
تضع حوادث أمنية متزايدة يُشتبه في ارتباط بعضها بروسيا، حلف الناتو أمام خيارات صعبة للرد، دون التسبب في تصعيد غير محسوب، أو الظهور بمظهر الطرف الضعيف، حسبما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين غربين.
وقال مسؤول كبير في الناتو، إن الحلف يدعم أمن أعضائه، وإن لديه خيارات للتعامل مع الموقف، مشيراً إلى عبارة "قد لا تكون أنشطتنا مرئية دائماً"، وهي العبارة التي يكررها أمين عام الحلف مارك روته كثيراً.
المتحدث باسم القيادة العسكرية العليا للحلف، الكولونيل في الجيش الأميركي مارتن أودونيل، أشار إلى أن القادة العسكريين للناتو "يقومون بالضبط بما ينبغي عليهم القيام به في الوقت الحالي"، مضيفاً: "إنهم يتشاورون"، وذلك بعدما استهدفت طائرات مسيرة مجهولة، سفينتين في المياه الإقليمية الرومانية بالبحر الأسود، فيما تعرضت سفينة ثالثة لهجوم خارج المياه الإقليمية لرومانيا مباشرة، ما أدى إلى فقدان 7 من أفراد طواقم السفن.
واتهمت سلطات أوروبية روسيا باستهداف السفن الثلاث، إلى جانب 4 سفن أخرى في مياه قريبة قبالة بلغاريا قبل أيام. واجتمع الرئيس الروماني، نيكوشور دان، ورئيس الوزراء البلغاري، رومين راديف، الخميس الماضي، مع الأمين العام للحلف مارك روته لبحث الوضع، لكنهم لم يكشفوا عن أي إجراءات للرد.
معضلة الردع وتجنب الحرب
وأشارت "وول ستريت جورنال"، إلى أن أياً الحوادث الأخيرة لم يصل إلى مستوى ما تعتبره دول الحلف أعمالاً حربية، وهو ما يضعها أمام معضلة مفادها: كيف يمكن للدول الغربية دفع روسيا إلى وقف أعمالها التي تعتبرها "استفزازية وغير قانونية"، دون الدخول في حرب معها؟
وقالت الصحيفة إن دبلوماسيين يخشون بشكل متزايد من أن يؤدي التصعيد التدريجي المنسوب لروسيا إلى اعتياد الرأي العام في دول الحلف على الهجمات، والتعامل معها باعتبارها أمراً طبيعياً أو تجاهل خطورتها.
وقال الرئيس الروماني، الخميس: "من الواضح أن هناك محاولات من جانب روسيا لزعزعة استقرار المجتمع وتقليص الدعم لأوكرانيا"، مضيفاً: "ردنا هو أننا سنواصل دعم أوكرانيا".
وبحسب الصحيفة الأميركية، فقد اكتسب الجدل داخل الناتو بشأن تلك الهجمات، إلحاحاً جديداً، في ظل تراجع حماسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وطرح البيت الأبيض احتمال وقف الدعم الأميركي لكييف أو الحد منه، في إطار مساعيه للتوصل إلى اتفاق سلام.
ونقلت عن مسؤولين أوروبيين وأوكرانيين أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، معتبرين أنها "ستشجع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على زيادة جرأته، سواء داخل حدود أوكرانيا أو خارجها".
وقال مسؤولون حاليون وسابقون في الإدارة الأميركية، إن ترمب أصبح أكثر قلقاً إزاء الحملة الروسية داخل أراضي دول الحلف، وإن هذا القلق أسهم في قراره الأخير إعادة صياغة الجهود الأميركية الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.
التوغل في أجواء الناتو
تأتي الهجمات في البحر الأسود بعد أشهر من توغلات جوية في دول الناتو منسوبة لطائرات حربية روسية وطائرات مسيرة وصواريخ. كما اتهمت دول أوروبية موسكو بالوقوف وراء العشرات من أعمال التخريب والتجسس الإلكتروني، أو التحريض عليها في أنحاء القارة، في مؤشر على تزايد استعداد روسيا للمخاطرة خلال الأشهر الأخيرة.
واتهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس روسيا بمحاولة استهداف طائرات في مطار لايبزيج بطائرات مسيرة محملة بمتفجرات في أغسطس، فيما اتهمت أجهزة الاستخبارات الهولندية موسكو باختراق كاميرات متصلة بالإنترنت للتجسس على الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
وسعى أمين عام الناتو ومسؤولون آخرون في الحلف، على مدى أشهر، إلى التقليل من خطورة التهديدات الروسية، جزئياً لتجنب منح موسكو مكاسب دعائية.
واعتبر مارك روته، الأربعاء، أن الهجمات الروسية "علامة على الضعف"، مضيفاً: "ما يرغبون فيه هو أن نتحدث عنها طوال اليوم، وأن نشعر بالارتباك، وأن نعقد مؤتمرات صحافية بشأنها. لن نفعل ذلك".
ويخشى دبلوماسيون ومسؤولون عسكريون أن تُزيد "استفزازات موسكو" خطر امتداد الحرب في أوكرانيا إلى مواجهة عسكرية أوسع مع الناتو، حتى لو بدأت بتصعيد عرضي سرعان ما يخرج عن السيطرة.
وقالت جوليان سميث، السفيرة الأميركية السابقة لدى الناتو خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن: "ما يقلقني هو استمرار بوتين في تصعيد هذه التحركات، بما قد يؤدي إلى خروج الوضع عن السيطرة والتحول إلى عمل عسكري مباشر". وأضافت: "أصبحت روسيا أكثر جرأة بكثير في تنفيذ هذا النوع من الهجمات".
رد حلف الناتو على ما اعتبرها "استفزازات روسية" أخرى منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، إذ عزز دورياته الأمنية في بحر البلطيق عقب سلسلة من الأضرار والانقطاعات التي طالت كابلات بحرية وخطوط أنابيب، في حوادث قال مسؤولون غربيون إنهم يشتبهون في ارتباطها بأعمال تخريب روسية. وتراجعت الحوادث المشتبه في كونها أعمالاً تخريبية بصورة حادة بعد ذلك.
وكرر الحلف النهج نفسه من خلال تعزيز الدوريات في أجواء دول الجناح الشرقي للحلف ومناطقه في القطب الشمالي.
لكن البحر الأسود يمثل حالة مختلفة، نظراً إلى امتلاك القوات البحرية والجوية الروسية قدرة واسعة ومباشرة على الوصول إلى مياهه. وتطل على البحر كل من أوكرانيا ودول الحلف رومانيا وبلغاريا وتركيا.
وفي عام 2022، فعّلت تركيا معاهدة يعود تاريخها إلى نحو قرن، وأغلقت بموجبها المضائق المؤدية إلى البحر الأسود أمام السفن الحربية القادمة إليه، ما يمنع الناتو وروسيا من تعزيز أساطيلهما البحرية العابرة للمحيطات في المنطقة.
لكن شهود عيان ومسؤولين قالوا إن الهجمات الأخيرة نُفذت أساساً باستخدام طائرات مسيرة، وهي غير خاضعة لهذه القيود. كما يستطيع الحلف استخدام أنظمة جوية وبحرية ذاتية التشغيل.
وقال دبلوماسيون إن الخيارات المتاحة أمام الناتو تشمل تعزيز المراقبة والاستطلاع في البحر الأسود وفوقه، للمساعدة في إحباط الهجمات وتحديد المسؤولين عنها سريعاً عند وقوعها، وإجراء مزيد من التدريبات العسكرية في المنطقة لتعزيز حضور الحلف وتحسين الوعي بالوضع الميداني، فضلاً عن استخدام مزيد من الأنظمة غير المأهولة لحماية حركة الملاحة التجارية.
وتشمل الخيارات الأخرى فرض عقوبات جديدة، وطرد دبلوماسيين روس، أو إغلاق مزيد من السفارات والقنصليات الروسية في أوروبا، واعتراض مزيد من السفن التابعة لما يُعرف بـ "أسطول الظل" الروسي وتفتيشها.
كما تظل العمليات السرية، مثل الأنشطة الاستخباراتية أو الهجمات الإلكترونية التي تستهدف البنية التحتية الروسية الحيوية، خياراً مطروحاً، لكنها أكثر صعوبة وتتطلب إرادة سياسية أكبر.
رد يحقق "أثراً ملموساً"
يرى مسؤولون وخبراء لديهم خبرة في التعامل مع روسيا لـ"وول ستريت جورنال"، أن أي خطوات يتخذها الحلف يجب أن تُحدث تأثيراً واضحاً.
وقالت لورا كوبر، المسؤولة السابقة البارزة في وزارة الحرب الأميركية التي أشرفت على سياسات روسيا وأوكرانيا، وتعمل حالياً في جامعة جورجتاون: "يجب أن تكون هذه الإجراءات قادرة فعلياً على ردع روسيا، وهذا سيتطلب إلحاق قدر كافٍ من الضرر بها لوقف هذه الهجمات الهجينة". وأضافت: "لم نصل إلى هذه المرحلة بعد".
وحذّر بعض المحللين من أن "عدم التصدي للجرأة الروسية قد يشجع موسكو على اختبار حدود جديدة للتصعيد".
فقد كان القمر الاصطناعي الروسي "كوزموس 2612"، الخميس، على مسار يقترب من قمر اصطناعي مسجل في الولايات المتحدة، ينقل معلومات حساسة لدعم الجهود الحربية الأوكرانية، وفقاً لبيانات أقمار اصطناعية تجارية.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن باحثين في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مركز أبحاث في واشنطن، أن ذلك "أثار احتمال أن تستهدف موسكو أقماراً اصطناعية تجارية، وأن تنقل حملة التخريب التي تشنها ضد الغرب، للمرة الأولى، إلى الفضاء".












