
كشفت وسائل الإعلام الإسرائيلية، في الساعات والأيام الأخيرة، عن صراع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقائد الجيش إيال زامير حول دور الجيش في التعامل مع اعتداءات المستوطنين المتزايدة على الفلسطينيين، ذلك أن الحكومة تشجع وتدعم المستوطنين لتحقيق أهدافها السياسية والانتخابية، بينما يبدي الجيش قلقه الشديد من أن يؤدي ذلك إلى حدوث انفجار في الضفة الغربية يستدعي تغيير خططه، وحدوث نقص في قواته الموزعة على جبهات عديدة.
وتشن ميليشيات المستوطنين حرباً منظمة ومعلنة، في بث مباشر، على التجمعات الفلسطينية، يصفها العديد من السياسيين الإسرائيليين بـ"الإرهاب اليهودي"، تشمل تهجير التجمعات السكانية الصغيرة والنائية، وإقامة بؤر ومزارع استيطانية مكانها.
ونقل المستوطنون، مؤخراً، هجماتهم من المناطق المصنفة بموجب اتفاق أوسلو بالرمز "ج"، الواقعة تحت الإدارة العسكرية والمدنية الإسرائيلية، والتي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية، إلى المنطقة "ب" الواقعة تحت الإدارة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، والتي تشكل 18% من مساحة الضفة الغربية، وأخذوا يحتلون البيوت ويطردون سكانها ويقيمون بؤراً استيطانية فيها.
حرب على "قرية قصرة"
آخر هذه الاعتداءات كان اجتياح حوالي 50 مستوطناً مسلحاً، السبت، قرية قصرة بجنوب نابلس، واقتحام ثلاثة بيوت في أطراف القرية، ومحاولة إخراج أصحابها بالقوة، والاستيلاء عليها.
وبعد أن تصدى أصحاب البيوت للمهاجمين، تدخل الجيش وقام بإخلاء المستوطنين واعتقال عدد من الفلسطينيين.
وتقوم مجموعات من المستوطنين بمحاصرة البيوت الثلاثة في قرية قصره منذ حوالي 22 يوماً لإجبار أهلها على المغادرة للاستيلاء عليها بهدف السيطرة على الأراضي المحيطة والاستيطان فيها، دون تدخل من الجيش الذي يراقب المشهد عن قرب ويمنع وصول الفلسطينيين إلى الموقع.
وفي الوقت ذاته قام مستوطنون بالاستيلاء على بيتين في قرية جالود المجاورة بعد طرد وتهجير سكانها، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية عليها، تحت سمع وبصر الجيش.
انقسام في الجيش
وقالت وسائل إعلام إسرائيلية في تقارير، إن الجيش الإسرائيلي منقسم بين من يدعم المستوطنين مهما كان الثمن، وبين من يرى أن اعتداءات المستوطنين قد تسبب انتفاضة لن يكون سهلاً على الجيش التفرغ لها، فيما يركز جهوده على جبهات غزة ولبنان وجنوب سوريا وإيران.
وقال عضو الكنيست النائب أيمن عودة في محاضرة له في رام الله، قبل أيام، إن عدداً من الضباط الكاهانيين (نسبة إلى الحاخام مائير كاهانا صاحب الدعوة الأولى لتهجير الفلسطينيين) وصلوا الى مواقع قيادية في الجيش، وإنهم منخرطون في الاعتداءات على الفلسطينيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأضاف أن لدى الفلسطينيين في إسرائيل، قلقاً من تعرضهم لممارسات تهجيرية مماثلة نظراً لوجود مثل هؤلاء الضباط في مواقع قيادية في الجيش، يضاف إليهم وجود مستوطن كاهاني مثلهم على رأس جهاز الشرطة هو الوزير إيتمار بن جفير، وآخر في موقع مهم في الجيش هو وزير الدفاع الثاني بتسلئيل سموترتش، وكاهاني على رأس جهاز الأمن الداخلي هو ديفد زيني.
كما أشار إلى تسليح وزير الشرطة لـ400 ألف إسرائيلي يشكلون خطراً على حياة ووجود الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية المحتلة.
مخاوف زامير بشأن التصعيد في الضفة
ويقول الخبراء في الشؤون الإسرائيلية، إن رئيس أركان الجيش إيال زامير ليس ضد الاستيطان، لكنه ضد ممارسات المستوطنين التي قد تفجر انتفاضة فلسطينية تتطلب منه توفير قوات كبيرة، في وقت ينشغل فيه الجيش في غزة ولبنان وسوريا وفي حرب إيران.
ونقلت "القناة 12" الإسرائيلية، السبت، عن جنود قولهم إنهم لم يحصلوا على إجازة منذ 500 يوم. وشكا بعضهم من أنه فقد عمله وتدهورت علاقته مع عائلته جراء غيابه الطويل.
وقال المختص في الشؤون الإسرائيلية الدكتور سهيل ذياب لـ"الشرق"، إن "قائد الجيش قلق أيضاً من مسألة أخرى، هي قيام نتنياهو بتحميله المسؤولية، في حال إخفاقه في التعامل مع انتفاضة في الضفة الغربية، كما حدث مع أسلافه الذين حملهم المسؤولية عن إخفاقات سابقة، مثل السابع من أكتوبر وغيره".
ونقلت صحيفة "يسرائيل هيوم"، الأحد، عن مسؤولين كبار في الجيش تحذيرهم من أن "الأحداث في الضفة قد تتدهور إلى تصعيد واسع".
وقالت الصحيفة: "الجيش يحذر منذ نحو أسبوعين من إمكانية تفجر الأوضاع في الضفة، وتأثيرها على عملياته العسكرية".
ووجه مسؤولون في الجيش أصابع الاتهام مباشرة نحو الحكومة، قائلين للصحيفة: "هناك انطباع متزايد داخل الجيش بأن هناك جهات في الحكومة الإسرائيلية معنية بتصعيد واسع في الضفة".
تفكيك السلطة الفلسطينية
ونقلت "يسرائيل هيوم" عن هؤلاء المسؤولين العسكريين قولهم إن "الجيش يخشى أن تكون دوافع التصعيد مرتبطة بمحاولة تفكيك السلطة الفلسطينية أو باعتبارات سياسية".
وأشار مختصون في الشؤون الإسرائيلية إلى أن مسؤولين في حكومة نتنياهو لا يخفون سياستهم الرامية إلى تفكيك السلطة الفلسطينية، بدءاً من احتجاز كامل الإيرادات الجمركية الفلسطينية التي زادت عن 17 مليار دولار، ما ترك السلطة عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية، وصولاً إلى وقف تنفيذ معظم الاتفاقات الموقعة معها.
وقال الكاتب عصمت منصور لـ"الشرق"، إن "التيارات اليمينية المتطرفة صاحبة القرار في الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى تفجير المواجهة مع الفلسطينيين في الضفة الغربية بهدف محاولة تهجير المواطنين، وإحلال المستوطنين محلهم".
وأضاف أن "بعضهم لا يخفي سعيه لتفكيك السلطة الفلسطينية وإلغاء الاتفاقات معها والاستيطان في قلب مناطق السلطة"، لافتاً إلى أن "خطة سموترتش المسماة الحسم، تدعو إلى ضم 82% من مساحة الضفة الغربية، وحصر الفلسطينيين في 18% فقط وتهجير من يمكن تهجيرهم".
وقال الكاتب مهند مصطفى، في مقابلة إذاعية، إن "الجيش الإسرائيلي منقسم بين تيارين، التيار الأول وهو الأكبر، يعمل إلى جانب المستوطنين على تهجير الفلسطينيين، وإحلال المستوطنين محلهم، وتيار ثان صغير قلق على مكانة الجيش بصفته مؤسسة توحد الإسرائيليين وتعمل وفق قوانين وأنظمة"، مشيراً إلى أن "هذا التيار يرى أن تفكيك الجيش يشكل خطراً على وحدة الدولة".
وأضاف أن "مصطلح الإرهاب اليهودي جاء من القوى السياسية القلقة على وحدة الدولة ومؤسساتها في إسرائيل، وليس القلق على الفلسطينيين وحقوقهم".
حصيلة "مُرة" لهجمات المستوطنين
وأدت الهجمات المنظمة لميليشيات المستوطنين إلى حصيلة "مُرة" على الفلسطينيين، إذ أظهرت تقارير منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية أن هذه الهجمات أدت إلى تهجير 118 تجمعاً سكانياً فلسطينياً.
وتفاخر نتنياهو، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية قبل أيام، بأن حكومته أقامت 104 مستوطنات جديدة، و165 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، تضاف إلى 165 مستوطنة وأكثر من 300 بؤرة استيطانية قائمة.
وترافق ذلك مع هدم وتهجير ثلاثة مخيمات في شمال الضفة الغربية، هي مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، بالإضافة إلى هدم مئات البيوت تحت ذرائع أمنية، أو لعدم الترخيص.
أسباب انتخابية
وسجلت الاعتداءات الاستيطانية تصاعداً كبيراً مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية في الثامن والعشرين من أكتوبر المقبل.
وقال الكاتب المختص بالشؤون الأمنية في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، الأحد، إن "قائد الجيش إيال زامير يشك في نيات الحكومة، في ظل استطلاعات الرأي غير المشجعة لمعسكر الائتلاف الحكومي، ويريد تجنب جر الجيش إلى تعقيدات أمنية جديدة تقف وراءها اعتبارات سياسية".
وأضاف: "يبعث رئيس الأركان برسالة مفادها أن الجيش مستعد لكل السيناريوهات، لكنه في الوقت نفسه يلفت انتباه الجمهور بصورة غير مباشرة إلى المناورات السياسية للائتلاف الحكومي".
وأشار إلى أن قائد الجيش يتعرض يومياً لانتقادات على "قناة النظام"، في إشارة إلى "القناة 14"، لافتاً إلى أنه "يجري تصويره باعتباره عدواً للمملكة" لرفضه الانجرار وراء خطط الحكومة القائمة على مصالحها الانتخابية والسياسية.
وأضاف: "ذلك يتكامل مع تصريحات تصدر عن أبواق مختلفة بدأت تلمح إلى احتمال رفض جماعي لنتائج الانتخابات إذا انتهت بخسارة معسكر نتنياهو".
تحذير إسرائيلي من التهجير
وحذر الكاتب هرئيل، الخبير في الشؤون الأمنية والسياسية، من أن "كثيرين في اليمين، ومن بينهم سموتريتش وشخصيات بارزة في قيادات المستوطنات، لا يخفون رغبتهم في اندلاع مواجهة أكثر حدة في الضفة، فإلى جانب تأثيرها في الانتخابات، فإن مثل هذه التطورات ستتيح لهم تبرير خطوة عسكرية مبادرة لإسقاط حكم السلطة الفلسطينية، يعقبها احتلال أراض وتهجير أوسع للسكان".












