
تدخل الحرب المتجددة في إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا مرحلة جديدة، بعد إحكام القوات الفيدرالية وحلفائها السيطرة على ميكيلي، عاصمة الإقليم ومعقل جبهة تحرير شعب تيجراي، إثر انسحاب قوات الجبهة من المدينة.
لكن السيطرة على ميكيلي لا تعني بالضرورة اقتراب المعارك من نهايتها، إذ تشير التطورات الميدانية الأخيرة، رغم التقدم الكبير الذي أحرزته القوات الحكومية، إلى إعادة انتشار قوات جبهة تحرير تيجراي في مناطق أخرى من الإقليم، وسط مؤشرات على تحول محتمل من المواجهات التقليدية إلى نمط قتالي أكثر مرونة، يعتمد على الحركة والانتشار في المناطق الجبلية والحدودية.
وفي موازاة التطورات العسكرية، بدأت الحكومة الفيدرالية الدفع باتجاه ترتيبات سياسية وإدارية جديدة في الإقليم، مع الإعلان عن التحضير لتشكيل إدارة مؤقتة وإجراء انتخابات إقليمية خلال الأشهر المقبلة.
لكن التصعيد يأخذ بعداً أكثر خطورة مع اقتراب العمليات من الحدود الإريترية، وفي ظل التدهور الحاد في العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة، والاتهامات المتبادلة بينهما بدعم جماعات مسلحة لزعزعة الاستقرار.
وفي أحدث التطورات الميدانية، نقلت تقارير ميدانية في إقليم تيجراي عن ضربات لطائرات مسيرة تستهدف عدداً من المناطق التي يُعتقد بوجود قوات لجبهة تحرير تيجراي فيها.
ويعكس تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة تحولاً مهماً في طبيعة المعارك، خاصة في ظل اعتماد القوات الفيدرالية الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة على قدرات متزايدة في مجال الطائرات المسيّرة والاستطلاع والضربات الدقيقة.
ميدانياً، تمثل السيطرة على ميكيلي أبرز تحول في مسار القتال منذ اندلاع المواجهات مجدداً في 23 سبتمبر الماضي.
وأفادت تقارير ميدانية بأن القوات الحكومية وحلفاءها من قوات سلام تيجراي بسطوا سيطرتهم على المدينة بعد دخول مقاتلين إلى وسطها، أعقبهم انتشار للقوات الفيدرالية الإثيوبية.
فراغ أمني ومخاوف من هجوم مضاد
أدّى انسحاب قوات جبهة تحرير تيجراي في ميكيلي، قبيل دخول القوات الحكومية، إلى فراغ أمني مؤقت، شهدت خلاله عمليات نهب وسرقة نفذها مسلحون، طالت، وفق مواطنين بالمدينة، منازل ومتاجر، وسط حالة من الهدوء الحذر وخلو الشوارع من السكان.
فيما فوجئ كثير من السكان بانسحاب قوات الجبهة دون إنذار مسبق، ما عزز حالة الارتباك والقلق بشأن مصير المدينة في الساعات التي سبقت دخول القوات الحكومية وفق المصادر ذاتها.
ودخلت قوات سلام تيجراي الموالية للحكومة الفيدرالية المدينة، قبل أن تتبعها القوات الفيدرالية، في خطوة هدفت، وفق مصادر محلية، إلى تفادي احتكاك مباشر بين الجيش والسكان، وتجنب تكرار تجربة حرب عام 2020.
وانتشرت قوات سلام تيجراي في أنحاء واسعة من العاصمة، بالتزامن مع تحرك السلطات الفيدرالية لإعادة الخدمات الأساسية تدريجياً، بما في ذلك الكهرباء والاتصالات والإنترنت في بعض الأحياء والمناطق، إلى جانب استئناف الخدمات المصرفية.
غير أن عودة الخدمات لم تُنهِ حالة القلق، فقد شهدت بعض مناطق المدينة شائعات عن احتمال عودة قوات الجبهة في هجوم مضاد، ما دفع بعض السكان إلى تجنب الخروج من منازلهم أو التعبير علناً عن مواقفهم، خشية أن تتغير السيطرة على المدينة مجدداً.
وأقرت جبهة تحرير شعب تيجراي بانسحاب قواتها من العاصمة ميكيلي، وقالت في بيان إن قواتها تراجعت من ميكيلي، وإن حكومة الإقليم ستواصل أعمالها مؤقتاً من موقع آخر.
وجاء الانسحاب بعد أيام من القتال الذي شهد تقدم القوات الفيدرالية وحلفائها داخل الإقليم، واستعادة مطار ألولا أبا نيجا الدولي، الذي سيطرت عليه قوات الجبهة في بداية التصعيد.
انتكاسة كبيرة للجبهة.. لكن الحرب لم تنته
وتمثل خسارة ميكيلي ضربة عسكرية وسياسية كبيرة لجبهة تحرير تيجراي، خاصة أنها جاءت بعد أيام فقط من بدء هجومها في 23 سبتمبر الماضي، والذي حققت خلاله مكاسب أولية في أجزاء من إقليمي أمهرة وعفر.
لكن القوات الفيدرالية وحلفاءها شنوا هجوماً مضاداً سريعاً أدّى إلى استعادة مواقع مهمة والتقدم باتجاه العاصمة الإقليمية.
فيما أكد رئيس جبهة تحرير تيجراي، ديبرتسيون جبري ميكائيل، في بيان إمكانية اعتماد قوات الجبهة على حرب الحركة بدلاً من محاولة الاحتفاظ بكل موقع في مواجهة التقدم الحكومي.
وخلال الحرب السابقة، سيطرت القوات الفيدرالية على المدينة في نوفمبر 2020، قبل أن تتمكن قوات تيجراي من استعادتها في يونيو 2021 بعد أشهر من القتال.
إلى أين انسحبت قوات الجبهة؟
ولا تزال الصورة الكاملة بشأن انتشار قوات جبهة تحرير تيجراي بعد الانسحاب من ميكيلي غير واضحة، في ظل صعوبة الوصول إلى مناطق القتال وانقطاع الاتصالات.
لكن مصادر قريبة من جبهة تحرير تيجراي تشير إلى احتمال إعادة تموضع جزء من القوات باتجاه مناطق شمالية وحدودية، بما في ذلك المناطق القريبة من الحدود الإريترية.
وتشير المصادر نفسها إلى تمركز وحدات منها في مناطق وسط تيجراي القريبة من الحدود الإريترية، إلى جانب وجودها في مدن عدوة وأكسوم وعدي غرات وشيري ومناطق جبلية وعرة، بينها ددبيت وتمبين، حيث تعزز مواقعها بأسلحة مضادة للطائرات المسيّرة، في وقت شهدت فيه بعض المناطق التي يُعتقد بوجود مقاتلي الجبهة فيها غارات بطائرات مسيّرة.
وتقول تقارير ميدانية إن الجبهة انسحبت من ميكيلي باتجاه عدوة، المدينة التاريخية الواقعة شمال الإقليم، ثم أكسوم، في إعادة انتشار قد تجعل من مدينة عدوة إحدى أبرز نقاط المواجهة المقبلة مع القوات الفيدرالية. إذ ترتبط أهمية المدينة بمعركة عدوة الشهيرة عام 1896، التي هزمت فيها القوات الإثيوبية الجيش الإيطالي، ما يمنح أي مواجهة جديدة فيها أبعاداً رمزية وتاريخية تتجاوز الحسابات الميدانية.
وفي موازاة التحركات العسكرية، تتحدث مصادر ميدانية أيضاً عن وجود عدد من كبار قادة جبهة تحرير شعب تيجراي في محيط الحدود الإريترية، بينهم زعيم الجبهة ديبرتسيون جبري ميكائيل، ونائبته، فتلي ورق جبر إجزابيهير، والرئيس السابق لجهاز المخابرات الإثيوبية، جيتاتشو أسفا.
ووفق هذه المصادر، سُمح لهؤلاء القادة وحدهم بدخول الأراضي الإريترية، بينما يتمركز قادة آخرون في مدن ومناطق جبلية مختلفة داخل تيجراي، في حين يوجد عدد من أعضاء اللجنة المركزية للحزب بالقرب من الحدود مع إريتريا.
ولم يصدر عن الحكومة الإريترية بيان ينفي هذه التقارير، فيما يرى متابعون للتطورات أنه إذا صحت هذه المعلومات، فإن خسارة ميكيلي لم تؤدِ بالضرورة إلى تفكك كامل للهيكل العسكري والسياسي للجبهة، بل ربما دفعتها إلى نقل ثقلها نحو مناطق أكثر ملاءمة لحرب استنزاف طويلة.
معركة سياسية موازية
في الجانب الآخر، بدأت الحكومة الفيدرالية التحرك لتثبيت واقع سياسي جديد في الإقليم.
وقال أبراهام بلاي، وزير الدفاع الإثيوبي السابق والرئيس السابق للإدارة المؤقتة في تيجراي، إن الاستعدادات جارية لتشكيل إدارة مؤقتة جديدة، على أن تبدأ بإعادة بناء الهياكل الإدارية من المستوى المحلي وصولاً إلى المستويات الأعلى، مع مشاركة المجتمعات المحلية.
وذكر في تصريحات للتلفزيون الإثيوبي الرسمي، أن الاستعدادات تتسارع بهدف إنجاز المرحلة الانتقالية وإجراء انتخابات إقليمية خلال بضعة أشهر.
ولا تزال تفاصيل الإدارة المقترحة، بما في ذلك تشكيلتها وآلية اختيار أعضائها والجدول الزمني الدقيق للانتخابات، غير معلنة بصورة كاملة.
لكن الخطوة وفق أوساط سياسية إثيوبية تعني أن الحكومة الفيدرالية لا تتعامل مع التطورات الحالية باعتبارها عملية عسكرية فقط، وإنما تسعى أيضاً إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي والإداري في تيجراي.
ملاذ محتمل يعقّد الصراع
ويرى الناشط السياسي الأورومي وعضو مؤتمر أورومو الفيدرالي المعارض، جوهر محمد، أن خسارة جبهة تحرير شعب تيجراي السيطرة على ميكيلي لا تعني بالضرورة انهيارها عسكرياً، مشيراً إلى أن الجبهة قد تكون انتقلت من محاولة خوض حرب تقليدية إلى إعادة تنظيم قواتها واللجوء إلى أسلوب أكثر مرونة، خاصة مع تحرك عناصر من قيادتها وقواتها باتجاه الحدود الإريترية.
ويعتبر محمد، الذي تحدث لوسائل إعلام محلية أن هذا التطور يضع أديس أبابا وأسمرة أمام معضلة معقدة، فالسماح للجبهة باستخدام الأراضي الإريترية كملاذ أو قاعدة لإعادة تنظيم صفوفها قد يمنحها فرصة لشن تمرد جديد داخل تيجراي، بينما قد يوفر في المقابل للحكومة الإثيوبية مبرراً للتعامل مع الأمر باعتباره تهديداً عابراً للحدود. بينما يرى أن منع الجبهة من الحصول على ملاذ آمن قد يضعف قدرتها على إعادة بناء قوتها، وقد يحرم إريتريا من ورقة ضغط مهمة في مواجهة الحكومة الإثيوبية وفق تعبيره.
هل انتهت حرب تيجراي؟
وفي تقييم له حول التطورات بإقليم تيجراي، قال رئيس الأركان السابق للجيش الإثيوبي الجنرال سامورا يونس، الذي ينحدر من تيجراي، في مقابلة مع تلفزيون محلي، إنه يعتقد أن الحرب قد انتهت، داعياً قادة جبهة تحرير شعب تيجراي إلى إدراك هذه الحقيقة.
ووصف يونس، الجولة الحالية بأنها كانت خاطفة، معتبراً أنها أظهرت مستوى جاهزية الجيش الإثيوبي وقدرته على حسم المعركة ميدانياً، كما قال إن سكان تيجراي لم يعودوا راغبين في حرب جديدة، معتبراً أن استمرار القتال لا يخدم سوى إزهاق أرواح الشباب في الإقليم.
التفوق العسكري لا يكفي
لكن مراقبين محليين يرون أن المرحلة المقبلة ستكون الأكثر تعقيداً في المواجهات، ويقول هيلي ميكائيل تخلو، العضو السابق بجبهة تحرير تيجراي، إن التفوق العسكري للحكومة الإثيوبية لا يعني بالضرورة قدرتها على حسم المواجهة على المدى الطويل، في ظل تعدد الجبهات التي تواجهها الدولة، واستمرار الهجمات المتقطعة التي تشنها جماعات مسلحة في إقليمي أوروميا وأمهرة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والالتزامات الأمنية المتزايدة.
ويضيف في حديث لـ"الشرق" أن هذه العوامل قد تفرض على الحكومة توزيع قدراتها العسكرية والأمنية على أكثر من مسرح، بما قد يمنح الجبهة مساحة للحفاظ على قدرتها القتالية، ما يجعل التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس في الوصول إلى المدن الرئيسية أو استعادة مواقع محددة، وإنما في الحفاظ على السيطرة وإدارة الأراضي لفترة طويلة، وتأمين خطوط الإمداد.
ويشير هيلي إلى أن طبيعة تيجراي الجغرافية، رغم أنها لم تعد تمنح الجبهة الميزة نفسها التي كانت تتمتع بها خلال مراحل التمرد السابقة، فإنها لا تزال توفر ظروفاً ملائمة لحرب استنزاف تقودها مجموعات صغيرة ومتفرقة.
في المقابل، يرى الباحث المهتم بقضايا القرن الإفريقي، يوسف محمود، أن التحدي الذي تواجهه جبهة تحرير شعب تيجراي لا يقتصر على التطورات العسكرية، وإنما يرتبط أيضاً بمدى قدرتها على استعادة الحاضنة السياسية والشعبية التي مكّنتها من خوض حروب طويلة في السابق.
وقال في حديث لـ"الشرق" إن الجبهة هيمنت على الحياة السياسية ومؤسسات الحكم في تيجراي لعقود، إلا أن الانقسامات التي برزت بعد وفاة زعيمها السابق ميليس زيناوي، وتراكم الاستياء منها خلال السنوات اللاحقة، أضعفا قدرتها على الحفاظ على مستوى التماسك والدعم الداخلي الذي تمتعت به في مراحل سابقة.
وبحسب محمود، فإن الظروف الحالية تختلف عن حرب (2020-2022)، التي شهدت تعبئة شعبية واسعة على خلفية اعتبار الصراع آنذاك معركة وجودية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من التيجراي.
وقال إن المواجهة الحالية، تشير إلى تحميل قطاعات من سكان تيجراي قيادة الجبهة مسؤولية الحرب ومعاناة الإقليم ما قد يمثل تحدياً أساسياً أمام الجبهة إذا تحولت المواجهة إلى تمرد طويل الأمد، إذ إن استمرار أي حركة مسلحة يحتاج إلى جانب قدراتها العسكرية، إلى قاعدة اجتماعية مستعدة لتحمل كلفة الحرب وتوفير بيئة داعمة لها.
لكن محمود استدرك قائلاً إن تراجع الدعم للجبهة لا يعني بالضرورة انتهاء قدرتها على القتال، إذ قد تحتفظ بقدرة على تنفيذ عمليات متفرقة أو الاستفادة من التضاريس والظروف الأمنية، غير أن قدرتها على إعادة إنتاج تعبئة شعبية واسعة كتلك التي شهدتها الحرب السابقة ستكون، وفق تقديره، موضع اختبار حقيقي.
تحديات ما بعد السيطرة
بينما يرى المحلل السياسي المهتم بشأن تيجراي، هبتجيورجيس أرأيا، أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً بالنسبة للحكومة، مع تحديات تتعلق بتأمين المدن والطرق، وإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات، وإدارة المناطق الريفية، والتعامل مع المقاتلين السابقين، ومنع أعمال الانتقام، إلى جانب كسب ثقة سكان الإقليم بأن المرحلة الجديدة لن تعيد إنتاج دورة العنف السابقة.
وقال في حديث لـ"الشرق" إن نجاح الحكومة في إدارة هذه الملفات قد يضع جبهة تحرير شعب تيجراي أمام بيئة سياسية وأمنية أكثر صعوبة لإعادة بناء تمرد واسع، بينما قد يؤدي الفشل إلى إعادة إنتاج حالة السخط التي يمكن أن تستفيد منها الجبهة في تجديد صفوفها.
الحدود تهدد بتوسيع الصراع
وبالنسبة له، فإن الصراع قد يتجه، بعد التطورات الأخيرة، إلى تمرد طويل الأمد داخل تيجراي، أو انتقال جزء من المواجهة إلى المناطق الحدودية، بما يرفع احتمالات التدخل الإريتري واتساع نطاق الصراع.
لكنه يرى أن موقف سكان تيجراي، يظل عاملاً حاسماً في تحديد المسار الذي ستتخذه الأحداث، إلى جانب التطورات على الحدود مع إريتريا.
ويحذر أرأيا من أن إعادة بناء الجبهة لوجود عسكري مستقر قرب الحدود مع إريتريا، أو حصولها على ملاذ خارجي قد يطيل أمد الصراع، في حين أن أي تدخل عسكري إثيوبي داخل الأراضي الإريترية يمكن أن ينقل المواجهة من صراع داخلي إلى مواجهة مباشرة بين دولتين ذات تداعيات إقليمية أوسع.








