المغرب.. مشروعات "مونديال 2030" في دائرة التوظيف الانتخابي | الشرق للأخبار
خاص

المغرب.. مشروعات "مونديال 2030" في دائرة التوظيف السياسي قبل الانتخابات

مقر البرلمان المغربي في الرباط. 16 سبتمبر 2026 - REUTERS
مقر البرلمان المغربي في الرباط. 16 سبتمبر 2026 - REUTERS
الرباط -

مع اقتراب موعد الاقتراع في الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر الجاري، يحتدم السجال السياسي في المغرب بشأن توظيف مشروعات البنية التحتية المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، في الخطابات والدعاية الانتخابية.

وتطالب أصوات، خاصة بين الشباب، بألا تحجب الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرياضية واللوجستية الأولويات الاجتماعية.

وظهرت هذه المطالب خلال الاحتجاجات الأخيرة لحركة "جيل زد"، التي رفعت شعارات من بينها "الصحة أولاً"، و"التعليم أولاً"، و"ما بغيناش كأس العالم"، في إشارة إلى المطالبة بتوجيه الإنفاق العمومي نحو الخدمات الأساسية، ولا سيما الصحة والتعليم، والنهوض بالعدالة المجالية.

جدل انتخابي

وتجسد هذا الجدل بشكل واضح في مواقف قيادات من الأغلبية والمعارضة، إذ أثارت تصريحات فوزي لقجع، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، جدلاً خلال تجمع جماهيري بجهة الدار البيضاء-سطات.

وقال لقجع إن ملعب "بنسليمان الكبير" سيحتضن نهائي كأس العالم 2030، معتبراً أن المشروع يمثل رافعة تنموية وإنجازاً كروياً للجهة وللمملكة.

وفي المقابل، ردّ عزيز أخنوش، رئيس الحكومة المنتهية ولايتها والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال تجمع حاشد في إقليم مديونة المغربي، في 10 سبتمبر، بمناسبة إطلاق الحملة الانتخابية للحزب للانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر، داعياً إلى "عدم بيع الوهم للناخبين" وتجنب المزايدات.

وأكد أن تحديد ملعب النهائي قرار ثلاثي مشترك يخضع لضوابط الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" والشركاء، مشدداً على أن "الأوراش" (مشروعات البنية التحتية الرياضية والمشروعات الوطنية الكبرى) هي ملك للدولة المغربية، وتمول من المال العام وضرائب المواطنين، ولا يجوز تحويلها إلى "كعكة" للوعود الانتخابية.

وعلى خط المعارضة، هاجم عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، في وقت سابق ما وصفه بـ"وهم رئاسة حكومة المونديال"، مؤكداً في تصريحات صحافية أنه "لا مجال لسرقة حلم ملك وشعب"، باعتبار المونديال "ورشاً سيادياً واستراتيجياً للدولة ناتجاً عن رؤية ملكية وتضحيات شعبية"، ومحذراً من "التغطية به على الإخفاقات الاجتماعية".

وفي تصريحات لـ"الشرق"، أكد القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة المشارك في الحكومة المغربية، عبد اللطيف وهبي، أن تنظيم كأس العالم لا يحتكر كإنجاز لحزب سياسي أو حكومة بعينها، بل هو "مشروع وطن وأمة بأكملها شارك فيه كافة المغاربة".

وشدد وهبي على أن التنافس بين الفرقاء السياسيين، ينبغي أن يتركز على "تقديم الرؤية الأكثر جودة لإنجاح هذه التظاهرة العالمية"، لافتاً إلى أن حزبه عندما يذكرها "كمشاريع تبنتها الحكومة في الأيام الأولى، وقدمت الكثير من الخدمات من أجل إنجاحها، فهو لا يدعي امتلاكها".

وأضاف وهبي أن "مشروعات المونديال هي إنجاز للجميع دون استثناء، شارك فيه المغاربة المسيسون وغير المسيسين (...) لذلك نحن لسنا هنا للمنافسة في قضايا هي مشتركة بين جميع مكونات الأمة".

ضغوط الإنفاق ومخاطر المالية

يقدر صندوق النقد الدولي برنامج الاستثمارات في البنية التحتية المرتبط بتسريع تحضيرات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030 بنحو 190 مليار درهم، أي حوالي 20 مليار دولار، خلال الفترة من 2024 إلى 2030، بما يعادل نحو 11.9% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في 2024، وفق تقرير للصندوق صدر في مارس 2026.

وتستحوذ استثمارات السكك الحديدية على النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات، تليها المطارات، إضافة إلى الملاعب والطرق والبنية التحتية الحضرية والسياحية في المدن الست المستضيفة.

وتتوقع وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني أن يحمل برنامج البنية التحتية في المغرب استعداداً لاستضافة كأس العالم، بعض المخاطر المحتملة على المالية العامة، رغم تنفيذ الجزء الأكبر من الاستثمارات خارج الميزانية الحكومية.

وقالت الوكالة، في تقرير حديث، إن الشركات المملوكة للدولة، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وكيانات أخرى خارج الميزانية، ستتولى الجزء الأكبر من استثمارات البنية التحتية، بينما سيظل الإنفاق الاستثماري المدرج مباشرة في الميزانية مرتفعاً عند 7.5% من الناتج المحلي في المتوسط خلال عامي 2027 و2028، قبيل موعد المونديال.

 وترى "فيتش" أن الاعتماد على التمويل من خارج الميزانية، يحد من الضغط المباشر على المالية العامة، لكنه لا يعزلها بالكامل عن المخاطر، إذ قد تتحول بعض الالتزامات في نهاية المطاف إلى عبء على الدولة، في حال تجاوزت تكاليف المشروعات التقديرات، أو احتاجت الكيانات المنفذة إلى دعم حكومي أكبر، أو تحولت الالتزامات المحتملة إلى التزامات فعلية على الميزانية.

وأكدت "فيتش" تصنيف المغرب السيادي طويل الأجل عند +BB مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرةً إلى أن التصنيف يعكس سياسات اقتصادية كلية متينة، واحتياطيات خارجية كافية، ودعماً قوياً من الدائنين الرسميين، مقابل ارتفاع الدين الحكومي وتعرض الاقتصاد للظروف المناخية.

ويراهن المغرب على هذه الاستثمارات لتحقيق عوائد ملموسة، تستهدف رفع عدد السياح إلى 26 مليون سائح بحلول 2030، وزيادة الإيرادات السياحية ومناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، ودعم هدف مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي.

المونديال ورهانات التنمية

تنعكس الرهانات المالية والتقييمات الاقتصادية بشكل مباشر على النقاش السياسي بين الأحزاب، التي تراهن على تصدر نتائج الانتخابات وترؤس الحكومة المقبلة، التي توصف إعلامياً بـ"حكومة المونديال".

وترتكز أحزاب الأغلبية في خطاباتها على البعد الاستثماري والتشغيلي للمشروعات، وتعتبر مشروعات المونديال محركاً أساسياً لتسريع معدلات النمو الاقتصادي، فيما تستهدف توظيف هذه الاستثمارات في البنية التحتية لرفع التنافسية الاقتصادية الوطنية وخلق فرص عمل دائمة في القطاعات الخدمية والسياحية والصناعية.

في المقابل، تحذر أحزاب المعارضة من أن الإنفاق على مشروعات المونديال يجب ألا يأتي على حساب التمويل العمومي المخصص للخدمات العامة ودعم المناطق القروية والمهمشة، وتطالب ببرامج موازية تنقل أثر المونديال التنموي إلى القرى والمدن النائية. 

الخبير الاقتصادي ورئيس مرصد العمل الحكومي، محمد جدري، أشار في تصريحات لـ"الشرق"، إلى أن الاستعدادات الحالية تنطلق أساساً من أهداف نموذج التنمية الجديد ورؤية 2035، التي تطمح إلى مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى نحو 260 مليار دولار، موضحاً أن المونديال "ليس خياراً معزولاً أو غاية نهائية في حد ذاته، بل هو محفز استراتيجي ومسرع زمني لتنفيذ مشاريع الدولة وتحديث بنيتها التحتية".

واعتبر جدري، أن الإشكال لا يتعلق بالمفاضلة بين المونديال أو الخدمات الاجتماعية، بل بضرورة الاعتماد على "مسارين تنمويين متوازيين"، يستهدف المسار الأول وضع المغرب في قائمة الدول الناشئة من خلال البنية التحتية الكبرى وجذب الاستثمارات الأجنبية.

فيما يركز المسار الثاني، بحسب جدري، على تعزيز الدولة الاجتماعية عبر توجيه الموارد وناتج النمو نحو قطاعات الصحة والتعليم والسكن، وتغطية احتياجات الفئات الهشة والمناطق القروية، لتحقيق العدالة المجالية وضمان تقدم البلاد بوتيرة متوازنة.

تصنيفات

قصص قد تهمك