أبو زرعة المحرمي.. من ساحات القتال لدائرة صنع القرار باليمن | الشرق للأخبار

أبو زرعة المحرمي.. من ساحات القتال إلى دائرة صنع القرار في اليمن

أبو زرعة المحرمي. - | الشرق
أبو زرعة المحرمي. - | الشرق

لم يدخل عبد الرحمن أبو زرعة المحرمي المشهد اليمني من أبواب السياسة التقليدية، بل صنع حضوره في الميدان، قبل أن ينتقل بثقله العسكري إلى أعلى مستويات السلطة.

فمن معارك عدن والساحل الغربي وشبوة ومأرب، إلى منصب نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، تشكلت صورة المحرمي بوصفه قائداً قليل الظهور الإعلامي، صارماً في إدارة قواته، ارتبط اسمه بمحطات عسكرية غيرت جانباً من موازين القوى خلال سنوات الحرب.

ولد عبد الرحمن صالح زين المحرمي، المعروف بـ"أبو زرعة"، في 3 فبراير 1980 في مديرية خنفر، بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في أسرة ذات خلفية عسكرية، إذ كان والده صالح زين عقيل المحرمي، أحد القيادات الأمنية البارزة في محافظة أبين، والذي فقد حياته في أحداث يناير عام 1986.

انتقل عام 1986 مع أسرته إلى عدن، حيث نشأ وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي، ومن ثم انتقل إلى دماج بمحافظة صعدة حيث درس اللغة العربية والعلوم الشرعية قبل أن يعود إلى عدن حيث تشكل جانب مبكر من شخصيته قبل أن تقوده تحولات اليمن اللاحقة إلى مسار مختلف تماماً، هو المسار العسكري.

عام 2015 ومع تقدم الحوثيين في جنوب اليمن ودخول عدن، انخرط المحرمي في صفوف "المقاومة الجنوبية" وبرز كأحد قياداتها في المواجهات التي شهدتها عدن، وشارك في القتال ضد الحوثيين حتى خروجهم منها ومناطق واسعة من المحافظات الجنوبية. كانت تلك المرحلة البداية الأولى في صناعة حضوره العسكري.

بعد تحرير عدن ارتبط المحرمي بملف تأمين المدينة بشكل كبير من ويلات النزاعات والتقلب الأمني، وفي تلك المرحلة لم تقتصر المواجهة على الحوثيين؛ إذ شارك في تأسيس الأحزمة الأمنية وقوات الدعم والإسناد وقاد عمليات لمكافحة تنظيمي "القاعدة" و"داعش" في محافظات عدن وأبين ولحج، وكان من أبرز تلك المحطات مشاركته في قيادة وترتيب العمليات الأمنية والعسكرية التي انتهت باستعادة مناطق في مديرية المنصورة في عدن من سيطرة تنظيم "القاعدة".

مع انتقال المعارك من عدن إلى الساحل الغربي، وفي نهاية العام 2016 بدأ المحرمي إلى مرحلة جديدة من العمل العسكري في الساحل الغربي، حيث قاد وشارك في العمليات العسكرية ضمن معركة "الرمح الذهبي"، التي امتدت من مناطق باب المندب وذوباب باتجاه مدينة المخا، وانتهت بتحرير مدينة المخا ومينائها ومناطق واسعة من الساحل الغربي.

خلال العام نفسه تولى دوراً قيادياً في عمليات الساحل الغربي، وشارك في المعارك التي انتهت بتحرير معسكر خالد بن الوليد الاستراتيجي، أحد أهم المواقع العسكرية في المنطقة. وخلال هذه المرحلة برز دوره في تأسيس وقيادة "ألوية العمالقة"، التي أصبحت لاحقاً إحدى أبرز القوات المشاركة في جبهات القتال بالساحل الغربي.

وفي عام 2018 قاد المحرمي "ألوية العمالقة" في سلسلة واسعة من العمليات العسكرية على امتداد الساحل الغربي، واستطاعت القوات خلال تلك العمليات التقدم من مناطق الساحل وصولاً إلى مشارف مدينة الحديدة، بعد معارك واسعة ضد الحوثيين.

المحطة التي رسخت اسم "أبو زرعة" على نطاق أوسع جاءت مطلع عام 2022، عندما قاد "ألوية العمالقة" في عملية "إعصار الجنوب". تقدمت القوات في شبوة وتمكنت من استعادة مناطق كانت تحت سيطرة الحوثيين، ثم امتدت العمليات إلى أجزاء من محافظة مأرب. وتربط المصادر المحرمي مباشرة بقيادة العملية التي أفضت إلى استعادة شبوة وأجزاء من مأرب؛ ومن أبرز المناطق التي ارتبطت بهذه المعارك مديرية بيحان في شبوة وجبهات جنوب مأرب.

من ساحات القتال إلى دوائر صنع القرار

وفي عام 2022 تبنت قوة "ألوية العمالقة" اسم "ألوية العمالقة الجنوبية"، في تحول عكس بصورة أوضح هويتها الجنوبية. وبعد سنوات من العمل العسكري، انتقل "أبو زرعة" إلى قلب المعادلة السياسية. ففي أبريل 2022 اختير عضواً في مجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل عقب نقل الرئيس عبد ربه منصور هادي صلاحياته إلى المجلس. وجاء ذلك بعد الصعود العسكري الكبير الذي حققه المحرمي وقواته، ولا سيما في العمليات التي سبقت تشكيل المجلس.

وفي 19 أبريل 2022 أدى المحرمي، إلى جانب رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، اليمين الدستورية أمام مجلس النواب في عدن، إيذاناً ببدء المجلس ممارسة مهامه رسمياً.

وفي 29 أغسطس 2024 كلف المحرمي بإدارة ملف الأمن ومكافحة الإرهاب، وتضمن التكليف الإشراف على عمل القوات الأمنية ومكافحة الإرهاب، إلى جانب إعادة هيكلتها وتنظيمها، لتتوسع بذلك مسؤولياته من قيادة القوات العسكرية إلى الإشراف المباشر على ملف أمني واسع.

وعلى الرغم من انتقاله إلى العمل السياسي، ظل الميدان أساس صورته العامة. فالمحرمي ليس من السياسيين الذين انتقلوا إلى قيادة تشكيل عسكري، بل سلك المسار المعاكس: بدأ من ساحات المواجهة، بنى قوة عسكرية كبيرة، ثم انتقل إلى دوائر صناعة القرار، فواصل أداء مهامه السياسية والعسكرية والأمنية، بصفته عضواً في مجلس القيادة الرئاسي، وقائداً للقوات المسلحة الجنوبية، إلى جانب مسؤولياته في الإشراف على القوات والملفات الأمنية والعسكرية.

في أكتوبر 2026 أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم "فجر اليمن"، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين، وهنا قاد المحرمي "العمالقة" في عملية التصدي للحوثيين في المضاربة والوازعية وكهبوب وباب المندب.

قلبت "قوات العمالقة" موازين القوى في مسرح عملياتها، وتولت زمام المبادرة، وأطلقت عملية عسكرية حاسمة تكللت بالسيطرة على مطار ذوباب والطريق البري الوحيد المؤدي إلى منطقة باب المندب، والذي يربطها بالمخا والساحل الغربي.

من الطالب المتفوق وحافظ القرآن في عدن، إلى قائد برز في حرب المدينة ثم قائد ألوية العمالقة وعمليات الساحل وشبوة ومأرب، وصولاً إلى عضوية مجلس القيادة الرئاسي والقائد العام للقوات المسلحة الجنوبية؛ تختصر سيرة أبو زرعة المحرمي جانباً من التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب في بنية القوة في اليمن. وفي قلب تلك السيرة تبقى السمة الأكثر التصاقاً بصورته: قائد ميداني صارم، بنى نفوذه من القوة المنظمة والانضباط العسكري، ثم حمل ذلك النفوذ معه من ساحات القتال إلى طاولة السياسة.

تصنيفات

قصص قد تهمك