
قال مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان "بتسيلم" في تقرير شامل صدر الاثنين، إن إسرائيل تعمل على محو الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية.
وجاء في التقرير الذي استند الى نحو ألفي إفادة، وإلى فحص وثائق ومعطيات رسمية وتشريعّات وقرارات حكومية وتقارير: "يجري في الضفة الغربية عدوان إسرائيلي واسع النطاق، يفكك بوتيرة متسارعة ومنهجية مجمل أسس الوجود الفلسطيني".
وأضاف التقرير أن هذه السياسية بدأت منذ تشكيل الحكومة في نهاية عام 2022، وتصاعدت بصورة أشد بعد 7 أكتوبر 2023، على نحو "الإضرار بجميع مجالات حياة السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، مئات الأعمال الروتينية التي تشكل الحياة اليومية، ومنها القدرة على الوصول إلى مكان العمل، وأخذ الأطفال إلى المدرسة، والدراسة في الجامعة، والحصول على علاج طبي، والالتقاء بأفراد العائلة والمعارف أو فلاحة الأرض".
وأضاف: "وفوق كل ذلك، يخيم الخطر الدائم على الحياة والسلامة الجسدية. ففي أي لحظة قد يجد الفلسطيني نفسه عرضة لعنف الجنود ومليشيات المستوطنين المسلحة أو للاعتقال والسجن أو للتنكيل والإذلال، وأحياناً لفقدان حياته".
ويكشف الفحص الذي أجراه "بتسيلم" أن ممارسات إسرائيل في الضفة الغربية تشكل "جزءاً من آلية محو شاملة"، معرفاً المحو بأنه "مس متواصل بالشروط المادية والاجتماعية والسياسية التي تتيح الوجود الفلسطيني الجماعي – الأرض، المؤسسات، اللغة، الثقافة، الروابط الاجتماعية، القيادة، الذاكرة والتاريخ المشترك وكذلك بإمكانية تخيل مستقبل مشترك وتحقيقه".
ولفت التقرير إلى أن مشروع المحو الذي تشنه إسرائيل في الضفة الغربية "يعمل على إعادة تنظيم الحيز وشروط الحياة فيه بحيث تصبح السيطرة الإسرائيلية والوجود اليهودي متواصلين وممأسسين ودائمين، فيما يصبح الوجود الفلسطيني مجزأً وهشاً وتابعاً".
5 محاور
وحدد التقرير 5 محاور تطبق إسرائيل من خلالها آلية المحو وهي، العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتدمير الاجتماعي والسياسي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز".
وقال "بتسيلم" إن هناك تداخلاً بين المحاور الخمسة، إذ أن "تقييد الحركة والخنق الاقتصادي يضران بمصادر الرزق والروابط الاجتماعية والقدرة على الحفاظ على المؤسسات والعمل سياسياً؛ والمس السياسي والاجتماعي بدوره يضعف قدرة الفلسطينيين على الدفاع عن حقوقهم والحفاظ على ارتباطهم بالحيز وبالأرض. وكل ذلك يسهل توسيع السيطرة اليهودية على الحيز واقتلاع الفلسطينيين منه، بما يفكك التجمعات ويلحق الأذى ببيوتها وسبل عيشها وذاكرتها الجماعية واستمراريتها الجغرافية".
العنف ومنطق المحو
واعتبر "بتسيلم" في تقريره أن "العنف يشكل وسيلة الإكراه المركزية التي تتيح عمل الآلية كلها".
وأضاف أنه "لا يمكن فهم الواقع الحالي في الضفة الغربية من دون فحص الجذور الأيديولوجية والأسس النظامية التي تستند إليها آلية المحو"، مستنداً إلى تفسير مصطلح "منطق المحو"، الذي صاغه المؤرخ باتريك وولف، مشيراً إلى أنه "يبين كيفية عمل المشروع الاستعماري-الاستيطاني من أجل تقليص الوجود للجماعة الأصلية المرتبطة بالحيز وتفكيكه وإزالته من خلال عمليات تضعف الوجود الأصلي في الحيز، مثل القتل والتهجير والترحيل إلى مناطق محدودة ومجزأة".
ورصد التقرير آليات "قانونية وتخطيطية واقتصادية ومكانية" لتحقيق الهدف، مثل "منع عودة اللاجئين، وسلب الأرض، وتفتيت التجمعات، والسيطرة على الحركة، والمس بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية".
المشروع الصهيوني الإسرائيلي
وقال تقرير المركز إن المشروع الصهيوني-الإسرائيلي يحمل السمات المركزية للاستعمار الاستيطاني خاصة "ترسيخ سيادة يهودية في حيز تعيش فيه جماعة فلسطينية أصلية، من خلال الإزاحة والتهجير والسلب والتفتيت وإضعاف الوجود الفلسطيني".
بعد أوسلو
وقال التقرير إن إسرائيل واصلت مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات بعد اتفاق أوسلو، وقيدت أيضاً التخطيط والتطوير الفلسطيني، وفتتت الحيز، وأنها، رغم نقل بعض الصلاحيات للسلطة الفلسطينية، أبقت سيطرتها على مركبات أساسية من الحيز والحياة الفلسطينيين، "فاستمر الاستيطان والسلب والتفتيت المكاني وتعمق الأبارتهايد (الفصل العنصري)، وهو البنية النظامية التي تنظم وتحافظ على التفوق اليهودي والسيطرة على الفلسطينيين".
الفصل العنصري
ورصد المركز نظامين في الضفة الغربية، واحد لليهود والثاني للفلسطينيين حيث "اليهود الذين يعيشون في المستوطنات يخضعون للقانون المدني الإسرائيلي ويتمتعون بحقوق سياسية كاملة وبخدمات الدولة وحمايتها؛ أما الفلسطينيون الذين يعيشون في الحيز نفسه فيخضعون للحكم والقانون العسكريين، ولا يستطيعون المشاركة في تحديد السياسات والقوانين التي تتحكم في كل جانب من جوانب حياتهم".
وأضاف: "تنتقل الأراضي والموارد إلى السيطرة اليهودية؛ وتتوسع المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية؛ وتعمل منظومات القانون والتخطيط والبنى التحتية والميزانيات على ترسيخ حضور يهودي متواصل ودائم".
وأشار "بتسيلم" إلى أن "العمليتين ترتبطان إحداهما بالأخرى: تفكيك الوجود الفلسطيني يتيح توسيع السيطرة اليهودية، وتوسيعها يرسخ ويعمق الإزاحة والتفكيك".
بعد السابع من أكتوبر
وقال التقرير إن مشروع المحو ليس جديداً، لكنه تسارع واشتد منذ تشكيل الحكومة في نهاية عام 2022، وبصورة خاصة منذ أكتوبر 2023، حيث "نقلت صلاحيات وميزانيات وقوة سياسية إلى جهات ملتزمة بتوسيع الاستيطان والضم وإزاحة الفلسطينيين؛ وضخت الموارد إلى المستوطنات والبؤر والمزارع الاستيطانية؛ وتعزز الترابط بين مؤسسات الدولة والجيش وحركة الاستيطان ومليشيات المستوطنين وأصبح مشروع المحو أكثر علنية".
خطة سموترتش
وذكر "بتسيلم" في التقرير أن خطة الحسم التي نشرها وزير المالية زعيم حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش عام 2017 "تشكل وثيقة مفتاحية لفهم الواقع الحالي لأنها تصوغ منطق المحو علناً وتربط بين أيديولوجيا استعمارية-استيطانية وبين خطة عمل سياسية".
وقال إن الخطة تضع أمام الفلسطينيين ثلاثة خيارات: العيش تحت التفوق اليهودي إلى جانب التخلي عن مطالبهم السياسية، أو الرحيل، أو القمع بالقوة في حال المقاومة".
الإبادة في غزة
ووصف التقرير الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بأنها "إبادة"، وقال: "يتزامن التصعيد في الضفة مع الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. في غزة، يتحقق منطق المحو في أقصى أشكاله؛ أما في الضفة الغربية فيتحقق بأشكال أخرى، من خلال المحاور الخمسة الموصوفة في التقرير".
وأضاف: "ليست الساحتان منفصلتين إحداهما عن الأخرى. فقد وسع تطبيع القتل والتدمير الهائلين اللذين تزرعهما إسرائيل في قطاع غزة بصورة دراماتيكية حدود العنف الذي ينظر إليه على أنه مشروع ويستخدمه النظام الإسرائيلي ضد الفلسطينيين".
آلية المحو في الضفة الغربية
وقال "بتسيلم" إن "آلية المحو الإسرائيلية في الضفة الغربية التي تقوم على العنف وبث الرعب، وتقييد الحركة، والخنق الاقتصادي، والتدمير الاجتماعي والسياسي، والتطهير العرقي والاستيلاء على الحيز العام، وتحد من قدرة الفلسطينيين على عيش حياة أساسية، وفي الوقت نفسه تمس بالشروط التي تتيح كينونة المجتمع الفلسطيني كجسم سياسي واجتماعي وإقليمي له مؤسسات وحقوق جماعية ومستقبل مشترك".
واستعرض التقرير أشكال الممارسات الإسرائيلية من قتل مصادرة وتهجير وتقييد حريات وإفقار واستخدام ميليشيات المستوطنين لإرهاب الفلسطينيين وتهجيرهم.
ميليشيات المستوطنين
وقال "بتسيلم" إن مليشيات المستوطنين المسلحة تهاجم القرى وتجمعات الرعاة والأراضي الزراعية ومناطق الرعي باستخدام أسلحة ومركبات للمناطق الوعرة حصلت عليها من الدولة. وفي كثير من الأحيان يكون الجيش حاضراً ولا يمنع العنف، بل يشارك فيه بصورة فاعلة".
وذكر أن "الجنود يغلقون الطرق، ويطلقون الغاز المسيل للدموع أو الرصاص الحي على الفلسطينيين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، كما يشارك جنود من سكان المستوطنات في روتين العنف ضد التجمعات الفلسطينية المجاورة حيث يتلاشى الحد الفاصل بين العنف العسكري وعنف الدولة والعنف المدني-الاستيطاني".
وأشار إلى أن إسرائيل عملت منذ أكتوبر 2023، على تجنيد آلاف المستوطنين للخدمة في مناطق سكنهم ضمن كتائب الدفاع الإقليمي، وانضم آلاف آخرون إلى فرق التأهب في المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
صلاحيات عسكرية للمستوطنين
ووثقت "بتسيلم" مستوطنين يمارسون بحق الفلسطينيين صلاحيات "عسكرية": يحتجزونهم، ويعتقلونهم، ويطلبون منهم بطاقات هوياتهم، ويهدمون مباني ويفرضون الإغلاق على بلدات كاملة".
القتل
وقال "بتسيلم" إن اسرائيل قتلت 1087 فلسطينياً في الضفة الغربية، منذ السابع من أكتوبر، وكان من بين الضحايا 242 طفلاً وفتى و21 امرأة.
إضافة الى ذلك وثق المركز قتل 32 أسيراً فلسطينياً في السجون الإسرائيلية.
الخنق الاقتصادي
وقال التقرير إن إسرائيل استخدمت الخنق الاقتصادي ضد الفلسطينيين من خلال "المس بالشروط المادية التي تتيح للفلسطينيين كسب الرزق وإعالة الأسرة وفلاحة الأرض والتعلم والحصول على علاج طبي والتخطيط للمستقبل".
وذكر أن إسرائيل استخدمت الخنق الاقتصادي كآلية للسيطرة وممارسة الضغط المتواصل وزيادة تبعية المجتمع الفلسطيني للحكم الإسرائيلي.
مستوطنون يحتلون 18% من الضفة
وقال التقرير إن ميليشيات المستوطنين استولت على أكثر من 1,070,000 دونم، أي %18 من مساحة الضفة الغربية، وإن المستوطنين أقاموا بين عامي 2023 و2025 نحو 185 بؤرة استيطانية جديدة، نحو 130 منها بؤر مزارع.
ورصد قيام المستوطنين بتهجير 64 تجمعاً فلسطينياً من تجمعّات الرعاة من بيوتها، وتهجير 18 تجمعاً آخر جزئياً.
وشملت عمليات التهجير قيام الجيش بتهجير نحو 33 ألفاً من سكان مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس.
الشكاوى
وقال المركز إن الشكاوى الفلسطينية تقابل بالإهمال في المؤسسات الإسرائيلية، مشيراً إلى أنه بين عامي 2016 و2024 قدمت إلى منظومة إنفاذ القانون العسكرية 2,427 شكوى بشأن أضرار ألحقها جنود بالفلسطينيين وممتلكاتهم؛ فتح تحقيق في 22.7% منها فقط، وقُدمت لوائح اتهام في 0.9% منها فقط.
وفي ما يتعلق بعنف إسرائيليين ضد فلسطينيين، قال التقرير: انتهت 93.6% من ملفات التحقيق التي فتحت بين عامي 2005 و2025 من دون لائحة اتهام، وانتهت 3% فقط بإدانة كاملة أو جزئية.










