
أثار قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، عاصفة من التساؤلات في سول، وتحديداً بشأن متانة التحالف مع واشنطن، والشكوك بشأن "منطق الصفقات"، الذي يتعامل به الرئيس الأميركي مع حليفته الجنوبية، في شبه الجزيرة الكورية.
وربط ترمب قراره، وفق منشور له على منصته "تروث سوشيال"، بعلاقته "الجيدة جداً" مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، وكونه غير راض عن "حقيقة أن الولايات المتحدة، وافقت - منذ وقت طويل، على المشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية".
واعتبر أن بلاده تتحمل "جزءاً كبيراً من تكاليفها (كالعادة!)"، وأن المناورات، "تبعث أيضاً برسالة غير ملائمة على الإطلاق وتنم عن عدائية تجاه دولة أظهرت احتراماً ولم تشكل أي تهديد طوال فترة رئاستي"، في إشارة لكوريا الشمالية.
وبهذه المُبرِّرات، "ونظراً لأن الوقت قد فات لإلغائها"، أعلن الرئيس الأميركي إصداره تعليمات لوزير الحرب بيت هيجسيث "بتقليص حجم هذه المناورات العسكرية المشتركة بشكل كبير!".
كما أضاف ترمب سبباً آخر لقراره، وهو رفض رئيس كوريا الجنوبية طلبه للانضمام إلى الولايات المتحدة في مساعي نزع السلاح النووي الإيراني.
وليمضي ترمب إلى الهدف من تقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، وهو ما بدا كأنه إرضاء للزعيم الكوري الشمالي، وتمهيد الأرضية لإحياء المسار الدبلوماسي معه، نشر ترمب صورة ساخرة، في 17 أغسطس، تُظهر كيم جونج أون وهو يتحدث عبر الهاتف، قائلاً: "مرحباً دونالد، نحن على وفاق.. أليس كذلك؟".
وطرحت منشورات ترمب، علامات استفهام في كوريا الجنوبية، بشأن أمن البلاد، وجدوى استمرار وجود القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية، وإمكانية إحياء المحادثات بين واشنطن وبيونج يانج، وتأثيرها على سول.
كيف ترى بيونج يانج المناورات؟
وفي إطار تطبيق قرار ترمب، قال الجيش الأميركي إنه "يعمل بنشاط على تنفيذ الأمر بتقليص مناورات "درع الحرية أولتشي" لهذا العام، لافتاً إلى أن المناورات كانت قد خُفّضت بالفعل بشكل طفيف مقارنة بالعام السابق.
وشهدت تدريبات هذا العام 14 مناورة على مستوى الكتائب، مقارنة بـ17 مناورة في العام 2025، بما يشمل الاستجابة لهجمات إلكترونية وحرب الطائرات المسيّرة، وذلك في محاولة لمواجهة القدرات الجديدة لكوريا الشمالية التي عملت على تطويرها وصقلها خلال قتالها إلى جانب روسيا ضد أوكرانيا.
وفي حين تؤكد الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية أن مناورات "درع الحرية أولتشي" ذات طبيعة دفاعية، وتخضع للمراقبة من جانب دول محايدة بموجب اتفاقية الهدنة الكورية، فإن بيونج يانج تضعها في خانة "الاستعداد لغزو أراضيها".
وغالباً ما ترد الجارة الشمالية على هذه المناورات بإجراء اختبارات صاروخية أو غيرها في الفترة الزمنية نفسها تقريباً. وقبيل مناورات هذا العام، حذرت بيونج يانج من أنها سترد بـ"مستوى جديد من الردع".
وسلّط المحافظون في كوريا الجنوبية الضوء على المخاطر التي قد تنجم عن أي خفض في حجم المناورات العسكرية، إلا أن بنيامين إنجل، الأستاذ المساعد في الدراسات الكورية بجامعة Dankook University، رأى أن الجزء الأساسي من هذه المناورات يتمثل في "المحاكاة المكتبية" (tabletop simulations)، والتي لن تتأثر بأي تقليص في حجم المناورات، وفق رأيه.
نهج قائم على "الصفقات"
وفي حديث لـ"الشرق"، قال إنجل أيضاً إن تصريحات ترمب تجاه كوريا الجنوبية "ليست جديدة".
وأضاف: "يمكن النظر إلى تصريحات الرئيس الأميركي التي سلّط فيها الضوء على عدم تقديم سول دعماً عسكرياً للحرب في إيران باعتبارها استمراراً لنظرته القائمة على الصفقات، في تعاطيه مع التحالف الأميركي-الكوري الجنوبي، بمعنى أنه إذا كانت سول تريد من واشنطن الالتزام بتعهداتها المرتبطة بالتحالف بموجب معاهدة الدفاع المشترك، فسيتعين عليها أن تدفع المزيد أو تقدم مساهمات أخرى في مجالات مختلفة".
وسبق أن ضغط ترمب على سول لتقديم المزيد من المساهمات، مثل دفع حصة أكبر من تكاليف تمركز الأفراد العسكريين الأميركيين في شبه الجزيرة الكورية.
وقال الرئيس الأميركي في تصريحات إن "كوريا الجنوبية رفضت مساعدتنا في العملية العسكرية السهلة ضد إيران بينما نحن ننفق المليارات لحمايتها من كيم جونج أون".
وسلّط مقال حديث في مجلة "بوليتيكو" الضوء على هذا الأمر، رابطاً بين تهديدات ترمب بخفض المناورات العسكرية، وبين إحباطه من بطء كوريا الجنوبية في الوفاء بتعهدها باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة.
مع ذلك، يُحذر إنجل من أن نهج الرئيس الأميركي القائم على الصفقات، الذي يتّبعه في التحالف مع سول، يزيد من احتمالات سوء التقدير، ويفتح المجال أمام بكين وموسكو لاستغلال المساحة الفاصلة بين مواقف كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.
مخاوف من تقويض التحالف
وقال لي جونج هو، أستاذ الأبحاث في مركز أرشيف الحرب بجامعة كوريا، إن هذا التصور القائم على منطق الصفقات (transactional conception) في النظر للتحالفات يمكن أن ينتهي به الأمر إلى نتائج عكسية من الناحية الاستراتيجية، مشيراً إلى أنه "قد يوفر نفوذاً تفاوضياً على المدى القصير، لكن على حساب مصداقية التحالف على المدى الطويل".
وأضاف أنه إذا رأى الحلفاء أن التزامات الولايات المتحدة قابلة للتراجع أو الإلغاء، فمن المرجح أن يسعوا بدرجة أكبر إلى تحقيق استقلالية استراتيجية خاصة بهم.
واعتبر جونج في حديث لـ"الشرق" أن "سياسة التحالف القائمة على المصلحة ربما تنجح في انتزاع تنازلات من كوريا الجنوبية على المدى القصير، بينما تضعف في الوقت نفسه العلاقات المؤسسية التي تمنح الولايات المتحدة نفوذاً استراتيجياً طويل الأمد على الصين".
وفسرت تصريحات ترمب بشأن المناورات على أنها محاولة لإحياء الدبلوماسية مع كوريا الشمالية. وبعد منشور ترمب على مواقع التواصل الاجتماعي، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أنها منفتحة على إجراء محادثات مع بيونج يانج "من دون شروط مسبقة"، كما قال الرئيس الأميركي أن الزعيم الكوري الشمالي رد على مساعيه للتواصل معه.
وفي شأن ذي صلة، قال ديلان موتين، الباحث الزائر في مركز آسيا التابع لجامعة سيول الوطنية، إن مكانة ترمب لدى الرأي العام الأميركي تراجعت بسبب الحرب على إيران، وإنه يريد العودة إلى المحادثات مع كيم جونج أون حتى يتمكن من تقديم نفسه باعتباره "صانع صفقات من الطراز الرفيع".
ولفت موتين في حديث لـ"الشرق" إلى أن المحادثات مع كوريا الشمالية كانت دائماً من الأمور التي أراد ترمب القيام بها خلال ولايته الثانية، لكنها تراجعت في سلم الأولويات بسبب التطورات في أوكرانيا وإيران.
كوريا الشمالية أقل حماسة من ترمب؟
غير أن الوضع الآن مختلف تماماً عما كان عليه خلال قمتي الولايات المتحدة وكوريا الشمالية عامي 2018 و2019، عندما عُقدت القمتان في وقت كانت كوريا الشمالية أكثر عزلة بكثير، دبلوماسياً واقتصادياً، أما الآن، فقد عززت بيونج يانج علاقاتها مع موسكو، بما في ذلك توقيع معاهدة دفاع مشترك عام 2024.
كما ارتفعت التجارة مع الصين إلى أعلى مستوياتها منذ 2017، إذ سجلت زيادة بنسبة 19.6% على أساس سنوي خلال الشهرين الأولين من عام 2026.
وبالتالي، لم تعد كوريا الشمالية بحاجة إلى التفاوض مع الولايات المتحدة بالقدر نفسه الذي كانت تحتاج إليه عام 2018.
ورأى بنيامين إنجل، الأستاذ المساعد في الدراسات الكورية، أن كوريا الشمالية قد تكون مترددة في إجراء محادثات مع الولايات المتحدة، إذ لا ترغب في تعريض تعاونها مع روسيا للخطر، خاصة وأنها تحقق مكاسب كبيرة من مبيعات الأسلحة وعوائد إرسال القوات، مما أدى إلى انتعاش اقتصادي محدود في الشمال.
وأضاف: "كما أن كيم جونج أون لا يريد المخاطرة بتبديد هذا الوضع المضمون مقابل حالة عدم اليقين التي تكتنف المفاوضات مع الولايات المتحدة، والتي يرجح بشدة أن تبوء بالفشل.
ونظراً لأن ترمب عرض بالفعل - وبشكل أحادي الجانب - تقليص التدريبات العسكرية، فقد تضطر الولايات المتحدة لتقديم المزيد من التنازلات في أي محادثات مع الشمال، بما في ذلك احتمال الاعتراف بكوريا الشمالية كدولة نووية، وهو أمر بدأ حتى الصقور في واشنطن ينظرون إليه كواقع جيوسياسي حتمي.
تنازلات من بيونج يانج دون "نزع النووي"؟
وأشار ديلان موتين إلى أنه بدلاً من السعي للحصول على تنازلات واسعة النطاق مثل نزع السلاح النووي، قد يركز ترمب على تحقيق مكاسب أسهل وأكثر قابلية للتحقق، مثل إبرام اتفاقية للحد من التسلح أو وضع سقف لعدد الأسلحة النووية.
وتتفاوت ردود الفعل في سول تجاه تصريحات ترمب بناءً على الانتماء السياسي؛ إذ يُسلط المحافظون الضوء على التهديدات الأمنية المحتملة الناجمة عن تقليص التدريبات، بينما يركز الليبراليون على الفرص المتاحة لإجراء محادثات مع بيونج يانج.
وفي هذا السياق، أكد لي جاي ميونج مجدداً عزمه العمل كـ "صانع للسلام" ومحرك لأي محادثات قد تجري بين واشنطن وبيونج يانج.
ومع أن الرئيس الكوري الجنوبي السابق مون جاي إن، لعب دوراً محورياً في إطلاق المحادثات عام 2018، إلا أن لي جاي ميونج قد يجد نفسه هذه المرة خارج دائرة التأثير، ولن يكون بمقدوره تقديم الكثير في المراحل الأولية لأي محادثات محتملة بين ترمب وكيم.











