
في خطوة تثير تساؤلات بشأن طبيعة الدور الإقليمي الذي تسعى الجزائر للاضطلاع به في منطقة الساحل الغربي الأفريقي، أرسلت الجزائر 4 مقاتلات وطائرة عسكرية للتزود بالوقود جواً إلى النيجر، في تحرك عسكري نادر خارج حدودها، وذلك بعد إحباط تمرد شهدته العاصمة نيامي، وسط مؤشرات على انتقالها من حماية حدودها إلى مواجهة التهديدات الأمنية قبل وصولها إلى أراضيها.
واعتبر سياسيون وخبراء جزائريون، في حديثهم لـ"الشرق"، أن التحرك النادر خارج الحدود يعكس توجهاً دفاعياً أكثر استباقية لحماية الأمن القومي الجزائري ومسارات التعاون الاقتصادي والمشروعات المشتركة مع النيجر.
وجاءت الخطوة الجزائرية وسط مخاوف من تداعيات أمنية خطيرة محتملة جرّاء تفاقم حالة عدم الاستقرار في النيجر، التي تشترك مع الجزائر في حدود برية تمتد لنحو 1000 كيلومتر، بعدما شن جنود متمردون هجوماً على قاعدة جوية عسكرية رئيسية بمطار نيامي واستهدفوا القصر الرئاسي، السبت، قبل أن يستعيد الجيش السيطرة على الوضع.
وكانت وزارة الدفاع الجزائرية، قد أرسلت الأحد، دوريتين من الطائرات القتالية من طراز Su-30، بإجمالي 4 طائرات، دعماً للجيش النيجري في مواجهة محاولة زعزعة الاستقرار، برفقة طائرة للتزود بالوقود جواً، هبطت صباح الأحد في مطار العاصمة نيامي.
وقالت وزارة الدفاع إن المهمة تأتي "دعماً للجيش النيجري لمواجهة محاولة زعزعة الاستقرار"، معتبرة أن العملية تؤكد مجدداً "التزام الجزائر الثابت وعزمها على مواصلة جهودها من أجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة"، وتجدد دعمها لدولة النيجر حكومة وشعباً لتجاوز "هذا الظرف الحساس".
وجاء في بيان جديد صادر عن الرئاسة الجزائرية، الاثنين، عقب الأحداث في نيامي، موقف الجزائر الداعم للاستقرار في النيجر أمنياً وسياسياً وتنموياً.
وأفاد البيان بأن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أجرى مكالمة مع رئيس النيجر عبد الرحمن تشياني، جرى خلالها التأكيد على أن الأوضاع في النيجر تحت السيطرة التامة، وذكر البيان أن الرئيسين بحثا جملة من المشروعات المشتركة التي تمثل دافعاً للتنمية.
دفاع متقدم
يرى الخبير في العلاقات الجيوسياسية والأمنية، أحمد ميزاب، أن التحرك الجزائري الأخير يعكس تحولاً في النهج الدفاعي من مفهوم الدفاع داخل الحدود إلى مفهوم الدفاع المتقدم واستباق التهديدات المحيطة بها.
واعتبر ميزاب، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن "الجزائر أصبحت أكثر استعداداً لاستخدام أدواتها العسكرية في محيطها الإقليمي عندما تتوفر شروط محددة، وضمن علاقات التعاون بين الدول لبناء قدراتها الدفاعية وإسنادها".
ويعتقد ميزاب أن تعدد التهديدات في منطقة الساحل، من جماعات مسلحة وتهريب وجريمة منظمة وتدخلات خارجية، يجعل حماية الأمن الجزائري مرتبطة بقدرة الدولة على التعامل مع مصادر الخطر قبل وصولها إلى الحدود.
وأسست الجزائر لهذه المقاربة من خلال إقرار تعديلات دستورية في عام 2020 تسمح للجيش الجزائري بالقيام بعمليات خارج البلاد.
ويضع الدستور الجزائري إطاراً واضحاً لأي انتشار عسكري خارج الحدود، إذ يشترط موافقة ثلثي غرفتي البرلمان، ويقصر مهام الجيش على المشاركة في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، أو مساعدة دول الجوار والدول الصديقة في مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار.
من جانبه، قال عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة الجزائري، الحاج بلغوثي، لـ"الشرق"، إن الخطوة تأتي في إطار علاقات حسن الجوار ودعم الدول المجاورة.
وأضاف أن ذلك يأتي أيضاً في إطار الحفاظ على الأمن القومي ومكافحة الإرهاب والتصدي للمجموعات الإرهابية والجريمة المنظمة العابرة للحدود والمخدرات والاتجار بالأسلحة بمختلف أنواعها.
وأشار إلى أن تحرك الجزائر جاء "من أجل حماية أمن المنطقة من التدخلات التي تهدف إلى نشر الفوضى، ولضمان كسر محاولات التشويش على الاستثمارات الجزائرية في القارة الإفريقية".
"تكييف للأدوات لا تغيير للعقيدة"
وفي معرض شرحه للموقف الجزائري، يرى ميزاب أن مهمة الدعم للجيش النيجري لا تمثل تحولاً في "العقيدة الدفاعية الجزائرية المبنية على مبدأ عدم التدخل العسكري"، بقدر ما هي "تكييف لأدوات تنفيذها"، معتبراً أن الجزائر لم تتخل عن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ولم تتحول إلى دولة تبحث عن الانتشار العسكري خارج حدودها.
وأضاف أن التحرك الجزائري يعكس مستوى متقدماً من التعاون العسكري الجزائري النيجري، إذ لم يكتفِ البلدان بالدعم السياسي أو التعاون العسكري التقليدي، بل انتقلا إلى إسناد جوي استجابة لطلب النيجر.
وتندرج الخطوة الجزائرية ضمن مسار من التعاون الاستراتيجي والعسكري بين البلدين، فقد سبق للجيش الجزائري تقديم دعم عسكري للنيجر خلال شهر أغسطس، تمثل في 4 مروحيات MI-24V وMI-171 وتجهيزات عسكرية شملت قطع غيار وعتاداً وصيانة ودعماً لوجستياً.
وأوضح ميزاب أن الجزائر تنظر إلى استقرار النيجر باعتباره جزءاً من منظومة أمنها الإقليمي، مشيراً إلى أن الحدود الجنوبية في الجزائر لا يمكن عزلها عن البيئة الأمنية في الساحل، وحذر من أن تداعيات الاضطراب يمكن أن تصل إلى الحدود الجزائرية في شكل "إرهاب وتهريب للسلاح وجريمة منظمة وشبكات عابرة للحدود".
"الهندسة الأمنية"
بدوره، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر، توفيق بوقعدة، إن إرسال طائرات مقاتلة إلى النيجر يبعث برسالة مفادها أن "الجزائر لم تعد دولة مراقبة لما يحدث في منطقة الساحل"، وأنها تسعى لأن تكون جزءاً من الهندسة الأمنية للمنطقة والمساهمة في استقرارها.
وأضاف بوقعدة لـ"الشرق"، أن الخطوة "ليست لخوض عمليات عسكرية هجومية، على اعتبار أن النيجر خط دفاع أول للأمن القومي الجزائري".
ولفت بوقعدة إلى أن الرسالة الثانية موجهة إلى القوى الخارجية الموجودة في المنطقة، ومفادها أن الجزائر لن تسمح بأي عمل يضع استقرار المنطقة على المحك.
أبعاد اقتصادية
لم يأتِ التعاون العسكري الجزائري النيجري بمعزل عن مسار أوسع من التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين، مدفوعاً بمشاريع طموحة في قطاعات الكهرباء وإنتاج المحروقات وتسويقها، وفي مجال الربط بالسكك الحديدية.
ويرى بوقعدة أن الحضور الاقتصادي في النيجر يأتي ضمن مقاربة جزائرية ترتكز في جوهرها على دعم التنمية، باعتبارها عاملاً أساسياً للأمن والاستقرار، مشيراً إلى أن "التحرك الأمني الجزائري يأتي من أجل تحصين المصالح والمشروعات الاقتصادية التي باشرها البلدان، بما فيها مشاريع الطاقة التي يُعوَّل عليها لدعم تنمية المنطقة وأمنها".
في مقدمة هذه المشروعات، يأتي مشروع حقل كفرة النفطي شمال النيجر، وهو أحد الحقول الواعدة، حيث تنفذ شركة "سوناطراك" النفطية والغازية الحكومية الجزائرية مشاريع حفر آبار استكشافية بالشراكة مع "سونيداب"، الشركة الوطنية للنفط في النيجر.
وتشمل المشروعات أيضاً مشروع تطوير الرقعة النفطية "بيلما"، الواقعة بمنطقة ديفا، والتي يجري بلورة مخطط تطويرها، ويتوقع أن يبلغ إنتاجه أكثر من 20 ألف برميل يومياً على مدار العقدين المقبلين، وفقاً لما نشرته وزارة المحروقات الجزائرية بالاستناد إلى نتائج دراسة تطويره.
وتغطي أوجه التعاون التي تجري دراستها، إمكانية تزويد النيجر بوقود الطائرات ومختلف أنواع المحروقات.
ربط الجزائر بنيجيريا
ويمتد التعاون بين البلدين إلى مشروع ربط الجزائر ونيجيريا، واتفاقيات لإنجاز مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يعد مبادرة قارية تهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا إلى الجزائر مروراً بالنيجر، بهدف تصدير ما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً نحو الأسواق الأوروبية.
وأعيد تحريك هذه المشروعات ضمن مساعي تخفيف التوتر في المنطقة عبر التعاون الأمني والاقتصادي، خلال زيارة رئيس النيجر عبد الرحمن تشياني إلى الجزائر منتصف شهر فبراير الماضي.
وأنهت الزيارة مرحلة من البرود والتوتر في العلاقات بين البلدين، عقب رفض الجزائر الانقلاب الذي وقع عام 2023 في النيجر وعزل الرئيس السابق محمد بازوم بطرق غير دستورية، إضافة إلى حادثة إسقاط طائرة مسيرة مالية اخترقت المجال الجوي الجزائري في أبريل 2025، حين قررت النيجر ومالي وبوركينا فاسو سحب سفرائها من الجزائر تضامناً مع باماكو.










