استهدافات قطاع الطاقة في سوريا.. هل هي عمليات منظمة؟ | الشرق للأخبار
خاص

استهدافات قطاع الطاقة في سوريا.. هل هي عمليات منظمة؟

التحقيقات تثبت تخريب خط غاز الجبسة ومؤشرات مماثلة في ريف دمشق

فرق الإطفاء تواصل جهودها لإخماد حريق في خط للغاز بين منطقة الشولا ودير الزور في سوريا. 28 سبتمبر 2026 - وكالة الأنباء السورية "سانا"
فرق الإطفاء تواصل جهودها لإخماد حريق في خط للغاز بين منطقة الشولا ودير الزور في سوريا. 28 سبتمبر 2026 - وكالة الأنباء السورية "سانا"
دمشق-

أثارت استهدافات وحوادث متكررة طالت خطوط ومنشآت الطاقة في سوريا تساؤلات بشأن ما إذا كانت ناجمة عن عمليات تخريب منظمة أم عن أعطال فنية أو عوامل أخرى، لا سيما بعد استهداف خط غاز الجبسة قبل نحو أسبوعين، إذ أعلنت وزارة الطاقة السورية أن التحقيقات أثبتت تعرضه لعمل تخريبي.

وفي المقابل، تطرح بعض القراءات احتمال ارتباط هذه الحوادث بمحاولات لعرقلة خطط تهدف إلى تعزيز دور سوريا كنقط ربط لمسارات الطاقة بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط، إلّا أن التحقيقات الرسمية لم تثبت حتى الآن وجود صلة بين الحوادث وهذه الخطط.

وشهدت سوريا خلال سبتمبر سلسلة من الحوادث التي طالت منشآت وخطوطاً للغاز والنفط. وتعرض خط الغاز في منطقة الشولا بريف دير الزور لتفجير قالت وزارة الطاقة إنه نجم عن مواد متفجرة، قبل أن يقع بعد يومين انفجار في خط الغاز المغذي لمحطة تشرين بمنطقة حران العواميد في ريف دمشق، وسط استمرار التحقيقات لتحديد أسبابه.

كما تعرضت حافلة تقل عمال شركة نفط خاصة متعاقدة مع وزارة الطاقة لهجوم أودى بحياة 7 أشخاص وأصاب 4 آخرين.

وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه سوريا إلى النهوض بقطاع الطاقة وجذب استثمارات أجنبية، وسط خطط لزيادة إنتاج النفط والغاز، إلى جانب طموحات حكومية لرفع إنتاج النفط إلى أكثر من 250 ألف برميل يومياً بحلول عام 2028.

وفي الوقت نفسه، يواجه السكان ضغوطاً متزايدة لتأمين الوقود لأغراض النقل والتدفئة وتوليد الطاقة، في ظل اعتماد البلاد على الاستيراد وارتفاع الأسعار، ما يضع أي اضطراب في البنية التحتية للطاقة تحت تدقيق إضافي بشأن أسبابه وتداعياته.

ويبقى السؤال بشأن ما إذا كانت الحوادث الأخيرة ناجمة عن عمليات تخريب متعمدة، أم أن عوامل أخرى، من بينها تهالك شبكة الطاقة وحاجتها إلى الصيانة، يمكن أن تسهم في وقوع بعض الأعطال والانفجارات.

وزارة الطاقة: مؤشرات إلى عمل متعمد

وفي وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن طبيعة الانفجارات والأعطال، قال مدير الإعلام في وزارة الطاقة السورية عبد الحميد السلات، إن هناك مؤشرات أولية حول أن انفجار خط الغاز في منطقة حران العواميد بريف دمشق كان مفتعلاً.

وأضاف السلات لـ"الشرق" أنه لم تكن هناك مؤشرات إلى أعطال فنية يمكن أن تؤدي إلى وقوع انفجار في المنطقة المستهدفة، لافتاً إلى استمرار التحقيقات للكشف عن ملابسات الحادث.

وقال إن "التحقيقات أثبتت أن تفجير خط غاز الجبسة في الشولا بريف دير الزور قبل أيام كان مفتعلاً".

وأوضح السلات أن فرق وزارة الطاقة تواصل أعمال صيانة خط أنابيب الضغط الخفيف للغاز الطبيعي المغذي لمحطة تشرين، وأن الفرق الفنية اضطرت إلى عزل محطات أخرى، بينها دير علي والناصرية، عبر إغلاق الصمامات.

وأشار إلى أن الأضرار التي لحقت بالخط المغذي لمحطة تشرين كانت جسيمة، مضيفاً أن الفرق تمكنت من عزل الخطوط وإعادة ضغط الغاز إلى محطتي دير علي والناصرية، بينما استمرت تداعيات العطل على محطة تشرين.

تداعيات على الكهرباء والمياه

وأدّى انفجار خط الغاز في حران العواميد إلى اضطراب إمدادات الكهرباء في عدد من المناطق السورية، خصوصاً المحافظات الجنوبية والوسطى، قبل عودة التيار تدريجياً، ولكن مع تراجع ساعات التغذية وارتفاع ساعات التقنين.

وقال السلات إن تداعيات الانفجار امتدت إلى محطات ضخ المياه في دمشق وريفها والقنيطرة ودرعا والسويداء، ما أدّى إلى انقطاع المياه عن مئات الآلاف من السكان.

ويعكس اتساع أثر الحادث حساسية البنية التحتية المرتبطة بالغاز، إذ يمكن لتضرر خط واحد أن ينعكس على إنتاج الكهرباء، ومن ثم على خدمات أساسية أخرى تعتمد عليها، بينها ضخ المياه.

سوريا ومسارات الطاقة الجديدة

وبعيداً عن التداعيات المباشرة، تثير هذه الحوادث نقاشاً بشأن تأثيرها المحتمل على طموحات سوريا للاضطلاع بدور أكبر في شبكات نقل الطاقة الإقليمية، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها مسارات إمدادات النفط والغاز.

أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب عبد الله الفارس يقول لـ"الشرق"، إن "حروب الطاقة، سواء الحرب الروسية الأوكرانية أو التوترات الأميركية الإيرانية، تدفع الدول إلى التفكير في تغيير مسارات إمدادات الطاقة"، لافتاً إلى الأهمية التي تحظى بها مناطق إنتاج النفط والغاز والممرات البحرية الرئيسية في حسابات أمن الطاقة.

اقرأ أيضاً

خط النفط بين العراق وسوريا ولبنان.. عودة مؤجلة منذ عقود

يتجدد الحديث عن إحياء خط النفط بين العراق وسوريا ولبنان، وسط رهانات اقتصادية كبيرة وتحديات أمنية ومالية لإعادة تشغيل أحد أهم مشاريع الطاقة في المنطقة.

وأضاف أن سوريا "بحكم موقعها الجغرافي تشكل أحد الخيارات المهمة في مسارات إمدادات الطاقة الجديدة"، مشيراً إلى إمكان الاستفادة من موقعها في مشروعات محتملة لنقل الغاز أو النفط عبر المنطقة.

ويرى الفارس أن تعدد مصالح القوى الإقليمية والدولية المرتبطة بمسارات الطاقة قد يدفع بعض الأطراف إلى محاولة حماية حصصها أو التأثير على مشروعات منافسة.

لكنه شدد على أن ربط الاستهدافات الأخيرة بهذه المنافسة يحتاج إلى أدلة ومعلومات موثوقة، معتبراً أن التطورات تفرض على سوريا تعزيز أمنها وبناء علاقات إقليمية ودولية تمكنها من الاستفادة من موقعها الجغرافي لدعم التنمية والاقتصاد.

مشروعات ومسارات بديلة

وتتزامن الحوادث مع مساع سورية لتوسيع التعاون في مجال الطاقة مع دول المنطقة، وطرح مشروعات تهدف إلى الاستفادة من موقع البلاد الرابط بين العراق والبحر المتوسط.

وتطرح هذه التحركات إمكانية استعادة سوريا جزءاً من دورها السابق ممراً للنفط والغاز، وسط نقاشات بشأن تطوير البنية التحتية وخطوط النقل والموانئ.

وفي هذا السياق، ظهرت قراءات تربط بين استهداف منشآت الطاقة ومحاولة إظهار سوريا باعتبارها بيئة غير آمنة لمرور إمدادات النفط والغاز، لكن هذه القراءات تظل تقديرات تحليلية لم تثبتها التحقيقات الرسمية بشأن الحوادث الأخيرة.

ويقول الباحث بسام السليمان لـ"الشرق"، إن استهداف خطوط الطاقة قد يحمل رسائل ذات أبعاد داخلية وخارجية، معتبراً أن تكرار الحوادث يمكن أن ينعكس سلباً على صورة سوريا باعتبارها ممراً محتملاً للطاقة، فضلاً عن آثاره على الوضعين الاقتصادي والخدمي.

وأشار السليمان إلى وجود أطراف داخلية وإقليمية تتعارض مصالحها مع الحكومة السورية، معتبراً أن استمرار التوترات الأمنية يجعل وقوع حوادث ذات أبعاد سياسية واقتصادية أمراً وارداً.

وفي الوقت نفسه، قال إن المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية شهدت تطوراً في قدراتها، معرباً عن ثقته في قدرتها على التعامل مع هذه التحديات.

فرضيات بشأن الجهة المستفيدة

من جهته، يرى الباحث في الشؤون الأمنية عصمت العبسي، أن تكرار حوادث استهداف خطوط الغاز يثير الشكوك بشأن اعتبارها حوادث منفصلة، مرجحاً أن يكون الهدف منها التأثير على إمدادات الطاقة والكهرباء، وإضعاف قدرة سوريا على التحول مستقبلاً إلى مسار إقليمي لنقل الطاقة.

وأضاف لـ"الشرق" أن هناك أكثر من جهة يمكن أن تستفيد من تعطيل الاستقرار ومشروعات التنمية في سوريا، لكنه لم يقدم أدلة تثبت مسؤولية أي منها عن الحوادث الأخيرة.

اقرأ أيضاً

النفط والغاز في سوريا.. من يتحكم بالموارد؟

توضح خريطة النفط والغاز في سوريا حجم الفجوة بين الجغرافيا والسيادة، مع تمركز الحقول شرق البلاد، وتأثير ذلك على الاقتصاد والطاقة وفرص التعافي في المرحلة المقبلة.

ووجّه العبسي اتهامات إلى تنظيم "داعش" وفلول النظام السابق بالضلوع المحتمل في مثل هذه الهجمات، معتبراً أنهما يتضرران من تعزيز سيطرة مؤسسات الدولة على منشآت الطاقة، إلا أنه لم يقدم أدلة تثبت ارتباطهما بالانفجارات الأخيرة.

كما أشار إلى وجود دول إقليمية قد تتأثر مصالحها في حال تحولت سوريا إلى ممر رئيسي للطاقة، وخصّ بالذكر إيران وإسرائيل.

واعتبر أن إيران قد تتضرر من ظهور مسارات برية بديلة تقلل أهمية مضيق هرمز، بينما ترتبط مصالح إسرائيل بمشروعاتها الخاصة لتصدير الطاقة، معتبراً أن تعطيل مشروعات الطاقة السورية يمكن أن يصب في مصلحة الطرفين، رغم التناقض السياسي والأمني بينهما.

وذهب العبسي إلى احتمال استعانة أطراف خارجية بجهات محلية لتنفيذ عمليات تستهدف البنية التحتية للطاقة، إلّا أن هذه الاتهامات تبقى في نطاق تقديرات الباحث، ولم تعلن السلطات السورية حتى الآن نتائج تحقيق تثبت تورط إيران أو إسرائيل أو أي طرف آخر في الحوادث.

تحديات أمنية واقتصادية

وبينما تشير وزارة الطاقة إلى أدلة على أن بعض الحوادث، وبينها تفجير خط الجبسة، كانت متعمدة، لا تزال التحقيقات مستمرة بشأن حوادث أخرى، ما يجعل الفصل بين أعمال التخريب والأعطال الفنية ضرورياً قبل رسم صورة موحدة لأسباب سلسلة الانفجارات.

وفي حال أثبتت التحقيقات أن الحوادث جزء من عمليات منظمة تستهدف البنية التحتية للطاقة، فإن التحدي لن يقتصر على حماية خطوط الغاز والنفط والمنشآت المرتبطة بها، بل سيمتد إلى قدرة دمشق على إقناع المستثمرين والشركاء الإقليميين بقدرتها على توفير ممر آمن ومستقر لمشروعات الطاقة.

أما إذا أظهرت التحقيقات أن بعض الانفجارات مرتبطة بأعطال فنية، أو تهالك في البنية التحتية، فستواجه البلاد تحدياً من نوع آخر يتمثل في تأهيل شبكة تضررت خلال سنوات الحرب، بالتوازي مع خطط زيادة الإنتاج وجذب الاستثمارات.

وفي الحالتين، ستكون موثوقية البنية التحتية وأمن خطوط النقل عاملين حاسمين في مدى قدرة سوريا على تحويل موقعها الجغرافي من ميزة محتملة إلى دور فعلي في خريطة الطاقة الإقليمية.

تصنيفات

قصص قد تهمك