
لطالما ابتعدت الدول الأوروبية عن تايوان، خشية استفزاز بكين، لكن نشاطاً دبلوماسياً غير عادي يشير إلى تحوّل طفيف محتمل في أوروبا، مدفوعاً جزئياً بإحباط متزايد في المنطقة بشأن إجراءات تتخذها الصين، كما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز".
قبل أسبوعين، عقد وزير الخارجية التايواني جوزيف وو، اجتماعات مع نواب أوروبيين في بروكسل، اعتُبرت سابقة وإن كانت غير رسمية، وأيّد البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة، قراراً يدعو إلى تعزيز العلاقات مع تايوان، التي وصفها بأنها "شريك وحليف ديمقراطي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ".
وأرسل البرلمان، الأسبوع الماضي، أول وفد رسمي إلى الجزيرة، متحدياً تهديدات صينية، وقال الرئيس الفرنسي للوفد رافاييل جلوكسمان للرئيسة التايوانية تساي إينج وين: "جئنا إلى هنا حاملين رسالة بسيطة جداً وواضحة: لستم وحدكم، أوروبا تقف معكم"، علماً أن هناك نواباً أوروبيين فرضت عليهم بكين عقوبات هذا العام، إثر انتقادهم سجلها في ملف حقوق الإنسان.
"هيكل الأمن الإقليمي"
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الاندفاع في العلاقات الدبلوماسية مع تايوان، كان غير مرجّح قبل سنة، حين كانت أوروبا والصين تستكملان اتفاقاً للاستثمار، في ما اعتُبر نصراً جيوسياسياً لبكين.
لكن السياسات الصارمة التي انتهجتها الصين بقيادة الرئيس شي جين بينج، أثارت انعدام ثقة وبعض النفور أيضاً، وعطّل النواب الأوروبيون اتفاق الاستثمار، مبرّرين الأمر بانتهاكات بكين لحقوق الإنسان، ويبدو الآن أن مخاوف بشأن حملة يشنّها الحزب الشيوعي الصيني في هونج كونج، وتعامله مع تفشّي فيروس كورونا واستراتيجيته في ترهيب تايوان، حفّزت أوروبا أيضاً بشكل متزايد على إعادة تقييم علاقاتها مع تايوان، وتعزيزها.
ونقلت الصحيفة عن يانكا أورتيل، مديرة برنامج آسيا في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، قولها: "للمرة الأولى في التاريخ، وبطريقة مهمة جداً، حدث تحوّل طفيف ولكن ملحوظ في التصوّرات الأوروبية بشأن تايوان، ثمة إدراك واضح بأن الوضع في تايوان يقلق الأوروبيين، ليس فقط من منظور القيم ولكن من منظور هيكل الأمن الإقليمي".
كمامات وأشباه موصلات
المصالح الاقتصادية لأوروبا في الصين ضخمة، ولم تُظهر أي نية للتخلّي عن سياستها المديدة بالاعتراف بموقف بكين بأن هناك حكومة صينية واحدة، كما أن أوروبا مترددة وليست مستعدة للتدخل عسكرياً في المحيطين الهندي والهادئ، مقارنة بتركيز مكثف لواشنطن على ردع الصين عن مهاجمة تايوان.
لدى فرنسا ما لا يقلّ عن 1.5 مليون مواطن في المحيطين الهندي والهادئ، ونحو 8 آلاف جندي متمركزين بشكل دائم، ولكن ليس لدى أي دولة أوروبية أخرى وجود عسكري دائم في المنطقة، أو تعتزم فعل ذلك، على غرار الولايات المتحدة، واختارت سفينة حربية ألمانية تجنّب مضيق تايوان، بعد تحذير من بكين، فيما أرسلت بريطانيا حاملة طائرات جديدة عبر المضيق في سبتمبر الماضي.
ومع ذلك، يعتبر كثيرون في تايوان وأوروبا أن الجزيرة شريك طبيعي بالنسبة للقارة العجوز، التي تفتخر بكونها "اتحاد قيم".
وسعت تايوان إلى تلميع صورتها عالمياً، إذ كبحت كورونا إلى حد كبير في الداخل، وأرسلت ملايين الكمامات إلى بلدان مختلفة، بما في ذلك في أوروبا، ونالت إشادات من مسؤولين في المنطقة. وفي الآونة الأخيرة، أبرز نقص مستمر في رقائق أشباه الموصلات، دور تايوان بوصفها محوراً لا غنى عنه في سلسلة التوريد العالمية للرقائق، التي تشغّل كل شيء، من أجهزة "آيفون" إلى السيارات الألمانية.
وقالت تيريزا فالون، مديرة "مركز دراسات روسيا وأوروبا وآسيا" (مقره بروكسل): "الديمقراطية المقترنة بالرقائق هي صيغة رابحة في أوروبا".
مكتب تمثيلي لليتوانيا
"نيويورك تايمز" ذكرت أن تايوان سعت إلى استغلال نقاط قوتها، إذ أمضى وفد البرلمان الأوروبي جزءاً كبيراً من زيارته التي استمرت 3 أيام، في الاجتماع مع مجموعات لأبحاث السياسات ومنظمات غير حكومية، ومناقشة كيفية مكافحة المعلومات المضلّلة.
وقال جلوكسمان إن أوروبا كانت تركّز بشكل تقليدي على تدخل روسيا، لا الصين، وأضاف: "الامتناع عن التعاون مع تايوان خطأ، إذ أين يمكنك أن تجد معرفة أفضل بالنظام الصيني من هنا؟".
كذلك سعت تايوان إلى تعزيز علاقاتها التجارية مع أوروبا، وأرسلت وفداً ضمّ 66 مسؤولاً ورجال أعمال إلى تشيكيا وسلوفاكيا وليتوانيا، لمناقشة الاستثمار والتعاون الصناعي.
وفي حين يتمحور الهدف النهائي لتايبيه حول التوصّل إلى اتفاق استثمار مع أوروبا، فإنها تركّز أيضاً على إضفاء طابع مؤسّساتي على علاقاتهما، لمواجهة جهود بكين من أجل عزلها دبلوماسياً، ففي السنوات الأخيرة، قلّصت الصين عدد الشركاء الدبلوماسيين الرسميين لتايوان.
وحده الفاتيكان في أوروبا، هو من 15 حليفاً متبقياً لتايبيه، لكن تايوان حققت فوزاً محدوداً هذا العام، بعدما مضت ليتوانيا في خططها لفتح مكتب تمثيلي في تايبيه، مطلع العام المقبل، على الرغم من غضب بكين.
وقال تشو تشونج هانج، مدير "معهد الدراسات الأوروبية" في جامعة تامكانج بمدينة تايبيه الجديدة: "تجهد تايوان لجذب الاتحاد الأوروبي، من أجل تنويع صادراتها وتقليص اعتمادنا على الصين، تحاول تايوان اغتنام هذه الفرصة لإقامة علاقات أكثر استدامة وتطبيعاً مع أوروبا".
"لحظة تأمل ذاتي لأوروبا"
في المقابل، احتجت بكين وتعهدت باتخاذ إجراءات مضادة ضد كل محاولة للتواصل مع تايوان، بما في ذلك استدعاء سفيرها من ليتوانيا، في أغسطس الماضي، لكن الصين قد تكون حذرة من المجازفة بوصولها إلى السوق الأوروبية، ودفع التكتل أكثر نحو الولايات المتحدة.
وفي الشهر الماضي، تحدث رئيس المجلس الأوروبي، شارل ميشال، مع الرئيس الصيني شي جين بينج، للمرة الأولى منذ تعطّل اتفاق الاستثمار في مايو الماضي، وبعد ذلك، كتب ميشال على "تويتر" أن الجانبين اتفقا على عقد قمة افتراضية قريباً.
شي ينهونج، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين ببكين، يرى أن الصين ليست مستعدة للتراجع في مسائل تعتبرها مصالح أساسية، مثل تايوان وشينجيانج، وقال بشأن الإجراءات الأوروبية الأخيرة لدعم تايوان: "هذا ما تكره الصين رؤيته، هذا ليس ما يجعل الحكومة الصينية سعيدة، ولكن يبدو أن لا مخرج من كل ذلك في المستقبل القريب".
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن لدى النواب الأوروبيين مساحة أكبر من نظرائهم في المجلس الأوروبي أو المفوضية الأوروبية، للقيام بلفتات سياسية قوية لمصلحة تايوان، واعتبرت أن الحكومة الجديدة في ألمانيا وانتخابات الرئاسة المرتقبة في فرنسا، ستكونا حاسمتين في تشكيل علاقة المنطقة مع بكين وتايبيه.
وقالت زسوزسا آنا فيرينزي، وهي باحثة مقيمة في تايبيه ومستشارة سياسية سابقة في البرلمان الأوروبي: "يمرّ الاتحاد الاوروبي بلحظة التأمل الذاتي هذه، ما نوع العلاقات التي نريدها مع الصين؟ وما نوع العلاقات التي نرغب في إقامتها مع تايوان؟ إنهما السؤالان الكبيران اللذان لا يزالان ينتظران معالجتهما".
اقرأ أيضاً:




