جدل الصناعة النظيفة في أوروبا يؤجج خلافات بين فرنسا وألمانيا | الشرق للأخبار

جدل الصناعة النظيفة في أوروبا يؤجج خلافات بين فرنسا وألمانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في قصر أوجستوسبورج بمدينة برول في ولاية شمال الراين-وستفاليا. 17 يوليو 2026 - REUTERS
المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مؤتمر صحافي في قصر أوجستوسبورج بمدينة برول في ولاية شمال الراين-وستفاليا. 17 يوليو 2026 - REUTERS

يختبر الاتحاد الأوروبي هذا الخريف قدرته على بناء قاعدة صناعية خضراء قادرة على المنافسة، وسط خلاف فرنسي ألماني بشأن مدى الحمائية المطلوبة لحماية الصناعة الأوروبية من المنافسة الأجنبية، وذلك بالتزامن مع تفاوض المشرعين والدول الأعضاء في التكتل على الصيغة النهائية لـ"قانون تسريع الصناعة" التاريخي، وفق "بوليتيكو".

وتتصاعد بالفعل حدة الخلاف، إذ تتواجه أكبر دولتين في أوروبا بشأن مدى الحمائية التي ينبغي أن يتضمنها القانون الجديد. وتريد فرنسا ضمانات أقوى لشعار "صُنع في أوروبا"، بينما تخشى ألمانيا، التي يعتمد اقتصادها بقوة على التصدير، إثارة ردود انتقامية من شركائها التجاريين، وفقاً لما قاله ثلاثة دبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي للمجلة.

قانون تسريع الصناعة

ويهدف "قانون تسريع الصناعة"، الذي يمثل السياسة الصناعية الأبرز في الولاية الثانية لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، إلى تحفيز عمليات التصنيع الأقل تلويثاً من خلال فرض حصص للمشتريات العامة منخفضة الكربون، إلى جانب قواعد "مثيرة للجدل" تحت شعار "صُنع في أوروبا".

ويتمثل الهدف في تعزيز الطلب على تقنيات أقل اعتماداً على الوقود الأحفوري المسبب لارتفاع درجة حرارة الكوكب.

وكُشف عن التشريع للمرة الأولى في مارس، وهو يخضع حالياً للمراجعة من جانب البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، ويستند هذا التشريع الواسع إلى التقرير البارز الذي أعده ماريو دراجي بشأن القدرة التنافسية الأوروبية.

ووصف مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الصناعة ستيفان سيجورنيه، المقترح بأنه "تغيير في العقيدة"، يهدف إلى حماية المصنعين الأوروبيين من المنافسة مع الواردات الأرخص والأكثر حصولاً على الدعم الحكومي من الصين وغيرها من الاقتصادات الصناعية الكبرى.

وفي جوهره، يسعى "قانون تسريع الصناعة" إلى تعزيز التصنيع الأوروبي من خلال تسريع إجراءات الموافقة على المشروعات الصناعية وتقليص الأعباء الإدارية التي غالباً ما تعتبرها الشركات عوائق أمام النمو. كما يقدم حوافز للمنتجات منخفضة الكربون التي تستوفي معايير المنشأ الأوروبي، أو "صُنع في أوروبا".

انقسام جوهري

لكن هذا المسعى يكشف بالفعل عن انقسام جوهري بشأن المدى الذي ينبغي لأوروبا أن تذهب إليه في حماية صناعتها المحلية.

فبالنسبة إلى سيجورنيه وفون دير لاين، التي حذفت عبارة "إزالة الكربون" من العنوان الأصلي للمقترح، يهدف التشريع إلى إطلاق نهضة صناعية أوسع. ويتمثل طموحهما في رفع حصة قطاع التصنيع المتباطئ في اقتصاد الاتحاد الأوروبي إلى 20% بحلول عام 2035، مقارنة بنحو 14% حالياً، مع تعزيز القاعدة الصناعية لأوروبا في الوقت نفسه وتقليص اعتمادها على المنافسين الأجانب.

ويقدم "قانون تسريع الصناعة" حوافز كبيرة، ويمهد لإنشاء أسواق رائدة للمنتجات منخفضة الكربون في قطاعات استراتيجية. وبموجب مقترح المفوضية، سيتعين على بعض مشروعات المشتريات العامة الالتزام بحصص دنيا من المنتجات الخضراء المصنوعة داخل الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك 5% للأسمنت و25% للألمنيوم.

لكن الصلب لم يحصل على المعاملة نفسها. فبينما يتضمن المقترح اشتراطاً بأن يكون 25% من الصلب المستخدم في بعض المشروعات العامة "منخفض الكربون"، فإنه لا يشترط أن يكون إنتاجه داخل الاتحاد الأوروبي. كما أنه لم يحدد بوضوح، وفق مراقبين للقطاع، ما الذي يُعد صلباً منخفض الكربون.

ولم يغب هذا التجاهل الظاهر عن "يوروفير"، مجموعة الضغط الأوروبية المعنية بصناعة الصلب، التي رحبت بالتزام المقترح بإنشاء سوق رائدة للصلب الأخضر، لكنها ترى أن المفوضية لم تذهب بعيداً بما يكفي.

وقالت مجموعة الضغط في بيان إن "اتجاه قانون تسريع الصناعة صحيح، إلا أن المقترح الحالي لا يرقى إلى مستوى الطموح المطلوب لخلق إشارات طلب على الصلب منخفض الكربون المصنوع في الاتحاد الأوروبي".

وأضافت: "بدون متطلبات قوية للمنشأ الأوروبي مرتبطة بالصلب الذي جرى صهره وصبه في الأصل داخل الاتحاد الأوروبي، فإن المشتريات العامة وبرامج الدعم قد تلجأ إلى الصلب المستورد، ما يقوض استثمارات إزالة الكربون في أوروبا".

ووفق أشخاص مطلعين على موقف المفوضية بشأن القانون، جرى استبعاد حصص الصلب الأخضر الأوروبي من المقترح لتجنب إثارة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تركز أحياناً بصورة خاصة على الصلب، وكذلك الهند، التي تعد مصدراً رئيسياً للصلب إلى الاتحاد الأوروبي.

لكن هناك مؤشرات على أن موقف "يوروفير" يكتسب زخماً. ففي مسودة تسوية وزعها مجلس الاتحاد الأوروبي، تقترح الدول الأعضاء تعديل القانون بحيث ينص على أن "ما لا يقل عن 25% من إجمالي حجم الصلب المستخدم يجب أن يكون منخفض الكربون ومنشؤه من الاتحاد".

وحتى إذا أمكن التوصل إلى تسوية بشأن الصلب، لا يزال المجلس منقسماً بشدة بشأن التشريع ككل، وفق ثلاثة دبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي تحدثوا إلى "بوليتيكو".

ويتمحور الانقسام حول العملاقين الاقتصاديين في الاتحاد. ويقول الدبلوماسيون إن ألمانيا لديها تحفظات كبيرة على القانون، بينما برزت فرنسا، التي ينحدر منها مهندس المقترح الرئيسي سيجورنيه، باعتبارها واحدة من أشد المدافعين عنه.

وترى فرنسا في التشريع فرصة لبناء حماية أقوى لمنتجات "صُنع في أوروبا"، وهو أمر أشارت واشنطن إلى معارضته، حتى في الوقت الذي تنتهج فيه الولايات المتحدة سياساتها التجارية الحمائية الخاصة بها، وكذلك حماية المصنعين المحليين من المنافسة المدعومة بشدة من الصين وغيرها.

أما ألمانيا، فتخشى أن تؤدي الإجراءات الحمائية إلى ردود انتقامية ضد اقتصادها المعتمد على التصدير.

وقد لا تكون هذه المخاوف نظرية بعد الآن. ووفق أحد المشرعين، بدأ حلفاء وشركاء تجاريون أجانب بالفعل في التعبير عن قلقهم إزاء بعض العناصر الأكثر حمائية في المقترح.

وقال مصدر من داخل البرلمان: "رؤساء وزراء من جميع أنحاء العالم يتصلون قائلين: كنت أعتقد أنكم تريدون أن تكونوا أصدقاء، أو كنت أعتقد أنكم تواجهون أوقاتاً صعبة مع الولايات المتحدة والصين".

محاولة التوصل إلى تسوية

وتقترح مسودة تسوية حديثة وزعتها الرئاسة الإيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي، استبدال مفهوم "صُنع في أوروبا" الواسع بنظام أكثر دقة من الناحية القانونية، يستند إلى الاتفاقيات التجارية وإتاحة الوصول إلى الأسواق وفقاً لكل منتج.

كما تقترح مسودة التسوية منح المفوضية سلطة تقديرية لتخفيف حصص المنتجات منخفضة الكربون أو إلغائها إذا تبين أن هذه المتطلبات تؤدي إلى رفع تكلفة المواد وتهدد القدرة التنافسية الأوروبية. ويمكنها أيضاً استخدام هذه الصلاحية إذا كان المعروض من المواد "منخفضة الكربون" محدوداً، أو إذا تبين أن القواعد تضر بالطاقة الإنتاجية للاتحاد الأوروبي وتهدد أمن الإمدادات.

وفي البرلمان، لن يكون هناك نقص في الأسئلة والنقاشات المحيطة بـ"قانون تسريع الصناعة". وتتقاسم ثلاث لجان مسؤولية دراسة الملف، وهي لجنة الصناعة والبحث والطاقة، ولجنة السوق الداخلية وحماية المستهلك، ولجنة التجارة الدولية.

لكن، كما هو الحال في المجلس، يتمحور الصراع السياسي الأساسي حول كيفية دعم أوروبا لقاعدة صناعية يتعين عليها إزالة الكربون لمعالجة تغير المناخ، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ربحيتها.

ويتشكل تحالف أكثر تأييداً للصناعة بين حزب الشعب الأوروبي، الذي يمثل أكبر مجموعة في البرلمان، و"رينيو يوروب" الوسطية، والاشتراكيين والديمقراطيين من يسار الوسط. وترى هذه القوى مجتمعة أن أوروبا تحتاج إلى استراتيجية صناعية أكثر حزماً للمنافسة مع الصين والولايات المتحدة.

في المقابل، يخشى الخضر من أن يؤدي "قانون تسريع الصناعة" إلى إضعاف طموحات الاتحاد الأوروبي المناخية، من خلال تحويل التركيز من إزالة الكربون إلى القدرة التنافسية الصناعية.

تصنيفات

قصص قد تهمك