
انتقلت الشراكة السعودية الفرنسية خلال الأعوام الأخيرة إلى مستوى شراكة استراتيجية أوسع تشمل السياسة والاقتصاد والدفاع والطاقة والثقافة، وفي هذه الأجواء تجري نشاطات اليوم الثاني من زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تلبية لدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
واستقبل ماكرون ولي العهد السعودي، الأحد، حيث حضرا حفل ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 في باريس، ومن المقرر أن يلتقيا مجدداً الاثنين، على أن يركز برنامج الزيارة في يومها الثاني، بصورة أكبر على العلاقات الثنائية، إلى جانب ملفات الاقتصاد والدفاع والثقافة.
وسيستقبل رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، ولي العهد السعودي، مساء الاثنين، في ساحة الشرف بقصر الأنفاليد في باريس، حيث ستُقام مراسم استقبال رسمية، بحسب بيان صادر عن رئاسة الوزراء الفرنسية.
وسيعقد الجانبان، الاثنين، أول اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية الفرنسي السعودي بصيغة موسعة، تنفيذاً لما اتُفق عليه خلال زيارة الدولة التي أجراها ماكرون إلى السعودية في نهاية عام 2024، حين تأسس المجلس، ليكون إطاراً مؤسسياً لتنظيم التعاون بين البلدين في الملفات ذات الأولوية، من الأمن الإقليمي إلى الاستثمار والطاقة والتحول الثقافي.
فرصة للتنسيق السياسي
وتنظر الرياض وباريس إلى الزيارة بوصفها فرصة لتوسيع التنسيق السياسي في ظل أزمات إقليمية ودولية متداخلة، وفي مقدمتها حرب غزة، وأمن الملاحة البحرية، وملفات مكافحة الإرهاب والتطرف والجرائم العابرة للحدود، إلى جانب التعاون الدفاعي والأمني والسيبراني.
وبرز التنسيق السعودي الفرنسي في الملف الفلسطيني من خلال رئاسة البلدين المشتركة للمؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، وتنفيذ حل الدولتين في نيويورك عام 2025.
وأسفر ذلك المسار عن "إعلان نيويورك"، الذي أيدته الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 142 صوتاً، بوصفه إطاراً لدفع خطوات ملموسة نحو حل الدولتين وإنهاء الحرب في غزة.
رؤيتا السعودية وفرنسا لـ2030
اقتصادياً، تسعى السعودية وفرنسا إلى توظيف تقاطع "رؤية السعودية 2030"، و"خطة فرنسا 2030"، لفتح مجالات أوسع للاستثمار المشترك، خصوصاً في الصناعة والطاقة والتقنية والفضاء والسياحة والتعليم والدفاع.
وتشير بيانات سعودية إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 11.5 مليار دولار في عام 2025، في حين تعمل مئات الشركات الفرنسية في السوق السعودية، بينها شركات اتخذت من المملكة مقراً إقليمياً لها.
ويمتد التعاون الاقتصادي إلى الطاقة التقليدية والمتجددة، بما في ذلك البترول والبتروكيماويات، والهيدروجين منخفض الانبعاثات، وتقنيات إزالة الكربون، والتقاط الكربون وتخزينه، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وتمثل مشروعات مثل "ساتورب" في الجبيل ومشروع "أميرال"، نماذج بارزة للشراكة الصناعية بين الجانبين.
وفي القطاع المالي والاستثماري، وقّع "صندوق الاستثمارات العامة" السعودي، و"البنك الاستثماري الوطني الفرنسي"، في ديسمبر 2024، مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون وتقديم دعم تمويلي يصل إلى 10 مليارات دولار على مدى خمس سنوات، فيما يدعم الربط الجوي المباشر بين الرياض وباريس حركة الأعمال والسياحة بين البلدين.
شراكة ثقافية سعودية فرنسية
ثقافياً، تمثل العُلا أحد أبرز وجوه الشراكة السعودية الفرنسية، منذ تأسيس اللجنة الوزارية المشتركة عام 2018 لمواكبة تطوير المحافظة وتحويلها إلى وجهة عالمية للتراث والثقافة والسياحة.
ويشمل التعاون تطوير منتجع شرعان، الذي صممه المعماري الفرنسي جان نوفيل، ومشروع ترام العُلا بالتعاون مع شركة ألستوم الفرنسية، إضافة إلى "فيلا الحجر" كمركز ثقافي سعودي فرنسي مشترك.
كما يبرز التعاون السياحي بوصفه أحد مسارات الشراكة التنفيذية، عبر برامج مشتركة لتنمية الكفاءات، وجذب الاستثمار، وتبادل الخبرات في السياحة المستدامة، وتوظيف البيانات والذكاء الاصطناعي في تطوير الوجهات.
واكتسبت الزيارة بعداً رياضياً وثقافياً إضافياً مع مشاركة ولي العهد السعودي في حفل اختتام كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026 في باريس، في أول نسخة من البطولة تقام خارج المملكة، بما يعكس تحول الرياضات الإلكترونية إلى مساحة جديدة للتعاون بين البلدين، إلى جانب السياسة والاقتصاد والثقافة.








