ماذا وراء قرار الجزائر إرسال قوات إلى النيجر؟ | الشرق للأخبار
خاص

أمن الحدود ومصالح الطاقة.. ماذا وراء قرار الجزائر إرسال قوات إلى النيجر؟

مقاتلات جزائرية تصل إلى مطار نيامي، 30 أغسطس 2026. - anp.ne
مقاتلات جزائرية تصل إلى مطار نيامي، 30 أغسطس 2026. - anp.ne

صادق البرلمان الجزائري بغرفتيه، المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة، الأحد، على طلب الرئيس عبد المجيد تبون إرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر، بهدف حماية المصالح الاستراتيجية للبلاد، وتأمين المشاريع الاستثمارية لشركة "سوناطراك" الحكومية، وذلك استجابة لطلب من السلطات النيجرية.

وجاءت الموافقة خلال جلستين استثنائيتين مغلقتين، عقدتا بعيداً عن وسائل الإعلام، وقدم خلالهما وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، ممثلاً للرئيس تبون، عرضاً بشأن مبررات القرار وأهدافه.

وتعد الخطوة تطوراً استثنائياً في مسار التعاون الأمني بين الجزائر ونيامي، إذ تهدف إلى تعزيز أمن الحدود المشتركة وتأمين مشاريع الطاقة التابعة لشركة "سوناطراك"، التي تنفذ أعمالاً للتنقيب عن النفط شمال النيجر.

ويأتي التصويت بعد أيام من زيارة أجراها وزير الدفاع النيجري، الفريق أول ساليفو مودي، إلى الجزائر، الأربعاء الماضي، استقبله خلالها تبون، كما التقى رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، للمرة الثانية في غضون أسبوع.

ووقع الجانبان خلال الزيارة بروتوكول اتفاق للتعاون العسكري، لم تكشف تفاصيله.

وذكرت وزارة الدفاع الجزائرية أن شنقريحة أبدى استعداد الجيش لدراسة أي مقترح تتقدم به النيجر لتعزيز التعاون العسكري والأمني.

كما أشاد الوزير النيجري بمستوى التنسيق بين جيشي البلدين، وذلك خلال مباحثات حضرها كبار قادة الجيش ومسؤولون في وزارة الدفاع وهيئة الأركان، إلى جانب أعضاء الوفد النيجري.

أساس دستوري

وتستند الموافقة البرلمانية على إرسال وحدات عسكرية إلى خارج البلاد إلى أحكام أقرها الدستور الجزائري في تعديله لعام 2020، الذي يحدد شروط إرسال قوات إلى الخارج، مع التأكيد على المبادئ السلمية التي تحكم السياسة الخارجية للجزائر.

وتعد هذه الخطوة من الحالات النادرة التي توافق فيها الجزائر على نشر وحدات عسكرية خارج أراضيها منذ مشاركتها بقوات في دعم مصر خلال حرب عام 1973، وإن كانت قد أرسلت طائرات مقاتلة إلى النيجر في أغسطس الماضي.

وفقاً للدستور الجزائري المعدل عام 2020، تحدد المادة 30 المهام الأساسية للجيش الجزائري، وفي مقدمتها المحافظة على الاستقلال الوطني، والدفاع عن السيادة الوطنية ووحدة البلاد وسلامتها الترابية، فضلاً عن حماية المصالح الحيوية والاستراتيجية للجزائر، طبقاً لأحكام الدستور.

وتحدد الفقرة الثانية من المادة 91 الإجراءات الدستورية المتعلقة بإرسال وحدات من الجيش إلى الخارج، إذ تنص على أن رئيس الجمهورية يقرر ذلك بعد موافقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتيه.

أما المادة 31، فتؤكد امتناع الجزائر عن اللجوء إلى الحرب للمساس بالسيادة المشروعة للشعوب الأخرى وحريتها، وتمسكها بتسوية الخلافات الدولية بالوسائل السلمية، مع إتاحة المشاركة في حفظ السلم في إطار احترام مبادئ الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية وأهدافها.

مشروع "كافرا"

وقال بلقاسم بلغويتي، عضو مجلس الأمة الجزائري، إن قرار إرسال قوة عسكرية إلى النيجر يعود أساساً إلى تبون، ويرتبط بأمن الجزائر وحماية حدودها.

وذكر بلغويتي أن القرار يهدف أيضاً إلى "حماية المصالح الاقتصادية الجزائرية في النيجر، والمشاريع المشتركة التي بدأ تنفيذها مؤخراً بين حكومتي البلدين".

وأردف: "نأمل أن يسهم هذا القرار في تعزيز الأمن الاستراتيجي للجزائر، في إطار مقاربة تقوم على حماية الحدود والمصالح الوطنية، وتعزيز الشراكة والتعاون مع دول الجوار، وفي مقدمتها النيجر".

وفي أغسطس الماضي، أطلقت الجزائر والنيجر مرحلة جديدة من مشروع "كافرا" النفطي شمال النيجر، بوضع حجر الأساس لبرنامج حفر 4 آبار استكشافية تنفذه المؤسسة الوطنية للحفر "إنافور"، التابعة لشركة "سوناطراك".

ويهدف البرنامج إلى استكمال البيانات الجيولوجية وتحديد خصائص المكامن النفطية والتأكد من إنتاجيتها، تمهيداً لتقييم الجدوى الاقتصادية لأي عمليات تطوير مستقبلية.

ويقع حقل "كافرا" في منطقة أغاديز، بين إدارتي إيفيروان وبيلما، على بعد نحو 85 كيلومتراً من الحدود الجزائرية.

وتمتد رخصة الاستكشاف على مساحة تقارب 23 ألفاً و737 كيلومتراً مربعاً، ما يمنحه أهمية استراتيجية في سياق تطوير الموارد النفطية بشمال النيجر، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وتعود أنشطة "سوناطراك" في المنطقة إلى عام 2005، إذ أجرت الشركة، عبر فرعها "سيباكس"، عمليات مسح زلزالي شملت نحو 2200 كيلومتر من المسح ثنائي الأبعاد، و760 كيلومتراً مربعاً من المسح ثلاثي الأبعاد.

كما حفرت الشركة بئرين استكشافيتين في عامي 2018 و2019، أسهمتا في الكشف عن مكامن نفطية تستدعي مواصلة عمليات التقييم.

ويعد مشروع "كافرا" أحد محاور التعاون في قطاع الطاقة بين الجزائر والنيجر، إلى جانب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر، ويستهدف نقل الغاز إلى الأسواق الأوروبية.

وتراهن الجزائر على المشروع لتعزيز قدراتها في نقل الغاز الطبيعي وتوسيع استثماراتها في القطاع، بما يدعم أمن الطاقة في الجزائر وأوروبا.

ويستهدف مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء نقل نحو 20 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً في مرحلته الأولى، مع إمكانية رفع الكميات إلى 30 مليار متر مكعب لاحقاً.

رؤية ثلاثية الأبعاد

ويرى الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية أحمد ميزاب، في حديث لـ"الشرق"، أن "مقاربة الجزائر لتحقيق الاستقرار لم تعد تقوم على منظور أمني أو سياسي فحسب، بل تستند إلى رؤية متكاملة ثلاثية الأبعاد، تجمع بين الجوانب السياسية والتنموية والأمنية".

وأشار ميزاب إلى أن الجزائر انخرطت، في إطار هذه المقاربة، في سلسلة من المشاريع التنموية الحيوية والاستراتيجية بمنطقة الساحل، بما فيها النيجر، تشمل قطاع الطاقة وتطوير البنية التحتية الكهربائية، إلى جانب مشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر.

وأضاف أن هذه المشاريع "تكتسب أهمية متزايدة في ظل التحديات الدولية المرتبطة بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد"، وما تفرضه من ضرورة تنويع مصادر الطاقة وتأمين مسارات نقلها.

واعتبر ميزاب أن حماية هذه المشاريع الحيوية وتأمين محيطها الإقليمي يمثلان "عاملين مهمين" لضمان استمراريتها وتحقيق أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية، بما يعزز فرص التنمية ويدعم الاستقرار في المنطقة.

وبشأن ما إذا كانت الخطوة تمثل تغييراً في العقيدة الدفاعية الجزائرية، قال ميزاب إنه "لا يمكن الحديث عن تحول في هذه العقيدة، بقدر ما يتعلق الأمر بتكييفها مع المتطلبات والتحديات التي تشهدها المنطقة".

ويرى أن الأمن الوطني لم يعد مرتبطاً بأمن الحدود فحسب، بل أصبح يتصل أيضاً بأمن المجال الإقليمي لدول الجوار.

وتابع: "الجزائر اعتمدت، انطلاقاً من هذه القناعة، مقاربة ذات أبعاد دستورية ومؤسساتية، تستند إلى اعتبارات أمنية وتستجيب لمتطلبات المرحلة".

ولفت إلى أن الأهم في هذه الخطوة أنها جاءت استجابة لطلب من النيجر، وفي إطار تفعيل اتفاقية التعاون بين البلدين، فضلاً عن دعم دول الجوار وتجسيد مبدأ "حل الأزمات الإفريقية بأيد إفريقية"، الذي تتبناه دول القارة والاتحاد الإفريقي.

واعتبر أن إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر "يخضع لضوابط وقواعد محددة"، و"لا يعني تحولاً في طبيعة العقيدة الدفاعية الجزائرية أو تخلي البلاد عن الثوابت التي تضبط سياستها الخارجية".

وذكر أن هذه الضوابط تشمل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها ووحدة أراضيها، بما يعكس تمسك الجزائر بالمرتكزات الأساسية لسياستها الدفاعية والخارجية.

دعم عسكري سابق

وفي نهاية أغسطس الماضي، أرسلت الجزائر دوريتين من المقاتلات من طراز "سوخوي سو-30"، تضمان 4 طائرات، في مهمة لدعم الجيش النيجري عقب أحداث شهدتها العاصمة نيامي، ووصفتها السلطات بأنها محاولة لزعزعة استقرار البلاد.

وفي مطلع أكتوبر، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن بلاده أرسلت طائرات مقاتلة إلى النيجر أواخر أغسطس، رداً على "محاولة انقلابية" شهدتها العاصمة نيامي آنذاك.

وقال تبون إن إرسال الطائرات جاء بعدما "تمادى" البعض، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء النيجري محمد الأمين زين كان في زيارة إلى الجزائر، وعاد ليلاً إلى بلاده قبل وقوع المحاولة الانقلابية.

تصنيفات

قصص قد تهمك