البرازيل 2026.. 3 ملفات ترسم المواجهة بين لولا وبولسونارو | الشرق للأخبار
خاص

انتخابات البرازيل 2026.. 3 ملفات ترسم المواجهة بين لولا وبولسونارو

خبراء لـ"الشرق": السياسة الخارجية والجريمة المنظمة ودور الدولة في الاقتصاد تتصدر نقاط الخلاف بين المرشحين

الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا خلال مؤتمر لحزب العمال البرازيلي في ساو باولو، البرازيل. 2 أغسطس 2026 - REUTERS
الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا خلال مؤتمر لحزب العمال البرازيلي في ساو باولو، البرازيل. 2 أغسطس 2026 - REUTERS
ساو باولو -

تتجه الانتخابات الرئاسية البرازيلية لعام 2026 إلى مواجهة سياسية تتركز، وفق المشهد الانتخابي الحالي، بين الرئيس لولا دا سيلفا، ومنافسه فلافيو بولسونارو، نجل جايير بولسونارو، الرئيس السابق المدان بمحاولة الانقلاب.

وبينما تتعدد القضايا التي تشغل الناخب البرازيلي، تبرز 3 ملفات رئيسية تكشف الفارق بين المشروعين: موقع البرازيل في العالم، ومواجهة الجريمة المنظمة، وإدارة الاقتصاد.

وهذه الملفات لا تحدد هوية الرئيس المقبل فحسب، بل تحدد أيضاً الاتجاه السياسي والاقتصادي والأمني الذي قد تسلكه أكبر دول أميركا اللاتينية خلال السنوات المقبلة.

علاقات خارجية بين واشنطن وبكين

في الانتخابات الماضية، لم تكن السياسة الخارجية تقليدياً في مقدمة اهتمامات الناخب البرازيلي، لكن انتخابات هذا العام تحمل بُعداً مختلفاً، مع تصاعد التوترات الدولية وانعكاساتها المباشرة على الاقتصاد والسياسة الداخلية، خصوصاً مع تنامي دور الولايات المتحدة مجدداً في أميركا اللاتينية.

وفي هذا السياق، يقول روبنز باربوزا، السفير البرازيلي السابق لدى الولايات المتحدة، لـ"الشرق"، إن "التدخل الخارجي لم يكن سابقاً من القضايا الرئيسية في الحملات الانتخابية، إلّا أن هذا الأمر بات أكثر حضوراً اليوم، خصوصاً مع النقاش حول مواقف الولايات المتحدة وتأثير وسائل الإعلام والتيارات السياسية الخارجية في المشهد البرازيلي".

وتابع: "نحن أمام تحدٍ كبير، البرازيل تخوض حالياً مفاوضات مع الولايات المتحدة، وهناك نوعان من الخلافات بين البلدين".

وأوضح أن "الخلاف الأول تجاري مرتبط بالرسوم الجمركية التي بدأ التفاوض بشأنها، وبعد التفاهم الذي جرى بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس لولا، استأنفت وزارات الخارجية والصناعة والتجارة في البرازيل، إلى جانب الجهات الأميركية المختصة، المحادثات".

وتابع: "ولا أعتقد أن هذا الملف سيُحل فوراً بسبب المرحلة الانتخابية، لكن بعد الانتخابات مباشرة، سيكون على البلدين الجلوس إلى طاولة المفاوضات".

أما الخلاف الثاني، بحسب باربوزا، "فهو سياسي ودبلوماسي، ويرتبط بالتوجه الأيديولوجي الجديد لوزارة الخارجية الأميركية، بقيادة ماركو روبيو، والذي يصطدم بالتوجه السياسي السائد حالياً في الحكومة البرازيلية".

وتتضح انعكاسات هذه الخلافات في رؤية كل من المرشحين لموقع البرازيل الخارجي. فلولا يريد مواصلة سياسة تقوم على استقلال القرار البرازيلي، وتعزيز دور مجموعة بريكس، والحفاظ على علاقة اقتصادية قوية مع الصين، من دون قطع جسور التعاون مع الولايات المتحدة. كما يتبنى موقفاً داعماً للدولة الفلسطينية وأكثر انتقاداً للسياسة الإسرائيلية في غزة.

في المقابل، يسعى فلافيو بولسونارو إلى علاقة أوثق مع واشنطن والغرب، وإعطاء أولوية أكبر لمسار الانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مع الحفاظ على العلاقات التجارية مع الصين والتوأمة السياسية مع إسرائيل.

ويرى باربوزا أن التحدي الحقيقي للرئيس المقبل سيكون إيجاد توازن في علاقات البرازيل مع أكبر شريكين لها، فالصين هي الشريك التجاري الرئيسي، بينما تبقى الولايات المتحدة شريكاً مهماً في التكنولوجيا والدفاع والتجارة. لذلك، يرى أنه لن يكون أمام برازيليا سوى التفاوض مع الطرفين، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية والحروب التي تؤثر في أسواق الطاقة والنقل وسلاسل الإمداد العالمية.

الجريمة المنظمة في قلب المعركة

وإذا كانت السياسة الخارجية تطرح سؤالاً حول موقع البرازيل في العالم، فإن الملف الأمني يلامس حياة الناخب بصورة أكثر مباشرة.

يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة ESPM، باولو راميريز، لـ"الشرق"، إن الجريمة المنظمة أصبحت هذا العام من أبرز مخاوف البرازيليين، بعدما تراجعت نسبياً قضايا مثل البطالة والتضخم مع تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية. ويرى أن سكان المدن الكبرى باتوا أكثر حساسية تجاه الجريمة، إذ يصعب العثور على شخص لا يعرف ضحية لسرقة أو اعتداء أو جريمة أخرى.

وفي مواجهة هذا التحدي، يقدم لولا وفلافيو مقاربتين مختلفتين. فمشروع لولا يركز على الاستخبارات، وتتبع التدفقات المالية ومكافحة غسل الأموال، وتعزيز التنسيق بين أجهزة الشرطة والحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، إلى جانب مراقبة الحدود واستخدام التكنولوجيا.

أما فلافيو، فيتبنى سياسة أكثر صرامة، تشمل زيادة الحضور الأمني، وتشديد العقوبات، وبناء سجون جديدة، وتوسيع أدوات المراقبة، مع استلهام جوانب من تجربة الرئيس السلفادوري نايب بوكيلي.

وفيما يتعلق بإمكانية تطبيق النموذج السلفادوري في البرازيل، قال راميريز: "تطبيق نموذج السلفادور في البرازيل سيكون أكثر تعقيداً، لأنه يتطلب تعديلات دستورية. فالبرازيل ملتزمة بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا تسمح بالاعتقال التعسفي، إذ يجب أن تمر القضايا عبر التحقيق والمؤسسات القضائية، وصولاً أحياناً إلى المحكمة الاتحادية العليا. أما في السلفادور، فقد اتُّخذت إجراءات تعسفية، ويُعتقد أن بعض الأبرياء سُجنوا أيضاً".

وأوضح أن "خفض سن المسؤولية الجنائية يواجه عقبات دستورية، إذ يحدد الدستور سن الرشد بـ18 عاماً، إلى جانب وجود نظام قانوني خاص بالأطفال والمراهقين. وتمرير تغييرات كهذه يحتاج إلى أغلبية الثلثين في مجلسي النواب والشيوخ. ففوز فلافيو بولسونارو وحده لن يكون كافياً، وسيحتاج إلى دعم من المعارضة، إلا إذا جرى تجاوز الدستور كما حدث في السلفادور".

الاقتصاد.. دولتان في مشروعين

ويبرز الاقتصاد بوصفه الملف الثالث، والأوثق ارتباطاً بشكل الدولة ودورها في حياة البرازيليين، إذ يكشف ربما أعمق خلاف بين المرشحين، خاصة فيما يتعلق بحجم الدولة ودورها في الاقتصاد.

فلولا يريد الحفاظ على دولة فاعلة في الاستثمار والتنمية، من خلال البرامج الاجتماعية، والبنية التحتية، والصناعة، والطاقة والتكنولوجيا، مع استخدام الاستثمار العام والائتمان لتحفيز النمو وخلق الوظائف ورفع الدخل.

في المقابل، يطرح فلافيو نموذجاً أكثر ليبرالية، يقوم على تقليص حجم الدولة، وخفض الإنفاق والضرائب، وزيادة الخصخصة ودور القطاع الخاص. كما يدافع عن خطة لضبط المالية العامة وتقليل تكلفة الجهاز الحكومي، مع تعهده بألا يتحمل أصحاب الحد الأدنى للأجور والمتقاعدون كلفة التصحيح المالي.

وهكذا، لا تبدو انتخابات البرازيل مجرد مواجهة بين اسمين، بل بين رؤيتين مختلفتين. لولا يراهن على سياسة خارجية متعددة الأقطاب، ودولة أكثر حضوراً في الاقتصاد، ومقاربة أمنية تعتمد المؤسسات والاستخبارات، فيما يعرض فلافيو تقارباً أكبر مع الغرب، واقتصاداً أكثر اعتماداً على القطاع الخاص، وسياسة أمنية أكثر تشدداً. وهي مواجهة قد تحدد ليس فقط من يصل إلى القصر الرئاسي، بل شكل البرازيل في المرحلة المقبلة.

تصنيفات

قصص قد تهمك