انتخابات إسرائيل.. الفلسطينيون يتجاوزون هامش النظام السياسي | الشرق للأخبار
تحليل إخباري

انتخابات إسرائيل.. فلسطينيو الداخل يتجاوزون هامش النظام السياسي الضيق

بعد نتائج تاريخية.. القوائم العربية عامل حاسم في تشكيل حكومة تل أبيب

المرشح الفلسطيني أحمد الطيبي من "القائمة العربية المشتركة" يدلي بصوته في الانتخابات مع عائلته في شمال إسرائيل. 27 أكتوبر 2026 - Reuters
المرشح الفلسطيني أحمد الطيبي من "القائمة العربية المشتركة" يدلي بصوته في الانتخابات مع عائلته في شمال إسرائيل. 27 أكتوبر 2026 - Reuters
رام الله -

لخص الصحافي الإسرائيلي، أوري نير، المعضلة التي يواجهها فلسطينيو الداخل، الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، ويمتلكون حق المشاركة السياسية، بقصة كتبها في صحيفة "هآرتس"، قبل 25 عاماً، عن بلدة سخنين، التي صادرت إسرائيل معظم أراضيها، ومنحت، في ذات الوقت، أهلها حق الترشح والتصويت في انتخابات البرلمان الإسرائيلي.

كتب أوري، أن رئيس بلدية سخنين، وهي مدينة فلسطينية في شمال إسرائيل، أطلعه، حينذاك، على الرسائل التي بعثها لجهات حكومية "يناشدها" فيها إعادة بعض المساحات الشاسعة من الأراضي التي صودرت من أراضي البلدة، لاستخدامها في البناء والمرافق العامة. وبعد الفشل في الحصول على أي من تلك الأراضي، يصارحه مسؤول في البلدية بالقول: "خلاصة الأمر، أننا ما زلنا تحت الاحتلال، تماماً مثل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. فالحكم العسكري الذي كان قائماً في الماضي لم ينته فعلياً، فما جدوى محاولة العمل من خلال هذا النظام".

وشارك 87% من أصحاب حق الاقتراع في مدينة سخنين في الانتخابات العامة الأخيرة، التي حقق فيها المرشحون من فلسطينيي الداخل أعلى عدد من المقاعد في الكنيست، منذ إقامة الدولة العبرية في عام 1948. لكن عند تشكيل الحكومة، رفض عدد من أقطاب "معسكر التغيير" الذي بنى حملته على التخلص من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ليس فقط التحالف معهم، بل حتى قبول دعمهم من الخارج لتحقيق هذا الغرض.

وحصل "معسكر التغيير" بقيادة جادي آيزنكوت على 48 مقعداً من مقاعد البرلمان الـ 120، ما يجعله في حاجة للتحالف مع النواب الفلسطينيين البالغ عددهم 19 نائباً، من أجل تشكيل حكومة تتمتع بأغلبية. لكن أحد أقطاب هذا المعسكر، وهو أفيجدور ليبرمان، أعلن، بفجاجة، رفضه "الجلوس مع العرب والمتدينين اليهود في حكومة واحدة".

وفي حال تمسك ليبرمان، الذي يقود حزباً يمينياً متطرفاً "إسرائيل بيتنا"، بموقفه، فإن فرص هذا المعسكر في تشكيل الحكومة تكون قد أُغلقت، ما يعيد الكرة، مرة أخرى، إلى نتنياهو.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين في هذا المعسكر، أنهم يجرون اتصالات مع بعض الأحزاب الدينية المحسوبة على معسكر نتنياهو مثل حزب "يهوديت هتوراة" للتحالف معها. لكن فرص تحقيق تقدم في هذه الاتصالات لا تبدو كبيرة.

حكومة الوحدة

ويواجه معسكر نتنياهو الذي حصل على 53 مقعداً، معضلة في توفير أغلبية مستقرة لتشكيل الحكومة ما يجعله في حاجة إلى واحد أو أكثر من أحزاب "معسكر التغيير".

ويرى غالبية المراقبين في إسرائيل، أن نتائج الانتخابات تكاد تحصر تشكيل الحكومة في واحد من خيارين، الأول هو تشكيل حكومة "وحدة وطنية"، بقيادة نتنياهو وآيزنكوت، والثاني هو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

ووفق وسائل إعلام إسرائيلية، فإن الإدارة الأميركية تجري اتصالات مع نتنياهو وآيزنكوت لاقناعهما بتشكيل حكومة وحدة وطنية.

ورجح النائب السابق أيمن عودة، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن يتوجه نتنياهو إلى انتخابات مبكرة، حتى لو نجح في تشكيل حكومة وحدة وطنية مع آيزنكوت. وقال: "إذا كان نتنياهو نجح في اجتياز هذه الانتخابات، بحصول حزبه على المرتبة الأولى في عدد المقاعد، رغم الحملة الانتخابية الشديدة الموجهة ضده في ملفين أساسيين هما فشله في منع هجوم السابع من أكتوبر 2023، وقيامه بالانقلاب القضائي، فإنه من المنطقي أن يتوقع حصوله على نصر ساحق في أي انتخابات مقبلة، لا يواجه فيها ملفات صعبة مثل هذين الملفين".

حملة ضد الفلسطينيين

وتعرض الفلسطينيون في إسرائيل، وعددهم حوالي مليوني نسمة، إلى حملة واسعة من قبل العديد من القادة والأحزاب في إسرائيل، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أثناء وعقب الانتخابات، وصلت إلى حد اتهامهم من قبل نتنياهو نفسه بـ"سرقة الانتخابات"، مدعياً حصولهم على دعم مالي خارجي لشراء أصوات الناخبين.

ورغم ان لجنة الانتخابات المركزية ردت بنفي وجود شبهات من هذا النوع، إلا أن عدداً من قادة الأحزاب واصل حملته الرامية إلى تجريد الفلسطينيين من حق الاقتراع والمشاركة السياسية. ومن بين هؤلاء وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن جفير الذي قال في منشور على منصة "إكس": "اليوم يجب أن يكون واضحاً أكثر من أي مرة أخرى، يجب عدم منح حق التصويت لمن لا يعلن الولاء لدولة إسرائيل".

وفي حربه المعلنة هذه، ساوي بن جفير، بين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قائلاً :"فخور بإقرار قانون حكم الإعدام للمخربين (المعتقلين)، وأفتخر أنني هدمت خلال عام ونصف 10 آلاف مبنى غير قانوني في النقب (للسكان الفلسطينيين في إسرائيل)، فخور بأنني خلقت ردع هائل، وأفتخر أنني سلحت شعب إسرائيل ضد الأعداء".

نتنياهو الابن

وأطلق يائير نتنياهو، نجل رئيس الحكومة الإسرائيلية تصريحات متطرفة ضد مشاركة الفلسطينيين في إسرائيل في الانتخابات، تعد انعكاساً لموقف والده، إذ قال: أثبتت هذه الانتخابات أن الخطر الأكبر على بقاء دولة إسرائيل، باستثناء النووي الإيراني، هو ما يسمى بـ(عرب إسرائيل)، أكثر من إخوانهم الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وأكثر من تركيا، وأكثر من معاداة السامية المتفجرة في الغرب". وأضاف: "لا تستطيع دولة أن تبقى على المدى الطويل عندما يتماهى 20% من سكانها مع أعدائها ويريدون تدميرها".

وفي تكرار لتصريحات سابقة لوالده، اعتبر فيها أن "الصراع يجري بين الحضارة الغربية واليهودية من جهة والإسلام من جهة أخرى"، قال نتنياهو الابن: "فرنسا تشتعل وتنهار على نفسها لأن 10% من مواطنيها مسلمون. الإسلام ليس ديناً فحسب، بل هو أيضاً أيديولوجيا سياسية تُلزم بالولاء للأمة الإسلامية، وترى في الكفار، اليهود والمسيحيين، أعداء يجب أسلمتهم بالقوة، أو قتلهم، أو السماح لهم بالعيش في مكانة دنيا بوصفهم ذميين مهانين".

اكتشاف القوة

واحتفل الفلسطينيون في إسرائيل بنتيجة الانتخابات التي أظهرت مدى قوتهم وتأثيرهم. وقال رئيس لجنة المتابعة العليا للعرب في إسرائيل، جمال زحالقة، لـ"الشرق": "اكتشف الفلسطينيون في إسرائيل قوتهم، ليس فقط بالحصول على هذا العدد غير المسبوق من المقاعد، بل أيضاً لأنهم حالوا دون نجاح ائتلاف نتنياهو بالحصول على أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة".

وأضاف: "كل مقعد كسبناه خسر معسكر نتنياهو مقابلة مقعداً، وهذا يجعلنا عائقاً أمام بقاء هذه الحكومة العنصرية المسؤولة عن كل الويلات التي لحقت بالشعب الفلسطيني خلال السنوات الأربع الماضية".

واعتبر زحالقة، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن "القوة الكبيرة التي أظهرها العرب أرعبت العنصريين والفاشين مثل بن جفير وسموتريتش ونتنياهو، الذين يحاولون نزع الشرعية عن وجودنا سواء من خلال التشكيك بنا لما يسمى الإرهاب، أو التشكيك في نتائج الانتخابات عبر اتهامات التزوير".

توقعات مستقبلية متفائلة

ويتوقع المراقبون أن يحصل العرب على عدد أعلى من المقاعد في أي انتخابات مقبلة، بعد أن "اكتشفوا قوة تأثيرهم".

وقال زحالقة: "العرب صوتوا بنسبة وصلت حوالي 80% هذه المرة، لكن بعد أن اكتشفوا قوتهم، فإنه من المتوقع أن يرفعوا هذه النسبة في المرات المقبلة، ويحصلوا على عدد أعلى من المقاعد، ويمارسوا قدراً أكبر من التأثير".

ولم يستبعد زحالقة أن يعود آيزنكوت، في نهاية المطاف، للتحالف مع العرب "لأن هذا الخيار سيكون أفضل له، إذا ما كان عليه أن يختار بين التحالف معهم أو الذهاب إلى انتخابات جديدة لا يُتوقع أن يحصل فيها على أي نصر".

وظهرت ردود فعل واسعة في أوساط بعض النخب اليهودية ضد الحملة التي يتعرض لها الفلسطينيون في إسرائيل، على خلفية مشاركتهم الفاعلة في الانتخابات. ونشر عدد من السياسيين السابقين البارزين مثل رئيسي الوزراء السابقين إيهود باراك، وإيهود المرت، ونواب وفنانين، في الأيام الأخيرة، عرائض حثوا فيها جادي آيزنكوت على التحالف مع القوائم العربية في مسار تشكيل الحكومة، والتخلص من نتنياهو وحكومته، لما شكلته من خطورة على المؤسسات القضائية والسياسية في إسرائيل. ودعا بعضهم إلى مظاهرات تضامنية مع القوائم العربية، في تل أبيب، في الأيام المقبلة.

وفي هذا السياق، أكد رئيس لجنة المتابعة العليا للعرب في إسرائيل، جمال زحالقة، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن تشكيل حكومة إسرائيلية بمشاركة العرب "ما زال قائماً، لكنه قد يأتي متأخراً بعض الشيء".

وأضاف: "قد يجد آيزنكوت نفسه، في النهاية، أمام واحد من خيارين، إما التحالف مع العرب، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة، فيختار الأولى التي ستمكن معسكره من إحداث التغيرات التي سعى لها، خاصة إلغاء قوانين الانقلاب على المؤسسات القضائية التي أقرها معسكر نتنياهو".

خيار فلسطيني

اختتم الصحافي الإسرائيلي أوري نير مقالته بالإشارة إلى الظلم الشديد الذي لحق بالفلسطينيين في إسرائيل، الذين فقدوا أراضيهم وممتلكاتهم، وتعرضوا للقمع والقتل عند الاحتجاج، ليجدوا أنفسهم أخيراً أمام مشاركة إيجابية في النظام السياسي الإسرائيلي، تؤهلهم للحصول على حقوقهم.

وجاء في المقال: "في طريقهم إلى صناديق الاقتراع، مر كثير من سكان سخنين بالنصب التذكاري ليوم الأرض، الذي يخلد ذكرى المواطنين العرب الستة العزل الذين قتلتهم قوات الأمن الإسرائيلية في 30 مارس 1976، خلال احتجاجات جماهيرية على مصادرة نحو 5 آلاف دونم من الأراضي المملوكة للعرب في منطقة الجليل".

لكنه أضاف: "هذا العام، كانت لدى المواطنين العرب أسباب مشروعة كثيرة أخرى للاحتجاج. لكن الطريقة التي اختاروا التعبير بها عن غضبهم لم تكن العنف أو المقاطعة أو أي شكل آخر. بل اختاروا المشاركة بأعداد كبيرة في الانتخابات العامة"، معتبراً ذلك "فرصة أمام السياسيين اليهود للاعتراف بأن للمواطنين العرب حقوقاً كاملة، وأن من حقهم أن يتلقوا الخدمات وفرصة للتعامل مع المسؤولين العرب المنتخبين باعتبارهم شركاء محتملين، وشركاء متساوين، في الحكومة".

تصنيفات

قصص قد تهمك