
عُقد في نيويورك، الخميس، الاجتماع الوزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، على هامش أعمال الشق رفيع المستوى للدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، بمشاركة دولية واسعة، وبرئاسة مشتركة للسعودية والنرويج والاتحاد الأوروبي، وبالتنسيق مع فرنسا، تحت عنوان "الحفاظ على حل الدولتين.. من التوافق الدولي إلى واقع لا رجعة فيه".
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إن "الاجتماع الذي ينعقد بعد عام على إعلان نيويورك، يأتي في لحظة انتقال من التوافق الدولي والواسع حول حل الدولتين إلى خطوات عملية على الأرض تجمع مقوماته، وتدفع نحو تنفيذه".
وأضاف خلال كلمته في الاجتماع: "هناك حقيقة راسخة، وهي أن القضية الفلسطينية قضية عادلة، وفي نهاية المطاف لن يكون حلها إلا حلاً عادلاً".
وأوضح الأمير فيصل بن فرحان: "قبل ما يقارب ربع قرن، قدمت السعودية مبادرة السلام العربية، ووضعت أمام المنطقة رؤية واضحة لإنهاء الصراع وتحقيق السلام الشام".
وتابع: "ولا ينبغي أن ننتظر ربع قرن آخر حتى نعود إلى الأساس ذاته الذي أثبته التاريخ، وأكدته كل محاولة جادة لإنهاء الصراع: (الأرض مقابل السلام)، دولتان، أمن متبادل، وازدهار مشترك".
وواصل وزير الخارجية السعودي: "هذه ليست رؤية جديدة ولا تفتقر إلى الأساس السياسي أو القانوني، فهي تستند إلى قرارات الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، وتعززها اليوم خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الصراع في غزة وقرار مجلس الأمن 2803، بما يفتح أمامنا مساراً عملياً للمضي قدماً"، موضحاً أن "كل يوم يتم التأخير فيه عن تحويل هذا المسار إلى واقع سيكون له ثمن".
وتساءل: "كم سيستغرق الوصول إلى ذلك؟ وكم من الأرواح ستزهق؟ وكم من الجراح والصدمات ستخلق لدى الفلسطينيين والإسرائيليين قبل أن نصل إلى تلك العدالة؟ وكم من عدم الاستقرار يتعين على منطقتنا أن تتحمل، وإلى أي مدى يجب أن تمتد تداعياته؟"
وتابع الأمير فيصل بن فرحان: "لا يمكننا أن نفترض أن مقومات هذا الحل ستبقى قائمة فيما يجري تقويضها على الأرض"، موضحاً أن "التوسع الاستيطاني والضم والتهجير والعنف كلها تغير الواقع على الأرض".
ولفت إلى أن "المؤسسات الفلسطينية تتعرض للإضعاف"، مشيراً إلى أن "غزة لا يجوز أن تخرج من هذه المأساة منفصلة سياسياً أو جغرافياً عن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية".
ومضى يقول: "لا نريد اليوم أن نتحدث فقط عما نخشى فقدانه، ففي خضم هذا الظلام أرى مستقبلاً مشرقاً لأطفال منطقتنا.. أرى أطفال منطقتنا يكبرون دون أن يرثوا مخاوف آبائهم وصدماتهم، وأرى عائلاتهم من مختلف الأديان لا تشارك الأرض فحسب، بل تشارك مستقبلاً واحداً".
وتابع وزير الخارجية السعودي: "أرى مجتمعين فلسطينياً وإسرائيلياً يعملان معاً ويتبادلان التجارة ويزدهران، وأرى منطقة تُحترم فيها الحدود وتُصان فيها السيادة، ويتحقق فيها الأمن للجميع، ويحل فيها التعاون محل الصراع".
وقال: "أرى القدس الشريف، بما يحمله من مكانة عميقة للمسلمين والمسيحيين واليهود، لا ساحة لإقصاء أو مواجهة، بل شاهداً على إنسانيتنا المشتركة وقدرتنا على التعايش، وهذا المستقبل ليس حلماً ساذجاً وليس بعيد المنال، لكن الوصول إليه يتطلب منّا رفض الحلول قصيرة الأمد".
السعودية تؤكد التزامها بتسوية عادلة وشاملة
وأكد وزير الخارجية السعودي أن بلاده "ستظل ثابتة في سعيها نحو تسوية عادلة وشاملة، لا من خلال ترتيبات مؤقتة تقدم باعتبارها حلولاً نهائية، ولا من خلال تسوية تمليها اعتبارات جيوسياسية عابرة، ولا بغض الطرف عن المعاناة التاريخية والراهنة للفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والإسرائيليين على حد سواء".
وأوضح أن هناك "سعياً أكثر طموحاً لسلام أكثر واقعية، يقام على العدالة ويعززه الأمن، سلام قادر على تحويل الصدمات المتوارثة إلى عزم مشترك ألا تتكرر أبداً".
وتابع: "الحفاظ على حل الدولتين لا يتعلق بالحفاظ على شعار دبلوماسي، بل الحفاظ على إمكانية بناء مستقبل مختلف".
وقال الأمير فيصل بن فرحان: "فلسطين واحدة.. دولتان.. منطقة تنعم بالسلام.. دولة فلسطينية ذات السيادة قادرة على الحياة، متصلة جغرافياً، تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل بأمن واستقرار على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية".
وأوضح أن الهدف هو "منطقة يقود فيها إنهاء الصراع إلى مزيد من التكامل، ويعزز فيها الازدهار الأمني، ويعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود في ظل احترام حقوقهم وكرامتهم ومعتقداتهم".
واختتم حديثه قائلاً: "قد ينظر البعض إلى الواقع أمامنا ويرى أن هذا المستقبل بعيد، ولكننا نراه قريباً، وستواصل السعودية مع الولايات المتحدة وشركائنا في التحالف العالمي تنفيذ حل الدولتين، بعزم وصبر، بإيمان راسخ من أجل أن نجعله أقرب إلى واقع".
مصر تجدد دعمها لحل الدولتين
وفي السياق، شارك وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري لـ"التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين"، مجدداً دعم مصر لإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على خطوط 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
وشدد على رفض مصر الكامل لتهجير الفلسطينيين أو ضم الأراضي الفلسطينية والتوسع الاستيطاني، مؤكداً ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وعدم الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
كما أكد أهمية دعم السلطة الفلسطينية وتمكينها، باعتبار أنه لا بديل عنها للاضطلاع بمسؤولياتها في قطاع غزة عقب انتهاء المرحلة الانتقالية.
واستعرض عبد العاطي الجهود المصرية بالتعاون مع الوسطاء لاستكمال تنفيذ خطة ترمب الشاملة، داعياً إلى استكمال استحقاقات المرحلة الأولى والانتقال الفوري إلى المرحلة الثانية.
وتشمل المرحلة الثانية، وفق ما عرضه الوزير المصري، الترتيبات الانتقالية للأمن والحوكمة بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي، وبدء مشروعات التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
كما شدد على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة دون شروط، ودعم دور الأونروا، محذراً من خطورة الإجراءات الإسرائيلية في القدس ومحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.
ودعا عبد العاطي المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لترجمة الالتزام بحل الدولتين إلى خطوات عملية وملموسة، بما يسهم في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.









