
جبل "رأس العين" هو المتنفس الوحيد لأهالي قرية قصرة الفلسطينية، جنوب شرق نابلس في الضفة الغربية، إذ يصل ارتفاعه إلى 930 متراً فوق سطح البحر، ومن على سفوحه يمكن لأهالي القرية مشاهدة الأفق البحري غرباً، وجبال الأردن شرقاً.
لكن منذ ديسمبر في العام الماضي، جاء هؤلاء الأهالي "شركاء غرباء" احتلوا قمة الجبل الواقع ضمن المنطقة "ب" الواقعة تحت إدارة السلطة الفلسطينية، وأقاموا عليها بؤرة استيطانية، وبدأوا ينطلقون منها للقيام باعتداءات يومية على أهالي القرية الفلسطينيين، يسرقون المواشي ويطردون الفلاحين من حقول الزيتون مترامية الأطراف.
ومنذ الأحد الماضي، دخل عدوان المستوطنين على هذا الجبل مرحلة جديدة، فقد أقاموا بؤرة استيطانية أمام ثلاثة بيوت قائمة على سفح الجبل، وحاصروا سكانها في داخلها، وطلبوا منهم المغادرة. الجيش الإسرائيلي تدخل مستخدماً "قبضته الحريرية" مع المستوطنين، محاولاً إخراجهم من المنطقة لكنهم رفضوا الخروج. احتل الجنود اثنين من البيوت الثلاثة، وأخرجوا أصحابها منها بالقوة بحجة الفصل بين المستوطنين والسكان.
وفوق ذلك، أعلن الجيش بلدة قصرة منطقة عسكرية مغلقة، نهار الخميس، واحتل سبعة بيوت حولها إلى ثكنات عسكرية، بحجة منع الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين.
مستوطنون جنود
رئيس بلدية قصرة، عبد العظيم الوادي، وصف المستوطنين في حديثه لـ"الشرق"، بـ"جنود في الجيش"، إذ "يأتون في لباس مدني أحياناً، وفي لباس عسكري أحياناً أخرى ليقوموا بالاعتداء على أهالي البلدة الصغيرة"، البالغ عددهم 7500 مواطن.
الوادي أشار إلى أن السلطات الإسرائيلية، أقامت مجموعة من المستوطنات على أراضي القرية والقرى المجاورة مثل "مجدوليم" و"كيدا" و"إحيا" و"ييش كوديش"، لافتاً إلى أن سكان هذه المستوطنات قاموا خلال الحرب على غزة، بإقامة 16 بؤرة استيطانية جديدة على أراضي هذه القرى. وأضاف: "يقوم المستوطنون بغارات يومية على القرية والقرى المجاورة، يسرقون خلالها المواشي، ويعتدون بالضرب على الفلاحين ويطردونهم من حقولهم".
المستوطنون أعلنوا الحرب على قرية قصرة منذ الأيام الأولى للحرب على غزة في أكتوبر 2023، إذ تواصلت الاعتداءات الانتقامية على سكانها. وفي اليوم السادس للحرب، قاموا بمجزرة في القرية قتلوا فيها 6 فلسطينيين، حسبما يشير رئيس البلدية.
الصورة في قصرة، تكررت في القرى المجاورة مثل "جالود" و"قريوت" وغيرها. ففي الثاني والعشرين من يوليو الماضي، فرض المستوطنون حصاراً على بيوت في أطراف قرية "جالود" تعود لعائلة الطوباسي، ومنعوا دخول الغذاء إليهم إلى أن اضطروا لمغادرتها ليقوموا بالاستيلاء عليها، حيث ما زالوا يقيمون فيها حتى اليوم ويرفعون عليها الأعلام الإسرائيلية.
وفي قرى أخرى، قام المستوطنون بإضرام النار في مزارع وحقول وسيارات وبيوت وممتلكات لإجبار أهلها على الرحيل.
تفكيك اتفاق أوسلو
ووثقت مؤسسة إسرائيلية لحقوق الإنسان، قيام المستوطنين بتهجير 118 تجمعاً سكانياً في أرياف الضفة الغربية تحت اعتداءات دموية.
وقالت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، في تقرير أخير، إن المستوطنين أقاموا مئات البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، منها 23 بؤرة في مناطق "ب" التي تديرها السلطة الفلسطينية.
ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية في الأيام الأخيرة، تقارير موثقة عن اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وقيام الجنود بغض الطرف أو المشاركة في هذه الاعتداءات.
وجاء في تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن الحكومة الإسرائيلية تقف وراء حملات المستوطنين هذه بهدف "تفكيك اتفاقية أوسلو دون أن تضطر لوضع تشريع لذلك".
ووثق التقرير مظاهر المشروع الإسرائيلي الرامي لإنهاء اتفاق أوسلو الذي يحدد العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين تحت الاحتلال، منها: إقامة مستوطنات بأوامر استملاك عسكرية، ونقل صلاحيات جديدة واسعة إلى الإدارة المدنية.
استراتيجية إسرائيلية لضم الضفة الغربية
وجاء في تقرير لحركة "السلام الآن"، أن الحكومة الإسرائيلية "تدفع، من دون إعلان ومن دون تشريع، نحو الضم الفعلي للضفة الغربية، من خلال سلسلة من الخطوات في المنطقتين "أ" و"ب" الواقعتين تحت إدارة السلطة الفلسطينية.
وأكد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش صحة التقرير، واصفاً إياه بأنه "شهادة على إنجازات حكومة إسرائيل".
واعتبرت حركة "السلام الآن"، أن الحكومة الإسرائيلية تعمل من خلال سياسة التوسع الاستيطاني الواسع على "إضعاف السلطة الفلسطينية اقتصادياً وسياسياً ومكانياً وأمنياً".
وجاء في تقرير للحركة: "حكومة نتنياهو تلعب بالنار، وتضرب عرض الحائط بالتزاماتها الدولية وتعرّض أمن إسرائيل للخطر، وكل ذلك من أجل السيطرة على المزيد من الأراضي والمساحات في الضفة الغربية". وأضاف أن "إجراءات الحكومة في المنطقتين (أ) و(ب) ليست أحداثاً منفردة، وإنما جزء من سياسة منظمة هدفها النهائي إسقاط السلطة الفلسطينية، وخلق حالة من الفوضى تتيح لها توسيع المستوطنات داخل المدن والقرى في عمق الضفة الغربية".
وأعلنت الحكومة الإسرائيلية، إقامة 103 مستوطنات جديدة في الضفة الغربية، تضاف إلى 167 مستوطنة قائمة، و365 بؤرة استيطانية قابلة للتوسع والتحول إلى مستوطنات. وأقرت الحكومة الإسرائيلية أيضاً بناء 60 ألف بيت في المستوطنات القائمة، فيما وصفه مسؤولون من بينهم سموتريتش بأنه "سباق مع الزمن لإنهاء حل الدولتين وضم الضفة الغربية لإسرائيل".
اعتداءات المستوطنين تطال الصحافيين
وتعرض صحافيون أجانب مؤخراً لاعتداءات مباشرة من المستوطنين لمنعهم من توثيق نشاطهم الاستيطاني واعتداءاتهم على الفلسطينيين. ومن بينها اعتداء على فريق شبكة CNN الأميركية.
ووصلت اعتداءات المستوطنين إلى الصحافيين الإسرائيليين، لمنعهم من توثيق ممارساتهم. ومنها اعتداء تعرض له فريق صحيفة "هآرتس"، قبل أيام.
وجاء في تقرير للصحيفة: "الشهور الأخيرة في الضفة الغربية تظهر فقدان قوات الجيش الإسرائيلي للسيطرة في الضفة الغربية. المستوطنون يسيطرون على مناطق مصنفة (ب)، ويقيمون فيها عشرات البؤر الاستيطانية الزراعية، ويطردون بشكل ممنهج مجموعات سكانية فلسطينية من أراضيهم، كل هذا بدعم وتشجيع من وزراء الحكومة وأعضاء الكنيست من الائتلاف الحكومي".
وأضافت الصحيفة: "الجيش الإسرائيلي والشرطة يراقبون ما يجري من بعيد، في المقابل يوفرون مظلة أمنية للمستوطنين في البؤر الاستيطانية الزراعية، وفي مرات يتعاون الجنود وعناصر الشرطة مع المستوطنين".
ونقلت "هآرتس" عن شخصيات رفيعة في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، قولهم: "لا يوجد قانون ونظام في الضفة الغربية، وعلى خلفية الانتخابات، ينشر السياسيون تصريحات أكثر تطرفاً على أمل كسب تأييد المستوطنين".










