
تسعى الولايات المتحدة إلى حشد حلفائها في حلف شمال الأطلسي "الناتو" خلف حملة تهدف إلى "تفكيك" المحكمة الجنائية الدولية بصورة منهجية، في خطوة من شأنها زيادة حدة التوتر القائم في العلاقات عبر ضفتي الأطلسي.
وخلال اجتماع مغلق لسفراء الدول الأعضاء الـ32 في الناتو، عُقد في بروكسل في منتصف يوليو، طلب المبعوث الأميركي لدى الحلف، ماثيو ويتكر، من الدول الأعضاء، المساعدة في تفكيك المحكمة، حسبما ذكر ثلاثة دبلوماسيين في الحلف لمجلة "بوليتيكو".
وأفاد الدبلوماسيون، الذين طلبوا عدم كشف هوياتهم، بأن ويتكر حثّ الدول الأعضاء على الانسحاب من نظام روما الأساسي، الوثيقة المؤسسة للمحكمة، وقال في ختام مداخلته: "سنراقب عن كثب من يقف إلى جانب أميركا".
ويأتي الضغط الأميركي لدفع الحلفاء إلى الانسحاب من المحكمة وسط مخاوف في واشنطن من احتمال ملاحقة مسؤولين أميركيين بتهم ارتكاب "جرائم حرب"، وفي إطار حملة أوسع تشنها إدارة الرئيس دونالد ترمب ضد مؤسسات وقواعد دولية ترى الإدارة أنها قد تقيد هامش تحرك الولايات المتحدة.
وبالتزامن مع تصريحات ويتكر، وزعت البعثة الأميركية لدى الناتو وثيقة على وفود الدول الأعضاء، جاء فيها أن الولايات المتحدة "ستفكك بصورة منهجية قدرات المحكمة الجنائية الدولية"، وطالبت الدول الحليفة بـ"اتخاذ خطوات فورية للانسحاب" منها، بحسب تفاصيل الوثيقة التي اطلعت عليها "بوليتيكو".
كما دعت واشنطن حلفاءها إلى "دراسة التهديد" الذي تمثله المحكمة لدولهم، و"إدانة تجاوزاتها علناً"، ووقف أي دعم مادي لها "فوراً"، قائلةً: "لننهِ خدعة المحكمة الجنائية الدولية مرة واحدة وإلى الأبد".
ولا يُعد حلف الناتو طرفاً في نظام روما الأساسي، الذي شكل المحكمة، لكن جميع دول الحلف تقريباً أعضاء في المحكمة، باستثناء الولايات المتحدة وتركيا.
روبيو يقود الجهود الأميركية
وبدأت الحملة الأميركية ضد المحكمة هذا الصيف بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي اتهمها بـ"انتهاك سيادة" الولايات المتحدة.
وقال روبيو، في يوليو الماضي، إن "المحكمة الجنائية الدولية وأصدقاءها يشنون حرباً على بلدنا، ليس بالرصاص أو الصواريخ، وإنما بالقوانين والاتفاقات وقوة ما يُسمى بالقانون الدولي"، مضيفاً أن الولايات المتحدة ستُظهر "المعنى الكامل للعزم الأميركي" إذا حاولت المحكمة الانتقاص من سيادتها.
وتأسست المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002، لمحاكمة المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية، ومنها الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وفتحت المحكمة في عام 2020 تحقيقاً في مزاعم بارتكاب جنود أميركيين "جرائم حرب" في أفغانستان، قبل أن تخفض أولوية التحقيق في العام التالي.
ومنذ ذلك الحين، واجهت المحكمة دعوات إلى التحقيق في هجمات أميركية استهدفت قوارب في البحر الكاريبي في إطار مكافحة المخدرات.
توترات الناتو
تأتي الحملة الأميركية في مرحلة حساسة بالنسبة إلى الناتو، الذي يواجه بالفعل خلافات بشأن السياسات الخارجية لإدارة ترمب.
وتصاعدت التوترات بعدما رفضت دول أوروبية عدة الانضمام إلى حرب إيران، ما أثار غضب ترمب. كما اقترب الحلف، في وقت سابق، من أزمة حادة بسبب تهديدات ترمب بضم جرينلاند، وهي إقليم يتمتع بحكم ذاتي ويتبع الدنمارك، العضو في الناتو.
ونجح الحلف، خلال قمته السنوية التي عُقدت في أنقرة في يوليو الماضي، في احتواء الخلافات إلى حد كبير، لكن مطالبة الدول الأعضاء بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية أعادت إشعال التوتر بعد أيام فقط.
ووصف أحد دبلوماسيي الناتو تصريحات ويتكر بأنها "صادمة للغاية"، فيما قال دبلوماسي ثانٍ، إنها كانت "مخيبة للآمال". وفي أعقاب مداخلته، دافعت فرنسا وهولندا عن المحكمة، وأبدتا معارضتهما للمطلب الأميركي، وفقاً للدبلوماسيين.
في المقابل، رفضت البعثة الأميركية لدى الناتو التعليق، بينما أكدت البعثة الفرنسية "دعم فرنسا الثابت للمحكمة الجنائية الدولية". وأشارت البعثة الهولندية إلى تصريحات وزير خارجية البلاد توم بيرندسن، الذي قال إن هولندا تدعم المحكمة "بالكامل".
وقال دبلوماسيان إن مبعوثين أميركيين أثاروا كذلك قضية المحكمة خلال محادثات ثنائية مع دول أوروبية.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية هددت بفرض "تدقيق متزايد" على الدول التي لا ترفض ما وصفته بـ"السلطة الزائفة" للمحكمة، في وقت تعتمد فيه على المساعدة الأميركية.
وفي الشهر الماضي، فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين بارزين في المحكمة، بينهم رئيستها اليابانية توموكو أكاني.
المحكمة تتعهد بمواصلة عملها
في المقابل، قالت متحدثة باسم المحكمة الجنائية الدولية إن المحكمة "تواصل التركيز على تنفيذ ولايتها بصورة محايدة ومستقلة، ووفقاً لنظام روما الأساسي، نيابةً عن الضحايا ولمصلحة العدالة"، مضيفةً أنها ستظل "ثابتة وقادرة على الصمود" في مواجهة المحاولات الرامية إلى عرقلة عملها.
وتأتي الحملة الأميركية في إطار إعادة صياغة أوسع لعلاقة واشنطن بالناتو تحت شعار "الناتو 3.0"، إذ تسعى إدارة ترمب إلى دفع أوروبا وكندا إلى تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعهما، بالتزامن مع إعادة النظر في حجم المساهمة الأميركية التاريخية في قدرات الحلف وإنفاقه.
وكانت واشنطن أرسلت، الشهر الماضي، استبياناً إلى دول الناتو، طلبت فيه توضيح مواقفها من السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك سياستها في الشرق الأوسط، وهو ما اعتبره بعض المسؤولين محاولة للضغط على الحلفاء لمواءمة سياساتهم مع واشنطن مقابل استمرار الحماية الأميركية.
ومع ذلك، استبعد دبلوماسيان في الناتو أن تكون واشنطن قد سعت، من خلال مطلبها بشأن المحكمة، إلى إجبار الحلفاء على الاصطفاف معها بالطريقة نفسها، نظراً إلى أن القضية أثيرت على هامش اجتماع مخصص أساساً لملفات أخرى.
لكن الدبلوماسيين أقرّا بأن طرح القضية داخل الناتو أكثر حساسية من إثارتها في محافل دبلوماسية أخرى، بسبب الدور القيادي الفعلي الذي تؤديه الولايات المتحدة داخل الحلف.












