من يدفع فاتورة الوعود الانتخابية في المغرب؟ | الشرق للأخبار
خاص

بين خفض الضرائب ورفع الأجور.. من يدفع فاتورة الوعود الانتخابية في المغرب؟

مغاربة في الدار البيضاء، 8 يناير 2026 - Reuters
مغاربة في الدار البيضاء، 8 يناير 2026 - Reuters
الرباط -

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية في 23 سبتمبر، وتنافس القوى السياسية عبر برامجها الانتخابية لاستقطاب أصوات الناخبين، يتجدد السجال الاقتصادي بشأن الفاصل بين الوعود الاجتماعية، التي تشمل خفض الضرائب ورفع الحد الأدنى للأجور، وتحديات الموازنة العامة للدولة والسيطرة على مستويات العجز المالي.

وبينما تسعى الأحزاب الرئيسية إلى إقناع الناخبين، ولا سيما الطبقة المتوسطة، بحزمة من الإجراءات المالية التي تشمل رفع الأجور بطريقة ملموسة، يضع خبراء الاقتصاد والمحللون هذه البرامج تحت مجهر "استدامة المالية العامة"، ويطرحون سؤال التمويل الجوهري: من سيدفع الفاتورة؟

تخفيضات ضريبية للطبقة المتوسطة

تجاوزت البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية المغربية نطاق الشعارات العامة، واتجهت نحو طرح إجراءات ملموسة تستهدف بشكل مباشر القدرة الشرائية للأسر ومداخيل الطبقة المتوسطة.

وفي مقدمة هذه المقترحات، يبرز برنامج حزب "الأصالة والمعاصرة" (يمين وسط)، الذي يدعو إلى إعادة هيكلة سلم الضريبة على الدخل عبر اختزاله إلى 3 مستويات، مع تحديد سقف الضريبة عند 20%، بدلاً من 37% المطبقة حالياً.

كما يقترح إلغاء الضريبة على الأجور الأساسية التي تقل عن 15 ألف درهم شهرياً، إلى جانب مجانية الكهرباء بالنسبة إلى الاستهلاك الأساسي، في حدود 100 درهم.

وأكد محمد جاد زهراش، عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة لـ"الشرق" أن هذه الحلول "عملية وقابلة للتطبيق"، وجاءت استجابةً لتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وأوضح أن الحزب يقترح الاستعانة بشركات محلية متعددة الاختصاصات للحد من مضاربات الوسطاء والمساهمة في ضبط الأسعار، إلى جانب إعادة النظر في مؤشرات الاستفادة من الدعم الاجتماعي والتغطية الصحية، بما يراعي الخصوصيات المحلية.

في المقابل، يركز برنامج حزب التجمع الوطني للأحرار (يمين وسط) على تقديم خصم ضريبي مباشر يصل إلى 5 آلاف درهم سنوياً عن كل طفل في سنوات الدراسة، بهدف تخفيف أعباء التعليم عن الأسر، إلى جانب الالتزام برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى 5 آلاف درهم شهرياً.

أما حزب الاستقلال (يميني محافظ)، فيقترح منح 5 آلاف درهم للشباب المقبلين على الزواج، وتأهيل 100 ألف شاب سنوياً في مجال الرقمنة، فيما يركز حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (يسار) على حماية مداخيل الأسر عبر خفض كلفة الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحة والتعليم.

وقال عضو المكتب السياسي للحزب، علي الغنبوري لـ"الشرق"، إن الحل يكمن في "حماية الأجر نفسه عبر خفض التكاليف التي تثقل كاهل الأسرة".

ويقترح الحزب خفض نفقات الصحة والتعليم بنسبة 20%، بما يتناسب مع القدرة المالية للمواطنين، وتخفيف الضغط الضريبي على الأجراء بنسبة 15%، إلى جانب زيادة عامة في الأجور بنسبة 15% وتحسين متوسط الأجور بنسبة 20%.

وينتقد الحزب، في هذا السياق، ما وصفه بـ"فانتازيا الأرقام" المرتبطة برفع الحد الأدنى للأجور، معتبراً أنها تتجاهل أثر التضخم في القدرة الشرائية.

تحديات الميزانية والتمويل

وتضع هذه التعهدات الضريبية والاجتماعية المباشرة المالية العامة للدولة أمام كلفة مالية ضخمة. فقد حدد حزب الأصالة والمعاصرة الكلفة المالية التقديرية التراكمية لتنفيذ برنامجه الخماسي بنحو 350 مليار درهم (حوالي 35 مليار دولار)، بمعدل 70 مليار درهم سنوياً، منها 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار درهم لميثاق الخدمات العمومية، إضافة إلى مواثيق الشباب والإنعاش، وهي أرقام يراها زهراش "واقعية ومعدة عبر أكاديمية الحزب بصلة مباشرة مع الميدان".

وفي السياق ذاته، رصد حزب التجمع الوطني للأحرار مبلغاً إجمالياً يبلغ 224 مليار درهم لتغطية التزاماته وحماية القدرة الشرائية واستحداث وظائف جديدة.

من جهته، كشف علي الغنبوري لـ"الشرق" أن الكلفة الإجمالية لبرنامج الاتحاد الاشتراكي تبلغ 415 مليار درهم، موضحاً أن الحزب يراهن في تمويلها على 4 روافع أساسية: تحقيق معدل نمو بنسبة 6% (يوفر 100 مليار درهم سنوياً)، والنجاعة الضريبية عبر محاربة التهرب الضريبي، وتثمين الوعاء العقاري للدولة، والاعتماد على التمويلات المبتكرة.

وتتوزع آراء التحليل الاقتصادي بشأن معادلة سد هذه الفجوة المالية المتوقعة بين خياري الرهان على النمو والضرائب الاستثنائية، إذ يراهن كل من الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار على تحقيق متوسط معدل نمو اقتصادي يبلغ 5% سنوياً، لتوليد موارد ضريبية تعويضية تلقائية ناتجة عن انتعاش النشاط الاقتصادي من دون رفع الضرائب، إضافة إلى ترشيد نفقات التسيير وتفعيل التمويلات المبتكرة، وفرض مساهمة تضامنية بنسبة 12% على كبار مستهلكي الطاقة، وفق طرح الأصالة والمعاصرة.

وعلى الجانب الآخر، تتجه أحزاب أخرى نحو فرض ضرائب جديدة نوعية، إذ يطرح حزب الاستقلال فرض ضريبة بنسبة 40% على أرباح الأنشطة الاحتكارية والمضاربات.

"وعود مغرية"

غير أن هذه الوعود تصطدم بقراءة أكاديمية حذرة، إذ يرى الدكتور بدر الزاهر الأزرق، أستاذ قانون الأعمال بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، في حديثه لـ"الشرق"، أن التعهدات برفع الأجور والمعاشات وتقديم إعفاءات ضريبية هي "وعود مغرية للناخبين لكنها تصطدم بسؤال التمويل الحقيقي في ظل عجز في الميزانية يتراوح بين 3 و4%".

وأشار الأزرق إلى وجود "تناقض في البرامج التي تجمع بين خفض الضرائب وتوسيع الوعاء الضريبي في ميزانية هي ضريبية بامتياز"، محذراً من أن الوفاء بهذه التعهدات قد يدفع الحكومة المقبلة إلى فرض ضغوط ضريبية جديدة وأكثر ثقلاً لتعويض العجز.

وتؤكد التحليلات النقدية أن ربط تمويل هذه الكلف بفرضية تحقيق نمو بـ5 أو 6% يظل رهناً بتقلبات الجفاف والظروف الجيوسياسية وسوق الطاقة، ما يجعل استدامة الميزانية هي الحد الفاصل بين المأمول السياسي والممكن الاقتصادي.

تصنيفات

قصص قد تهمك