شركة البريقة لتسويق النفط، الثلاثاء، استئناف العمليات التشغيلية من مستودع الزاوية، بقيت المخاوف من تجدد الهجمات قائمة.
وقال أحمد المسلاتي، المتحدث باسم الشركة (التي تعد الجهة الوحيدة المسؤولة في ليبيا عن تسويق مشتقات النفط)، في بيان، إنه جرى "استئناف العمليات التشغيلية من مستودع الزاوية، بما يشمل ضخ وقود الديزل إلى محطات الكهرباء وتزويد شركات التوزيع بالبنزين وفق الإجراءات المعتمدة، لضمان استمرار الإمدادات وتلبية احتياجات السوق".
وتأسست شركة البريقة لتسويق النفط عام 1971، وهي مملوكة بالكامل للمؤسسة الوطنية للنفط، وتتولى تخزين وتسويق وتوزيع ونقل المنتجات النفطية ومشتقاتها في أنحاء البلاد.
وتكتسب الزاوية أهمية خاصة في منظومة الطاقة الليبية، إذ تضم مصفاة تبلغ طاقتها التكريرية نحو 120 ألف برميل يومياً، إلى جانب منشآت نفطية أخرى، ما يجعل أي اضطراب أمني فيها تهديداً مباشراً لإمدادات الوقود والطاقة.
الدبيبة يتوعد بمحاسبة المسؤولين
من جانبه، أدان رئيس حكومة "الوحدة الوطنية" في طرابلس عبد الحميد الدبيبة استهداف المنشآت النفطية والصناعية بالطائرات المسيّرة، ووصفه بأنه "جريمة خطيرة وتصعيد لن يمر دون رد، وتهديد مباشر لأرواح المواطنين والعاملين، ولمنشآت حيوية تمثل جزءاً من أمن البلاد واقتصادها ومقدرات شعبها".
وقال الدبيبة، في بيان عبر صفحته على فيسبوك، إن "من استهدف مقدرات الليبيين تجاوز خطاً لا يمكن السماح بتجاوزه"، معتبراً أن "استخدام الطائرات المسيّرة لضرب منشآت حيوية ليس حادثاً عابراً، بل عمل منظم وخطير يستوجب رداً حازماً يحمي الدولة ومؤسساتها ويمنع تكراره".
ولم يحدد رئيس الحكومة الجهة التي يعتقد أنها تقف وراء الهجمات، فيما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.
وأوضح الدبيبة أن "الجهات المختصة باشرت تحقيقاتها لتحديد مصدر الطائرات المسيّرة المستخدمة في الاستهداف، وكشف كل من خطط وأمر ونفذ وشارك فيه"، متوعداً بمحاسبة المسؤولين عنها "بغض النظر عن صفتهم أو موقعهم أو نفوذهم".
وفي بنغازي، أصدرت لجنة الطاقة والموارد الطبيعية بمجلس النواب بياناً حول الاعتداء الذي استهدف، الثلاثاء، مصفاة الزاوية، أدانت فيه ما حدث، وحذرت من أن "مثل هذه الاعتداءات لا تمس فقط البنية التحتية الوطنية، بل تشكل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار البلاد، وتنعكس سلباً على حياة المواطن اليومية".
وطالبت اللجنة الجهات الأمنية المختصة باتخاذ ما يلزم من إجراءات عاجلة لحماية المرافق النفطية وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات.
"هدف سياسي" أم صراع نفوذ؟
وفي تعقيبه على الأحداث، قال عضو لجنة الطاقة بمجلس النواب علي التكبالي إن اللجنة، رغم اختصاصها بملف الطاقة، لا تستطيع التدخل في مثل هذه الأحداث بسبب الانقسام السياسي.
وأضاف لـ"الشرق": "كل اللجان في مجلس النواب لا تستطيع التدخل لأسباب كثيرة، منها الانقسام السياسي، لأننا حين نستدعي أي شخص فإن له الحق ألا يلبي دعوتك، ولا نستطيع فعل شيء حيال ذلك، كما لا يمكن وقفه عن العمل".
وفيما يتعلق باستهداف مصفاة الزاوية، أوضح التكبالي أن المنشأة "تعتبر هدفاً سياسياً لخلط الأوراق، ونحن نعلم أن الشعب الليبي في طرابلس قد خرج إلى الشوارع".
وتابع: "وفي هذه الحالات، لابد من لفت الأنظار لشيء آخر غير هذا الشعب الذي يصرخ، فيتم استهداف مصفاة الزاوية، وهذه هي الحقيقة التي لا يريد أحد منا أن يصرح بها لأننا نخاف على نفطنا وثروتنا، ولكنها الحقيقة الثابتة".
لكن المحلل السياسي الليبي لسعد التكاري يرى أن ما يحدث ينذر بخروج "لعبة النفوذ" عن السيطرة، متوقعاً تصعيداً أكبر خلال الأيام المقبلة قد يقود إلى صياغة توازنات جديدة على الأرض، تُطرح لاحقاً للتفاوض وفرض الشروط.
وقال التكاري إن "الزاوية مدينة معروفة بكثرة التشكيلات فيها وتعدد الولاءات أيضاً، ما يجعل التطورات الحالية أمراً شبه بديهي، بالنظر إلى التناحر القائم بينها منذ سنوات، خاصة على موارد الطاقة وغيرها من مسالك التهريب".
وتابع: "نحن أمام منعطف خطير لن يعيد تشكيل التوازنات في هذه المدينة فقط، بل قد تسري عدوى التصعيد والاعتداءات إلى مناطق أخرى، وقد تخرج تحالفات جديدة للعلن وتعلن أخرى أفولها، لكن في كل الأحوال، فإن الخاسر الوحيد من كل ما يحدث هو المواطن الليبي الذي بات يعيش في ظلام دامس".
وأوضح التكاري بعض الأسباب الكامنة وراء صعوبة التحرك الحكومي بشكل أكبر، مشيراً إلى "منطقة مضطربة وسياق باتت فيه حسابات النفوذ أوضح من قبل، علاوة على الخلافات الداخلية بينها أو بينها وبين هذا الطرف أو ذاك".
تداعيات إنسانية واقتصادية
بدوره، وصف النائب الليبي خليفة الدغاري التطورات بأنها "منعطف خطير"، قائلاً إنه "منذ نهاية الأحداث التي بدأت في 17 فبراير 2011 وما تلاها، علاوة على ما شهدته المنطقة الغربية من حروب واشتباكات، لم يسبق أن تعرضت مصفاة الزاوية أو المرافق التابعة لها لاستهداف متعمد باستخدام الطائرات المسيّرة بهذا الشكل".
وقال الدغاري لـ"الشرق"، إن "وصول الاستهداف إلى منشآت حيوية على غرار مصفاة الزاوية ومحطات الكهرباء ومنشآت تحلية المياه، يمثل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين وأمنهم وينذر بتداعيات إنسانية واقتصادية خطيرة".
واعتبر النائب الليبي أن "الأولوية الآن لوقف الاقتتال وحماية المنشآت الحيوية وتجنيبها الصراع"، داعياً إلى "فتح قنوات تواصل مع كل الجهات والأطراف، لاحتواء الصراع ونزع فتيل الفتنة وعودة الأمن والاستقرار".
تغير تكتيك الهجمات
ويرى المحلل السياسي الليبي عمر أبو أسعيدة أن ما يحدث في مدينة الزاوية "يشكل تحولاً خطيراً في تكتيكات التشكيلات المسلحة، إذ كانت تعتمد تقليدياً على إغلاق الطرق والمقرات الحكومية كأداة، لكنها انتقلت إلى تكتيك جديد يتمثل في استهداف النفط".
وقال أبو أسعيدة لـ"الشرق": "خلال 3 أيام، تعرضت مصفاة الزاوية لـ3 هجمات بمسيّرات استهدفت خزانات وقود، إضافة إلى محطات تحلية المياه وإنتاج الكهرباء".
واعتبر أن تكرار استهداف منشأة استراتيجية دون ردع فعلي يكشف "الهشاشة الأمنية" في المنطقة الغربية، ويثير تساؤلات عن قدرة الحكومة على حماية الأصول الوطنية.
وأشار إلى اشتباكات شهدتها مدينتا الزاوية وصرمان (غرب) بين مجموعات مسلحة، أسفرت عن سقوط ضحايا وجرحى وفرار سجناء، دون إعلان رسمي عن حصيلة الضحايا أو هوية الأطراف المشاركة.
ولفت إلى أن أهمية الزاوية لا تقتصر على النفط، إذ ترتبط أيضاً بمسارات "لتهريب المهاجرين غير النظاميين والوقود إلى أوروبا والدول المجاورة، وتنشط فيها المخدرات"، وهي أنشطة تمثل، بحسب قوله، "مصادر تمويل مهمة لبعض الميليشيات"، ما يزيد التنافس على النفوذ فيها.
صراع على موارد التشكيلات المسلحة
من جانبه، قال الخبير العسكري والأمني الليبي محمد الترهوني إن الأمر "ظهر في البداية وكأنه صراع لإثبات القوة وإزاحة خصوم سياسيين، وإظهار قوة تسيطر على الشريط المهم، الذي يمثل مصدراً محورياً لهذه الجماعات والتشكيلات المسلحة لتهريب الوقود والبشر".
وأضاف لـ"الشرق"، أن استهداف مخازن الوقود في الزاوية بطائرات مسيّرة "جعل الأمر الآن يبدو وكأنه صراع على السيطرة على كميات الوقود وتهريبها".
ورجّح الترهوني، أن استهداف مخازن الوقود بالمسيّرات الانتحارية قد يكون جزءاً من صراع بين التشكيلات على الموارد، بحيث يصبح تدمير مخزونات الوقود وسيلة لمنع الخصوم من الاستفادة منها.
وأضاف أن ما يحدث "لم يعد يهدد الاستقرار الأمني فقط"، بل يشكل خطراً مباشراً على الاقتصاد ومقدرات الليبيين، ويطرح استخدام المسيّرات، بحسب الترهوني، سؤالاً أكثر إلحاحاً بشأن "الطرف المسؤول عن إدخال هذا النوع من الطائرات الانتحارية إلى ليبيا".
تحذير من "حلقات دمار"
في المقابل، قدّم مصدر ليبي تحدث لـ"الشرق"، طالباً عدم نشر اسمه، رؤية أكثر تشاؤماً، معتبراً أن "ما يحدث في ليبيا لا يندرج ضمن السياسة ولا حساباتها، بل إن البلاد مقبلة على حلقات من الدمار تمضي بشكل متدرج".
وأضاف: "تمت الإطاحة بالنظام ثم انهارت الدولة، ونُصبت حكومات فُرضت من الخارج"، متابعاً: "ولاحقاً، بدأ الشعب الليبي يتعرض لتدمير ممنهج في كل المجالات، بدءاً بانتشار الأمراض والمخدرات ثم انهيار التعليم والصحة، والآن يتم التوجه لضرب كل المؤسسات التي كانت تمنح الليبيين بعض مقومات الحياة".
واستنكر المصدر ما وصفه بـ"التوجه نحو التدمير"، خصوصاً للمؤسسات الحيوية والخدمية، بما فيها قطاع الوقود الذي بات شحيحاً في ليبيا، مشيراً إلى توقف شاحنات أمام محطات الوقود لأسابيع، وتراجع مقومات توفير الوقود في دولة نفطية، فضلاً عن الغلاء الفاحش وانهيار العملة.
الانقسام السياسي يفاقم الأزمة
وتأتي الهجمات في ظل انقسام سياسي عميق في ليبيا، مع وجود حكومتين متنافستين، إحداهما حكومة "الوحدة الوطنية" برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والأخرى في الشرق والمكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر.
ورغم امتلاك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا، أثرت الاضطرابات السياسية والأمنية المستمرة منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 مراراً في عمليات الإنتاج والتصدير، وأضعفت قدرة مؤسسات الدولة على توفير الخدمات الأساسية.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث السياسي الليبي بشير المرغني، أن استمرار الهجمات "سيفاقم الأزمة وسيجعل الوضع الاقتصادي أكثر تعقيداً"، معتبراً أن الحل يتطلب إنهاء الانقسام المؤسسي، والوصول إلى هيئتين "مجلس رئاسي وحكومة تنفيذية واحدة تبسط السيطرة والأمن والأمان على كافة التراب الليبي".
وقال المرغني لـ"الشرق" إن معارك الفصائل المسلحة وقادتها في الغرب "انتقلت من الأرض إلى الجو باستخدام المسيّرات وغيرها من الأسلحة المتطورة، والهجوم على مصادر قوت الليبيين والنفط".












