
أعادت الانتخابات العامة في نيوزيلندا رسم الخريطة السياسية، مع تراجع حصة الحزبين الرئيسيين، الوطني والعمال، وصعود الأحزاب الصغيرة التي حققت أفضل نتائج في تاريخها، وفق "بلومبرغ".
ولا تزال نتائج الانتخابات العامة في نيوزيلندا غير محسومة، لكن الناخبين وجهوا رسالة واضحة إلى الأحزاب الكبرى، بما فيها الحزب الوطني الحاكم، بعدما منحت الأحزاب الصغيرة أفضل نتائج انتخابية في تاريخها، في تحول أعاد رسم المشهد السياسي في البلاد.
وتشير تقديرات اللجنة الانتخابية إلى أن تكتل يمين الوسط، الذي يضم الحزب الوطني المحافظ وحزب "إيه سي تي" الليبرالي، وحزب "نيوزيلندا أولاً" القومي، سيحصل على 67 مقعداً في البرلمان الموسع الذي يضم 131 مقعداً، مع احتمال تغير التوازن النهائي بعد انتهاء فرز الأصوات.
وأربكت النتائج غير المحسومة، التي لن تُعلن نهائياً قبل أسابيع، السياسيين والخبراء والمعلقين.
وقالت لارا جريفز، الأستاذة المشاركة في العلوم السياسية بجامعة فيكتوريا في ويلينجتون، إن الجميع يشعر بالحيرة، مضيفة: "لم يفز أحد حتى الآن"، لكنها أشارت إلى أن النتائج تميل بوضوح نحو اليمين، مع وجود تساؤلات كثيرة بشأن شرعية الحكومة المقبلة والتفويض الشعبي الذي ستحصل عليه.
ووصف بن توماس، السكرتير الصحافي السابق لحكومة الحزب الوطني، والباحث والمعلق السياسي حالياً، النتائج بأنها "واحدة من أغرب نتائج الانتخابات في تاريخ البلاد".
وبعد فرز جميع الأصوات العادية، حصل كل من الحزب الوطني وحزب العمال المنتمي إلى يسار الوسط على ما يزيد قليلاً على 29% من الأصوات. وتمثل هذه النتيجة تراجعاً كبيراً للحزب الوطني، الذي حصل على 38% من الأصوات النهائية في انتخابات 2023، مقابل تحسن محدود لحزب العمال الذي نال أقل قليلاً من 27%.
صعود الأحزاب الصغيرة
وتشير التقديرات إلى حصول تكتل يسار الوسط، الذي يضم حزب العمال وحزب الخضر وحزب "تي باتي ماوري"، على 57 مقعداً، لكن العدد قد يرتفع إلى 64 مقعداً إذا قرر حزب "أوبورتيونيتي" الوسطي، المتوقع دخوله البرلمان للمرة الأولى بسبعة مقاعد، الانضمام إلى التكتل.
واعتمدت نيوزيلندا نظام التمثيل النسبي المختلط في عام 1996، والذي يصوت فيه الناخبون لحزب سياسي ومرشح عن دائرتهم.
ويضم البرلمان 71 مقعداً للدوائر الانتخابية، بينما تتوقع لجنة الانتخابات تخصيص 60 مقعداً من القوائم الحزبية.
وقالت زعيمة الحزب كيولاي وونج، إنها ستبحث إمكانية التعاون أولاً مع أكبر حزب في البرلمان. وبدا رئيس الوزراء كريستوفر لوكسون، الذي استبعد مراراً قبل الانتخابات التعاون مع الحزب، أكثر انفتاحاً على هذا الاحتمال، الأحد.
وقال لوكسون للصحافيين: "في الوضع الحالي، لا نحتاج إلى حزب أوبورتيونيتي لتشكيل الحكومة"، لكنه أضاف: "بغض النظر عن الأرقام النهائية بعد فرز الأصوات الخاصة، أعتقد أنه من المناسب تماماً بناء علاقة مع كيولاي وحزب أوبورتيونيتي".
وعلى مستوى الأحزاب الصغيرة، حقق حزب الخضر أفضل نتيجة انتخابية في تاريخه، فيما حصل حزبا "إيه سي تي" و"نيوزيلندا أولاً" على نسب تصويت أعلى مقارنة بالانتخابات السابقة.
وتعكس النتائج تشتت أصوات الناخبين، وهي ظاهرة شهدتها انتخابات في دول أخرى، مع تزايد استياء الناخبين من الأحزاب الكبرى في ظل أزمة تكاليف المعيشة وعدم الاستقرار، واتجاههم نحو بدائل سياسية.
وفي أستراليا، ارتفعت شعبية حزب "أمة واحدة" اليميني المتطرف بقيادة بولين هانسون، إلى نحو 30% في استطلاعات الرأي، متجاوزاً الأحزاب الكبرى، فيما يسجل حزب "إصلاح بريطانيا" بقيادة نايجل فاراج متوسطاً يبلغ نحو 22% في استطلاعات الرأي البريطانية.
ويوفر نظام التمثيل النسبي المختلط المعمول به في نيوزيلندا منذ عام 1996 فرصة للأحزاب الصغيرة لدخول البرلمان، ويتيح للناخبين التصويت لها من دون القلق من ضياع أصواتهم. ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي ذهبت إلى أحزاب لن تدخل البرلمان 1%، مقارنة بنحو 5% في انتخابات 2023.
انتظار النتائج النهائية
ولن يُعرف التوزيع النهائي للأصوات قبل 27 نوفمبر، موعد إعلان نتائج الدفعة الأخيرة من الأصوات الخاصة، وهو ما سيسمح ببدء مفاوضات تشكيل الائتلافات الحكومية بصورة جدية.
وتشمل الأصوات الخاصة تلك التي يدلي بها الناخبون الموجودون خارج البلاد أو خارج دوائرهم الانتخابية خلال فترة التصويت. ووفقاً للجنة الانتخابية، يتعين فرز نحو 400 ألف صوت من هذا النوع.
وقال ديفيد فارار، المعلق السياسي ومؤسس شركة "كوريا" لأبحاث استطلاعات الرأي ومقرها ويلينجتون، إن احتمال وصول حزب العمال إلى السلطة "ضعيف للغاية".
وأضاف أن تشكيل الحزب حكومة أمر ممكن حسابياً، لكنه يتطلب تحقق مجموعة كبيرة من العوامل لصالحه.
ورجح فارار احتفاظ الحزب الوطني وحلفائه بالأغلبية، أو انتهاء الانتخابات ببرلمان معلق لا يمتلك فيه أي تكتل أغلبية واضحة.
وأوضح أنه في الحالة الثانية، لن يكون حزب "أوبورتيونيتي" قادراً على إيصال حزب العمال إلى الحكومة، لكن الحزب الوطني سيضطر إلى التوصل إلى اتفاق معه لإنهاء الجمود السياسي.
وأضاف أن الحزب الوطني قد يقرر التواصل مع "أوبورتيونيتي" حتى إذا احتفظ بالأغلبية، انطلاقاً من أن الرأي العام قد يرغب في رؤية الحزبين يبحثان عن أرضية مشتركة.
برلمان موسع
ويضم البرلمان النيوزيلندي عادة 120 عضواً، لكن الانتخابات الحالية تشهد تعقيداً إضافياً بسبب توقعات بزيادة عدد المقاعد إلى 131، نتيجة ما يعرف بظاهرة "المقاعد الزائدة" Overhang.
وتُعد هذه الظاهرة إحدى الخصائص المرتبطة بنظام التمثيل النسبي المختلط في نيوزيلندا، إذ يدلي كل ناخب بصوتين، أحدهما لمرشح دائرته الانتخابية والآخر لحزب سياسي.
وتحدث ظاهرة المقاعد الزائدة عندما يفوز حزب بعدد من مقاعد الدوائر الانتخابية يفوق العدد الذي يحق له الحصول عليه وفقاً لنسبة الأصوات التي نالها على مستوى الأحزاب، ما يؤدي إلى زيادة العدد الإجمالي لأعضاء البرلمان.











