
يعتزم رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام الإعلان عن حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتأكيد على أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي أمام "تدمير حل الدولتين".
وأكد وزير معاشات التقاعد البريطاني بات مكفادن، أن البلاد ستعلن، الثلاثاء، حظراً تجارياً على السلع الواردة من المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة، وذلك في إطار جهود بريطانيا لدعم حل الدولتين.
ورداً على سؤال خلال حديث لإذاعة "تايمز راديو" بشأن كيفية تطبيق آلية الحظر التجاري، لم يقدم مكفادن أي تفاصيل. وقال الوزير البريطاني: "سيصدر وزير الخارجية بياناً أمام البرلمان في وقت لاحق اليوم"، مضيفاً: "السبب في أن هذا الخطر أصبح أكثر إلحاحاً، هو توسع نشاط الاستيطان في الأسابيع والأشهر القليلة الماضية".
وتحدث رئيس الوزراء البريطاني الجديد، الذي يتولى منصبه أيضاً منذ يوليو خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، للتأكيد على "أهمية حل الدولتين"، وذكر مكتبه أن بيرنام شدد على أهمية حل الدولتين، ومن المتوقع أن تصدر إدارة ترمب بياناً ينتقد القرار، وفق ما أوردت صحيفة "التايمز" البريطانية.
كان وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، قال الأسبوع الماضي بعد ستة أسابيع من توليه منصبه إنه يدرس إعادة صياغة سياسة بريطانيا تجاه إسرائيل، ومن المقرر أن يدلي ببيان بشأن إسرائيل، والقيود التجارية في مجلس العموم البريطاني.
وقال ميليباند إن مشروع "E1" الإستيطاني في الضفة الغربية سيمر عبر أراضٍ يطالب الفلسطينيون بها لإقامة دولتهم، مما يعرّض حل الدولتين للخطر.
وتعتبر هيئات الأمم المتحدة ومعظم الحكومات، بما في ذلك بريطانيا، المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتعتبر الضفة الغربية أرضا خاضعة للاحتلال العسكري الإسرائيلي.
وفي المقابل، تجادل إسرائيل بأن هذه الأراضي متنازع عليها وليست محتلة، وتؤكد أن لليهود حق تاريخي في هذه الأرض. ولم يرد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزارة الخارجية على الفور على طلبات التعليق.
إجراءات للرد على خطط إسرائيل
وأشارت "التايمز" إلى أن الإعلان يأتي رداً على خطط إسرائيلية لطرح مناقصات لإقامة مشروع يضم 1200 وحدة سكنية استيطانية في منطقة حيوية بالضفة الغربية يُعرف باسم E1، مشيرةً إلى أن خطط بيرنام من المرجح أن تواجه انتقادات حادة من إسرائيل والولايات المتحدة.
وتُعد هذه الخطوة واحدة من أبرز تحركات بيرنام في السياسة الخارجية منذ توليه رئاسة الوزراء. ومن المقرر أن يعلن وزير الخارجية البريطاني قرار الحظر أمام مجلس العموم.
ومن المتوقع أن يثير ميليباند مخاوف من أن خطط إسرائيل لإضافة وحدات سكنية ستؤدي عملياً إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين، ما يقضي على أي أمل في تحقيق حل الدولتين، القائم على وجود إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة جنباً إلى جنب.
تحذيرات من تداعيات الحظر
ومن المرجح أن ترد الحكومة الإسرائيلية على هذه العقوبات بإجراءات مضادة، بحسب الصحيفة، فيما أكد مكتب رئيس الوزراء البريطاني، الاثنين، أن بيرنام لم يتحدث مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ توليه منصبه.
وحذر مسؤولون في الحكومة البريطانية من أن التمييز بين السلع القادمة من المستوطنات وتلك القادمة من إسرائيل سيكون صعباً من الناحية العملية.
ومن المتوقع أيضاً أن يعلن ميليباند فرض عقوبات على أشخاص متورطين في المستوطنات الإسرائيلية. وكانت بريطانيا قد فرضت العام الماضي عقوبات على وزراء إسرائيليين بارزين، رداً على "التحريض المتكرر على العنف ضد المجتمعات الفلسطينية".
انقسام في حزب العمال
وقالت الصحيفة إن هذه القضية تسببت في انقسام داخل حزب العمال، إذ أعلنت مجموعة "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال"، التي تضم نواباً بارزين في البرلمان وأعضاء في مجلس اللوردات، أنها "تعارض بشدة" إقامة المستوطنات، لكنها حذرت من أن حظر التجارة قد يتحول إلى "مقاطعة فعلية" لإسرائيل.
في المقابل، وقّع أكثر من 140 نائباً من حزب العمال، أي نحو ثلث أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب، رسالة تطالب الحكومة بحظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية. ويستعد مؤيدو الخطوة لطرح اقتراح بهذا الشأن خلال مؤتمر حزب العمال المقرر عقده هذا الشهر.
وكان بيرنام قد أشار مراراً إلى رغبته في اتباع نهج أكثر تشدداً من سلفه كير ستارمر. وقبيل توليه رئاسة الوزراء بوقت قصير، قال بيرنام: "أعلم أن كثيرين يشعرون بأن حزبي لم يتعامل بالشكل الصحيح في بداية العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وأنا آسف لذلك"، متعهداً بـ"القيام بعمل أفضل".
ميليباند: ما يحدث في غزة "مروع"
وفي الأسبوع الماضي، نشر ميليباند مقطعاً مصور دعا فيه إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة. وقال: "خرجت للتو من اجتماع تحدثت فيه عن غزة مع أشخاص كانوا هناك وما زالوا موجودين على الأرض. وبصراحة، ما يحدث مروع".
وأضاف: "القصص التي أخبرني بها الناس عن منع وصول الأدوية، وعن أطفال يموتون أثناء انتظارهم علاجاً منقذاً للحياة... عندما تسمع هذه الروايات عمّا يحدث، فإنك تدرك أننا، كحكومة بريطانية، وكما قال رئيس الوزراء، علينا أن نتحرك، وأن يكون تحركنا أكثر حزماً مما كان عليه في السابق".
وأثار الفيديو رداً غاضباً من إسرائيل، إذ قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية: "لو كان وزير الخارجية مهتماً بالحقائق بدلاً من القصص، لعرف أنه لا توجد أي قيود على الإطلاق على دخول الأدوية إلى قطاع غزة، وأنه لا يتم منع دخول أي أدوية".
ورد السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، على فيديو ميليباند قائلاً: "لقد فقد البريطانيون صوابهم. كراهية حكومتهم لليهود لا تعرف حدوداً ولا تعرف حقائق".
وكان وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، قد صرّح في وقت سابق بأن فرض عقوبات رداً على التوسع الاستيطاني سيكون "خطأً فادحاً"، وحذر قائلاً: "إذا تحركت بريطانيا ضد إسرائيل، فإن دولة إسرائيل ستتحرك ضد بريطانيا".
سفير إسرائيلي سابق يؤيد الحظر
في المقابل، قال السفير الإسرائيلي السابق لدى جنوب إفريقيا، ألون ليئيل، لـ"التايمز" إن فرض العقوبات هو السبيل الوحيد لـ"وقف الفظائع الإسرائيلية".
وأضاف ليئيل: "من المهم جداً أن تحدد الحكومة البريطانية خطوطها الحمراء، إذ إن الضغط الدولي من هذا النوع هو وحده القادر على وقف الفظائع الإسرائيلية".
وتابع: "الوضع في الضفة الغربية اليوم يشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ما يتسبب في معاناة هائلة للفلسطينيين، كما يلحق ضرراً دولياً جسيماً بصورة إسرائيل، وكذلك بصورة اليهود حول العالم".
دعم واسع للحظر داخل بريطانيا
ويحظى حظر التجارة بدعم قوي بين ناخبي حزب العمال والديمقراطيين الأحرار وحزب الخضر، وهو التحالف التقدمي الذي يسعى بيرنام إلى توحيد صفوفه قبل الانتخابات المقبلة.
ويرى غالبية ناخبي حزب العمال والديمقراطيين الأحرار أن بريطانيا كانت متساهلة للغاية مع إسرائيل، فيما تبلغ هذه النسبة 62% بين ناخبي حزب الخضر.
وقال مارك سيواردز، رئيس مجموعة "أصدقاء إسرائيل في حزب العمال" والنائب عن دائرة "ليدز ساوث ويست ومورلي"، إن الخطوة البريطانية قد تعزز موقف اليمين الإسرائيلي قبيل الانتخابات المقررة في نهاية الشهر المقبل.
وأضاف سيواردز لـ"التايمز" أنه "يعارض تماماً مشروع E1 وتوسيع المستوطنات"، معرباً في الوقت نفسه عن تأييده لاستهداف "المستوطنين والمنظمات المتطرفة".
لكنه أضاف: "ينبغي أيضاً القول إن أي مقاطعة للمستوطنات يجب ألا تتحول إلى مقاطعة أوسع تشمل إسرائيل بأكملها، لأنه سيكون لذلك أثر عكسي تماماً، إذ سيصب في مصلحة اليمين الإسرائيلي في الوقت الذي تملك فيه أحزاب المعارضة فرصة حقيقية للوصول إلى السلطة في الانتخابات العامة التي تفصلنا عنها أسابيع قليلة. وإذا كنا جادين بشأن تحسين حياة الفلسطينيين بشكل ملموس، فلا يجب أن نُقدم على أي خطوة قد تعرقل الإطاحة بحكومة نتنياهو الكارثية".













