
تسابق قوات حلف الناتو الزمن لتحديث أساليبها القتالية في دول البلطيق، مستفيدة من دروس الحرب في أوكرانيا، حيث أعادت الطائرات المُسيرة رسم ملامح المعارك الحديثة وفرضت تحديات جديدة على الجيوش التقليدية، وفق "وول ستريت جورنال".
وكان جنود دنماركيون وإسبان قد شاركوا هذا الشهر في مناورة نفذها لواء تابع للناتو منتشر في لاتفيا. وتهدف المناورة، وهي واحدة من عدة مناورات تُجرى في دول البلطيق هذا العام، إلى إعداد اللواء التابع للناتو في لاتفيا، والذي تقوده كندا، لمواجهة احتمال أن يتصاعد التهديد الروسي المتزايد للدول الأوروبية إلى "حرب شاملة".
وشملت المناورة تطبيق دروس مستخلصة من كيفية تحول طبيعة الحرب بفعل ثورة الطائرات المُسيرة في ساحات القتال بأوكرانيا، وإن كانت النتائج حتى الآن متفاوتة.
وقال قائد لواء الناتو، العقيد الكندي، ديفيد براسار، للصحيفة الأميركية: "لم نعد نتدرب فحسب، بل نجري تدريبات على تنفيذ المهام. هذا تغير جوهري في طريقة التفكير".
وأوضح أن نحو 35% من إجمالي القوات البرية الكندية مخصصة لمهام في لاتفيا. وتقود ألمانيا وحدات مماثلة تابعة للناتو، إذ تعمل على نشر لواء بشكل دائم في ليتوانيا، بينما تقود بريطانيا مجموعة قتالية في إستونيا.
تقييمات استخباراتية
وقال الرئيس اللاتفي، إدجارس رينكيفيتش، للصحيفة، إنه يتلقى "تقييمات استخباراتية بشأن تصعيد روسي وشيك، وإن كان لا يزال في الوقت الراهن دون عتبة الغزو العسكري المباشر الذي من شأنه تفعيل التزامات الناتو بموجب المادة الخامسة بشأن الدفاع المشترك".
وحذر رينكيفيتش من أن الحرب ضد أوكرانيا التي بدأت عام 2022 جعلت الجيش الروسي أقوى وليس أضعف، مشيراً إلى أن ذلك التهديد قد يختفي أحياناً خلف الإخفاقات الروسية في تحقيق تقدم كبير على الأرض في أوكرانيا.
وقال رينكيفيتش: "قد لا يكون الاقتصاد الروسي في حالة جيدة كما كان من قبل، لكن الجيش الروسي أصبح أكثر خطورة مما كان عليه قبل أربعة أعوام ونصف، وعلينا أن نأخذ ذلك في الحسبان".
وأضاف: "سواء أحببنا ذلك أم لا، فهذا جيش يمتلك الآن خبرة قتالية، كما أظهر مرونة وقدرة كبيرة على التكيف مع أساليب الحرب الجديدة".
وقال براسار إن طائرات مُسيرة مجهولة، ربما تكون روسية وربما يشغلها مدنيون محليون، شوهدت وهي تحلق فوق المنطقة خلال المناورة. وكانت دول البلطيق قد تعرضت بالفعل لهجمات هجينة.
التدريب على معارك المسيرات
واستثمر الجنود الدنماركيون، المنتمون إلى فوج الحرس الملكي، وقتاً طويلاً في مشاهدة مقاطع مصورة لطائرات مُسيرة من قنوات التواصل الاجتماعي الروسية والأوكرانية.
واكتسب جميع أفراد السرية تقريباً، وعددهم نحو 150 جندياً، مهارات أولية على الأقل في قيادة الطائرات المُسيرة، فيما قال قائد السرية، وهو محارب سابق في الحرب بأفغانستان، إنه زار عدة وحدات داخل أوكرانيا خلال الحرب.
لكنه أشار إلى أن وحدته نفسها لا تزال بعيدة عن إتقان محاكاة أسلوب الحرب الروسي والأوكراني، الذي تأتي نحو 90% من الخسائر فيه من الطائرات المُسيرة، فيما أصبحت أجزاء كبيرة من العقيدة العسكرية التقليدية بالية.
وكان نحو 90% من الطائرات المُسيرة التي استخدمتها القوة الدنماركية في المناورة مخصصة للمراقبة وجمع المعلومات الاستخباراتية، بينما استخدمت أعداد قليلة منها كأسلحة.
وقال القائد إن الدنماركيين، رغم كل تركيزهم على الاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا، لا يمتلكون سوى عدد محدود من الطائرات المُسيرة، وإن المزيد منها سيكون متاحاً في حال اندلاع صراع.
وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى عدم احتواء دبابتين ليوبارد كنديتين شاركتا في المناورة على أي شباك أو وسائل حماية من الطائرات المُسيرة التي أصبحت ضرورية في الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
وقال أفراد طاقمي الدبابتين إنهم بدأوا للتو في تعلم أساليب الحرب بالطائرات المُسيرة. وعندما سُئل أحد الجنود عن وسائل الدفاع التي يمتلكها ضد الطائرات المُسيرة، قال إنه من المقرر أن يحصل قريباً على بندقية صيد. ولم تكن الدبابتان مزودتين بأي تكنولوجيا لرصد الطائرات المُسيرة.
وفي بطارية المدفعية الكندية المشاركة في المناورة، قال القائد إن قواته أبعدت مدافع الهاوتزر M777 المقطورة عن بعضها بمسافة 12 كيلومتراً، وهي مسافة أكبر بكثير من المعتاد، للحد من احتمالات رصدها بالطائرات المُسيرة.
كما كانت القوات تحفر لها مواقع في الأرض بعمق يصل إلى 3 أمتار، لتعزيز قدرتها على البقاء بمجرد اكتشافها.
دروس حرب أوكرانيا
وقال الرائد الكندي، الذي خدم مستشاراً في أوكرانيا قبل عام 2022، إن جنوده يشاهدون باستمرار مقاطع مصورة للحرب ويقترحون حلولاً وتقنيات جديدة.
وضحك يوريس يوراشس، الذي كان عضواً في البرلمان اللاتفي قبل أن ينضم إلى الجيش الأوكراني قائداً لسرية استطلاع عام 2022، عندما سمع عن المناورة.
وقال إن مدافع الهاوتزر المقطورة، مثل M777، نادراً ما تُستخدم في أوكرانيا في الوقت الحالي، لأنها تتعرض عادة للاستهداف بالطائرات المُسيرة فور إطلاقها، ولن يفيدها أي قدر من الحفر.
وأضاف أن الدبابات اختفت تقريباً من الخطوط الأمامية. وعادة ما تكون الدبابات التي تحاول العمل هناك محاطة بعدة طبقات من وسائل الحماية من الطائرات المُسيرة.
وقال يوراشس: "أصبحت الدبابة في ساحة المعركة أشبه بكعكة حلوى، إذ سيتنافس جنود الطائرات المُسيرة على من يحصل أولاً على حق ضربها". وأضاف: "جيوش الناتو ليست مستعدة لهذا النوع من الحرب الحديثة. لقد سمعوا عن الحرب في أوكرانيا عبر التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم لا يدركون إلى أي حد تغير كل شيء".
وقال براسار إن المزيد من الطائرات المُسيرة والتقنيات الحديثة الأخرى في طريقها إلى الوصول، وإن لواء الناتو في لاتفيا يتكيف من خلال التدرب على كيفية تغطية الطرق بشباك مضادة للطائرات المُسيرة، وكيفية إنشاء مقار محصنة.
وأضاف أن القوات الأوكرانية لا تتدرب مع قواته، لكنها تعمل مع الجيش اللاتفي وألوية الحرس الوطني.
وقال: "هل وصلنا إلى المستوى الذي يفترض أن نكون عليه؟ ليس بنسبة 100%. لكن التهديد الموجود عبر الحدود في الوقت الحالي يمنحنا بعض الوقت للوصول إلى سرعة التشغيل المطلوبة".
وقال الرئيس اللاتفي رينكيفيتش، إنه حث بالفعل قادة دول الناتو الآخرين على تسريع التغيير في الخطط والعقيدة العسكرية. وأضاف: "يحتاج الناتو إلى أن يكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف بكثير، سواء على مستوى القوات الوطنية أو في التخطيط الدفاعي للتحالف بأكمله".












