
يهدد استياء مزارعي فول الصويا في الولايات المتحدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب والحزب الجمهوري بخسارة ولايات ظلت تاريخياً وفية للجمهوريين، من بينها أيوا ونبراسكا وأوهايو، إضافة إلى كانساس، التي لم تنتخب أي ديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ منذ نحو قرن.
حين شق الرئيس دونالد ترمب طريقه إلى البيت الأبيض للمرة الأولى عام 2016، كان المزارعون والريف الأميركي في صلب القاعدة الانتخابية التي حملته بأصواتها إلى المكتب البيضاوي.
غير أن تداعيات سياسات إدارته في ولايته الثانية، وما رافقها من ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وتقييد صادرات فول الصويا إلى أسواق تقليدية مثل الصين، باتت تختبر هذا الولاء وتهدد بحدوث انشقاقات داخل هذه القاعدة، ما يمنح الديمقراطيين فرصة لتحقيق "معجزة انتخابية" في انتخابات التجديد النصفي هذا العام.
ومنذ فوز ترمب بسهولة في المناطق الزراعية عام 2024، تبدلت مواقف كثير من الناخبين الريفيين في الغرب الأوسط الأميركي، بعدما قفزت أسعار الديزل بنحو 70%، وتصاعدت حالات إفلاس المزارع، فيما أدت الحروب التجارية إلى إضعاف الصادرات الزراعية، في وقت لا تزال فيه أسعار الأسمدة والمعدات تمثل عبئاً متزايداً على المنتجين.
وبلغ استياء الناخبين الريفيين من ترمب حداً أظهرت معه استطلاعات الرأي أن مرشحين جمهوريين لمجلس الشيوخ يواجهون منافسة صعبة في كانساس وأيوا ونبراسكا وتكساس، رغم فوز ترمب بهذه الولايات ذات الطابع الريفي بفارق 13 نقطة مئوية أو أكثر في 2024.
كما أصبحت أوهايو، التي لم تشهد منافسة انتخابية حقيقية منذ خوض الرئيس السابق باراك أوباما الانتخابات، ساحة تنافس في سباق التجديد النصفي للكونجرس، ويرى فيها الديمقراطيون فرصة لقلب مقعد جمهوري في مجلس الشيوخ.
لكن انتقال الضغوط الاقتصادية إلى صناديق الاقتراع ليس أمراً محسوماً، بحسب ما يؤكد خبير استطلاعات الرأي في شركة "سيجنال"، أليكس تراسيو، لـ"الشرق". فاستياء المزارعين من إدارة ترمب لا يعني بالضرورة استعدادهم للتصويت للديمقراطيين، بالنظر إلى ارتباط شريحة واسعة منهم بالجمهوريين لأسباب تتجاوز المصالح الاقتصادية، وتمتد إلى الهوية السياسية والقضايا الاجتماعية والثقافية.
"أكثر المواسم الزراعية تكلفة منذ عقود"
من مقصورة الحصادة في حقل لفول الصويا بولاية ماريلاند، يقول ديفيد بوريير لـ"الشرق" إنه أمضى 52 موسماً في الزراعة، لكن كلفة هذا الموسم تفوق كل ما عرفه من قبل.
وقال بوريير: "هذا هو موسمي الـ52، وهو الأعلى تكلفة على الإطلاق بالنسبة لنا"، مشيراً إلى أن السبب في ذلك يعود إلى تداعيات حرب إيران التي رفعت أسعار الطاقة والأسمدة.
ولا يقتصر القلق على محصول هذا العام. فبوريير، الذي عاش حقبة الثمانينيات، حين واجه المزارعون الأميركيون أزمة اقتصادية خانقة بسبب تراكم الديون والارتفاع الحاد في أسعار الفائدة وهبوط قيمة الأراضي الزراعية، يخشى اليوم أن يتعرض لخسارة كبيرة هذا الموسم يصعب تعويضها في ما تبقى من مسيرته.
وتكشف تجربته تعدد مصادر الضغط على القطاع الزراعي الأميركي. فالرسوم الجمركية واضطراب التجارة يلاحقان المحصول في الأسواق الخارجية، بينما تصل كلفة الحرب والطاقة والنقل إلى المزرعة قبل بدء عملية البيع.
ويقول بوريير إن أسعار الأسمدة النيتروجينية والبوتاس ارتفعت بنحو 60% في أبريل الماضي، بعد أسابيع قليلة من بدء الحرب ضد إيران، ما أدى إلى زيادة نفقات الإنتاج، في وقت يعاني فيه المزارعون أصلاً من تقلص هوامش الربح.
أما الديزل، الذي تعتمد عليه آلات الحصاد والجرارات والشاحنات، فتحول إلى أحد أكبر مصادر الضغط على الميزانيات الزراعية.
ويشرح بوريير كيف تتراكم الأعباء، قائلاً إنه يدفع رسوماً إضافية مرتبطة بالوقود عند وصول مستلزمات الزراعة إليه، ثم يدفعها مجدداً عند نقل الحبوب إلى خارج المزرعة.
ويضيف: "تأتيني الكلفة من الجانبين، ولا أستطيع تمريرها. عليّ أن أتحملها".
وتعكس تجربته واقعاً أوسع في القطاع الزراعي، إذ بلغت أسعار الديزل مستويات قياسية خلال سبتمبر الماضي، متجاوزة 6 دولارات ونصف الدولار للجالون، مقارنة بنحو 3 دولارات و75 سنتاً قبل الحرب.
وفي استطلاع أجرته جامعة بوردو ومجموعة بورصة شيكاغو التجارية خلال سبتمبر، اختار 52% من المزارعين ارتفاع تكاليف الإنتاج بوصفه مصدر قلقهم الأكبر، وهي أعلى نسبة يسجلها هذا المؤشر.
ومع ذلك، لا ترسم البيانات صورة لتراجع شامل في مبيعات فول الصويا، إذ توقعت وزارة الزراعة الأميركية، في سبتمبر، ارتفاع الإيرادات النقدية من بيع المحصول بنسبة 10% خلال 2026، مدفوعة أساساً بارتفاع الأسعار. لكن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في الأرباح، بعدما ارتفعت تكاليف الإنتاج بوتيرة أرهقت كثيراً من المزارعين.
ويقول دانيال شاتز، أستاذ العلوم السياسية والباحث الزائر السابق في جامعة هارفارد، لـ"الشرق"، إن تقييم الأزمة يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من إجمالي المبيعات.
ويوضح أن المؤشرات الأهم هي "الربح لكل فدان، والسيولة المتبقية بعد سداد الفواتير، والقدرة على خدمة الديون، ومدى الاعتماد على المساعدات الحكومية". فالمزارع الذي يبيع محصوله بسعر أعلى قد يجد نفسه، في نهاية الموسم، أمام أرباح أقل، إذا كانت الزيادة في تكاليف الوقود والأسمدة والعمالة والتمويل قد استهلكت عائداته الإضافية.
الصين.. سوق يصعب تعويضها
بالنسبة إلى ديفيد بوريير، كما هي الحال بالنسبة إلى آلاف المزارعين الأميركيين، لا تنتهي مهمة الموسم بانتهاء الحصاد، بل بعد بيع المحصول.
ويقول ديفيد إن نحو ربع إنتاجه من فول الصويا هذا العام وجد مشترياً بالفعل، بينما يتجه الجزء المتبقي إلى التخزين، في انتظار تحسن الأسعار وعودة الطلب، خصوصاً من الصين.
ويضيف أن حجم المشتريات الصينية يعتمد بدرجة كبيرة على إنتاج دول أميركا الجنوبية، لكنه لا يزال يأمل في عودة المشترين الصينيين مع التوصل إلى تفاهمات تجارية.
وتعكس هذه الحسابات التحول الذي طرأ على تجارة فول الصويا العالمية منذ بدء الحرب التجارية بين واشنطن وبكين خلال الولاية الأولى لترمب.
والصين، وهي أكبر مستورد لفول الصويا في العالم، كانت تعتمد بصورة كبيرة على الولايات المتحدة، قبل أن تدفعها الرسوم الجمركية المتبادلة والتوترات السياسية إلى تنويع مصادر التوريد وتعزيز اعتمادها على البرازيل والأرجنتين.
وقبل الولاية الأولى لترمب، كانت الولايات المتحدة والبرازيل توفران حصتين متقاربتين من واردات الصين من فول الصويا، بنحو 40% لكل منهما.
لكن الحصة الأميركية تراجعت لاحقاً إلى نحو 23%، مقابل أكثر من 60% للبرازيل، وفق أرقام أوردها الكاتب الاقتصادي ستيفن جرينهاوس في صحيفة "الجارديان".
ولم يعد التحدي بالنسبة إلى المزارعين الأميركيين يقتصر على إعادة فتح السوق الصينية، بل بات يتعلق أيضاً باستعادة حصة تجارية انتقلت تدريجياً إلى منافسين تمكنوا من توسيع إنتاجهم وبناء علاقات أكثر استقراراً مع المشترين الصينيين.
"العاصفة المثالية"
يقول آري هوكينز، الصحافي المتخصص في التجارة الدولية لدى "بوليتيكو"، لـ"الشرق"، إن مزارعي الولايات الزراعية المؤثرة في انتخابات التجديد النصفي يواجهون ما يمكن وصفه بـ"العاصفة المثالية" من الأزمات الاقتصادية.
ويوضح أن هذه الضغوط تجمع بين اضطراب حركة الشحن العالمية عبر مضيق هرمز، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والتداعيات المستمرة للأجندة التجارية لإدارة ترمب، إلى جانب الغموض المحيط بالتعهدات الصينية بشراء المحاصيل الأميركية.
ويضيف أن العلاقة التجارية مع بكين تكتسب أهمية استثنائية للمزارعين الأميركيين، لأن الصين لا تزال من أكبر أسواقهم الخارجية، ولأن فقدان جزء من مشترياتها يصعب تعويضه سريعاً في أسواق أخرى.
وكانت واشنطن وبكين قد أعلنتا، في أكتوبر 2025، تفاهمات تضمنت شراء الصين 12 مليون طن متري من فول الصويا الأميركي خلال الموسم التجاري، إلى جانب تعهدات بمشتريات سنوية كبيرة خلال السنوات التالية. لكن تنفيذ تلك التعهدات ظل موضع خلاف ومتابعة بين الجانبين.
وبحسب هوكينز، تأخرت الصين عن الجدول الزمني لبعض التزامات الشراء، مضيفاً أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن تنفيذ التعهدات اللاحقة يضع الولايات المتحدة في موقف تجاري صعب.
ويرى أن "الصين تمتلك قدراً كبيراً من النفوذ في هذا الملف"، وأن أثر هذه الضغوط سيكون أكبر في الولايات والدوائر الزراعية التي تميل تقليدياً إلى الجمهوريين.
وبذلك، لم تعد مشتريات فول الصويا مجرد بند في المفاوضات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، بل أصبحت عاملاً يمكن أن يؤثر بصورة غير مباشرة في الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة.
وكلما تأخرت عودة الطلب الصيني، زادت الضغوط على المزارعين الأميركيين الذين ينتظرون بيع محاصيلهم، وتعاظمت الكلفة السياسية المحتملة لهذه الأزمة على الحزب الجمهوري الحاكم.
لكن شاتز يحذر من اختزال المشكلة في الرسوم الجمركية وحدها. ويقول أستاذ العلوم السياسية إن المنافسة البرازيلية، وحجم الطلب الصيني، وتكاليف الإنتاج، كلها عوامل تؤثر في أوضاع المزارعين الأميركيين.
ويضيف أن "السؤال السياسي الأهم يتعلق بالجهة التي يحملها المزارعون مسؤولية خسائرهم: هل هي واشنطن وسياساتها التجارية؟ أم بكين؟ أم ظروف السوق العالمية؟".
وبحسب شاتز، فحتى عندما تتسبب أزمة اقتصادية في إضعاف التأييد للحزب الحاكم، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنها قادرة على تجاوز الولاءات الحزبية المتجذرة.
مساعدات بمليارات الدولارات.. هل تكفي لاحتواء الغضب؟
لم يغفل البيت الأبيض الضغوط التي يعيشها المزارعون الأميركيون. فمع اقتراب الانتخابات، كثف ترمب زياراته إلى الولايات الزراعية التي يواجه فيها الجمهوريون منافسات انتخابية متزايدة، من أيوا وأوهايو إلى كانساس ونبراسكا.
وخلال تجمع انتخابي في كانساس في 19 أكتوبر، أعلن الرئيس الأميركي برنامج مساعدات بقيمة 8 مليارات دولار، يهدف إلى تخفيف أثر ارتفاع أسعار الديزل على المزارعين خلال موسم الحصاد.
وجاء الإعلان بعدما قدمت إدارته مساعدات سابقة بقيمة 12 مليار دولار لمساندة المنتجين الزراعيين في مواجهة اضطرابات الأسواق وتكاليف الإنتاج.
وبحسب وزارة الزراعة، ستُوزع المساعدات الجديدة على أساس تقديرات الخسائر المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود، ومساحات الأراضي المزروعة، وتكاليف الإنتاج.
لكن هذه الأموال لن تصل إلى المزارعين قبل انتخابات 3 نوفمبر، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مسؤول في وزارة الزراعة الأميركية.
ويكشف هذا التوقيت جانباً من المعضلة السياسية التي يواجهها ترمب. فالمساعدات الحكومية قد تخفف جزءاً من الخسائر المالية، لكنها لا تضمن استعادة الأسواق الخارجية، ولا تعالج بالضرورة المشكلات الهيكلية التي يواجهها القطاع الزراعي.
كما أن الاعتماد المتزايد على الدعم الحكومي يثير تساؤلات بشأن قدرة المزارعين على تحقيق أرباح مستدامة من دون تدخلات مالية متكررة من واشنطن.
وبالنسبة إلى الجمهوريين، يمثل هذا الدعم محاولة لإثبات أن الإدارة لا تزال تعطي الأولوية لمصالح المزارعين، فيما يرى منتقدو سياسات ترمب أن الحاجة إلى هذه المساعدات تعكس حجم الضغوط الناجمة عن الحروب التجارية وارتفاع تكاليف الطاقة.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه الإدارة إقناع الناخبين بأن التضحيات الاقتصادية الحالية ستقود لاحقاً إلى مكاسب أكبر، من خلال إعادة التصنيع إلى الولايات المتحدة وتحسين شروط التجارة مع الشركاء الدوليين.
لكن هذه الوعود تصطدم بحسابات أكثر إلحاحاً بالنسبة إلى المزارع الذي يحتاج إلى سداد قروضه وتغطية نفقات الموسم الحالي، قبل أن تظهر النتائج المحتملة لتلك السياسات.
اختبار الولاء
في الانتخابات الرئاسية لعام 2024، شكلت المجتمعات الزراعية والريفية إحدى أكثر القواعد الانتخابية دعماً لترمب، وساعدته في تحقيق انتصارات واسعة في ولايات اعتاد الجمهوريون الفوز بها.
لكن الأزمة الاقتصادية التي تواجه هذه المناطق بدأت تنعكس على استطلاعات الرأي، وإن بدرجات متفاوتة. ففي استطلاع شمل 974 مزارعاً ومربياً للماشية في 44 ولاية خلال أبريل الماضي، قال 39% من المشاركين إنهم يدرسون تغيير خياراتهم الانتخابية، أو التصويت لمستقلين، أو الامتناع عن الاقتراع، أو إنهم لم يحسموا مواقفهم بعد.
ولا تعني هذه النسبة أن 4 من كل 10 مزارعين قرروا التخلي عن الجمهوريين، لكنها تكشف مستوى من التردد داخل فئة تميل تاريخياً إلى الحزب.
ويقول شاتز إن التحولات المحدودة في التصويت، أو اختيار مرشحين من الحزبين لمناصب مختلفة، أو انخفاض المشاركة بين الناخبين الجمهوريين المعتادين، قد تكون حاسمة في السباقات المتقاربة.
لكن أليكس تاراسيو، خبير استطلاعات الرأي في مؤسسة "سيجنال" والمقرب من الأوساط الجمهورية، يقدم قراءة أكثر تحفظاً بشأن احتمالات تخلي المزارعين عن الحزب.
ويقول تاراسيو لـ"الشرق": "لا أتوقع أن يتخلى المزارعون عن الجمهوريين. هناك أسباب ثقافية وسياسية كثيرة تجعلهم أقرب إلى الحزب الجمهوري".
ومع ذلك، يقر تاراسيو بأن الارتفاع الحاد في تكاليف الوقود والزراعة يضع هذه القاعدة تحت ضغوط حقيقية، ويؤثر في نظرتها إلى الأداء الاقتصادي للإدارة.
ويضيف: "كل ناخب يصبح أحياناً ناخباً تحركه مصالحه المباشرة"، مشيراً إلى أن هوامش الربح الزراعي المحدودة تجعل الزيادة في أسعار الديزل مؤثرة بصورة خاصة في ميزانيات المزارعين.
ويشرح أن ارتفاع أسعار الوقود بنحو 70% يعني نفقات إضافية كبيرة لملء خزانات آلات الحصاد والجرارات والشاحنات، التي تستهلك كميات كبيرة من الديزل يومياً خلال الموسم الزراعي.
لكن أثر هذه الضغوط، بحسب تاراسيو، لا يقتصر على المزارعين أنفسهم، بل يمتد إلى الناخبين في البلدات الصغيرة والمناطق الريفية، حيث تعتمد قطاعات واسعة من الاقتصاد المحلي على الزراعة والنقل والصناعات المرتبطة بهما.
ويشير إلى أن أحدث بيانات "سيجنال" تظهر تراجعاً في هوامش تفوق الجمهوريين بين الناخبين في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة.
وبحسب هذه البيانات، يقول 54% من الناخبين المرجح مشاركتهم في الاقتراع في تلك المناطق إنهم سيصوتون للمرشح الجمهوري في الاقتراع العام للكونجرس، مقابل 41% يفضلون المرشح الديمقراطي.
ورغم استمرار تقدم الجمهوريين بفارق 13 نقطة مئوية، فإن تاراسيو يرى أن هذه النسبة تمثل تراجعاً مقلقاً مقارنة بمستويات التأييد التي حظي بها الحزب في انتخابات 2024.
ويقول إن هذا الاتجاه "خطير" بالنسبة إلى الجمهوريين، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث انشقاق واسع بين المزارعين أنفسهم.
أيوا ونبراسكا وكانساس.. معاقل تحت ضغط المنافسة
تتجلى أهمية هذه التحولات في ولايات الغرب الأوسط الأميركي، حيث تتداخل المصالح الزراعية مع الحسابات الانتخابية على نحو يصعب تجاهله.
وفي أيوا، التي فاز بها ترمب بفارق 13 نقطة مئوية في الانتخابات الرئاسية الماضية، تحولت الضغوط الاقتصادية إلى أحد أبرز ملفات السباقات على مجلس الشيوخ ومجلس النواب ومنصب الحاكم.
وبحسب تقرير لشبكة CNN، أصبحت أيوا وأوهايو، اللتان لم تشهدا منافسة انتخابية مماثلة منذ سنوات باراك أوباما، ضمن الولايات التي يرى الديمقراطيون أن لديهم فيها فرصاً لتحقيق مكاسب.
ويمتد التنافس إلى ولايات جمهورية تقليدية مثل كانساس ونبراسكا، حيث يخوض الديمقراطيون ومستقلون مدعومون منهم سباقات كانت تبدو شبه محسومة للجمهوريين في دورات انتخابية سابقة.
وفي كانساس، ينافس القس آدم هاميلتون الجمهوري روجر مارشال على مقعد في مجلس الشيوخ، فيما يواجه السيناتور الجمهوري بيت ريكتس في نبراسكا تحدياً من المرشح المستقل دان أوزبورن، الذي يحظى بدعم ديمقراطي.
أما في أيوا، فيرى الديمقراطيون فرصاً لتحقيق مكاسب في سباقات مجلسي النواب والشيوخ، مستفيدين من الاستياء الاقتصادي الذي يتجاوز قطاع الزراعة إلى المجتمعات المحلية المعتمدة عليه.
ويشير شاتز إلى أن الدائرتين الأولى والثالثة لانتخابات مجلس النواب في أيوا تستحقان متابعة خاصة، نظراً إلى أهمية الزراعة في اقتصادهما وتنافسية السباقات الانتخابية فيهما.
وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأميركية لعام 2022، تضم الدائرة الأولى نحو 1.62 مليون فدان مزروع بفول الصويا، مقابل نحو 1.46 مليون فدان في الدائرة الثالثة.
ويوضح شاتز أن هذه المساحات تعكس الأهمية الاقتصادية للمحصول داخل الدائرتين، لكنها لا تقدم دليلاً مباشراً على اتجاه تصويت المزارعين.
ويضيف أن أي تراجع محدود في هوامش تفوق الجمهوريين داخل المناطق الريفية قد يكون كافياً للتأثير في نتائج السباقات المتقاربة.
لكن أهمية الاقتصاد الزراعي انتخابياً لا تقتصر على عدد المزارعين الذين يشاركون في الاقتراع. فحين يضطر المزارع إلى تأجيل شراء آلة جديدة، تتأثر شركات المعدات الزراعية. وعندما يقلص نفقاته، تنعكس هذه القرارات على ورش الصيانة والتجار المحليين. وعندما تتراجع حركة بيع المحاصيل ونقلها، تتأثر شركات الشحن والتخزين والخدمات المرتبطة بالقطاع.
ويقول شاتز: "لا تحتاج إلى زراعة فول الصويا حتى يكون مصدر رزقك مرتبطاً باقتصاد فول الصويا". وهذا الامتداد الاقتصادي، بحسب شاتز، يفسر كيف يمكن أن تتحول أزمة في قطاع زراعي، لا يمثل العاملون فيه سوى جزء محدود من الناخبين الأميركيين، إلى قضية انتخابية أوسع في ولايات تعتمد مجتمعاتها الريفية على النشاط الزراعي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
هل يعاقب المزارعون الجمهوريين في صناديق الاقتراع؟
رغم اتساع الاستياء، لا يتفق الخبراء على الشكل الذي قد يتخذه هذا الغضب في الانتخابات. فبينما يرى شاتز أن تراجع المشاركة أو تصويت بعض الناخبين لمرشحين من الحزبين قد يضعف هوامش تفوق الجمهوريين، لا يجد تاراسيو في بياناته ما يكفي لتوقع عزوف واسع عن التصويت بين المزارعين تحديداً.
ويقول تاراسيو إن المزارعين، بحكم ارتباطهم المباشر بالسياسات الحكومية والاقتصادية، يتمتعون عادة بدرجة مرتفعة من الاهتمام السياسي، ما يجعل احتمال بقائهم في منازلهم يوم الاقتراع أقل مقارنة بفئات أخرى.
ويرى أن الخطر الأكبر على الجمهوريين قد يأتي من الناخبين المحافظين التقليديين، الذين لا يتماهى بعضهم بالكامل مع حركة ترمب السياسية، ومن الجمهوريين الأكثر اعتدالاً، خصوصاً في ولايات الغرب الأوسط.
ويشرح أن الناخبين الجمهوريين المرتبطين بقوة بترمب يتمتعون بدرجة عالية من الالتزام الحزبي، تتراوح بين 96% و99%، بينما تنخفض هذه النسبة إلى نحو 88% بين المحافظين التقليديين، وفق بيانات مؤسسة "سيجنال" لاستطلاعات الرأي.
ويضيف أن الفارق، رغم محدوديته الظاهرية، قد يعادل نحو نقطتين ونصف النقطة المئوية من إجمالي الناخبين، وهي نسبة قد تكون مؤثرة في سباقات تُحسم بفوارق ضئيلة.
لكن تاراسيو يميز بين الاستياء الذي يعبر عنه المزارعون واستعدادهم الفعلي لتغيير سلوكهم الانتخابي. ويقول إن المزارعين "غير راضين، ومن حقهم التعبير عن ذلك"، مشدداً على أن المرشحين الجمهوريين مطالبون بتقديم خطط لمعالجة أزمة تكاليف المعيشة، بدلاً من الاكتفاء بالاعتماد على الولاء التقليدي لهذه الفئة.
أما شاتز، فيرى أن الاستياء الاقتصادي يجب أن يُقرأ بوصفه إشارة تحذير، لا توقعاً انتخابياً نهائياً. ويقول إن نتائج استطلاع بوردو، التي أظهرت أن نسبة المزارعين الذين يعتقدون أن البلاد تسير في الاتجاه الصحيح تراجعت إلى أقل من النصف، تكشف تصاعد القلق، لكنها لا تثبت أن هؤلاء المزارعين قرروا تغيير أصواتهم.
ويضيف: "هناك مؤشرات على الإحباط، لكن الإحباط ليس دليلاً بعد على التخلي عن الولاء الانتخابي".
وبين هاتين القراءتين، تظهر حدود الرهان الديمقراطي على الأزمة الزراعية. فالتدهور الاقتصادي قد يفتح الباب أمام الناخبين لإعادة تقييم خياراتهم، لكنه لا يمحو بالضرورة ارتباطاتهم السياسية، خصوصاً في المناطق التي يتداخل فيها الانتماء الحزبي مع المواقف من الهجرة والسلاح والدين والقيم الاجتماعية.
وفي المقابل، فإن استمرار هذا الولاء لا يضمن للجمهوريين الحفاظ على هوامش الفوز السابقة، إذا فقد الحزب جزءاً من الناخبين المترددين أو المستقلين أو المحافظين المعتدلين الذين ساعدوه في تحقيق انتصارات واسعة.
ولهذا، لا تتوقف أهمية الاستياء الزراعي عند احتمال انتقال أصوات المزارعين إلى الديمقراطيين، بل تشمل أيضاً أثره في المزاج السياسي للمجتمعات الريفية، ومدى استعدادها لمنح الجمهوريين تفويضاً انتخابياً مماثلاً لما حصلوا عليه في 2024.











