
نددت الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا ومجلس أوروبا، بقرار المحكمة العليا الروسية، التي أمرت الثلاثاء، بحل منظمة "ميموريال إنترناشونال" الحقوقية، التي كانت تحقق لأكثر من 3 عقود في "عمليات القمع السوفيتية"، ما أثار انتقادات في أوروبا، وتنديداً بقرار المحكمة الروسية.
واتهم المدعي العام الروسي أليكسي جافياروف المنظمة بـ"خلق صورة خاطئة لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية كدولة إرهابية".
وقالت القاضية آلا نازاروفا إنها "أيدت طلب النيابة العامة لحل ميموريال إنترناشونال، ومكاتبها في المناطق وهيئاتها الأخرى".
وعلّلت قرارها على خلفية خرق المنظمة لتصنيفها على أنها "عميل أجنبي"، لعدم وضعها علامة على جميع منشوراتها بناء على ما ينص عليه القانون.
ويعتبر قانون "العملاء الأجانب"، أن المنظمات التي تحصل على تمويل أجنبي تعمل بشكل يتعارض مع مصالح روسيا.
ونفى محامو "ميموريال" ومؤسسوها أن يكونوا ارتكبوا أي انتهاكات خطيرة، مشيرين إلى أن منشورات المنظمة كانت تحمل العلامة المناسبة، باستثناء عدد ضئيل للغاية من الوثائق.
كما تطالب النيابة بحل مركز الدفاع عن حقوق الإنسان التابع للمنظمة، والمتهم بدعم "الإرهاب والتطرف". ومن المقرر عقد جلسة استماع الأربعاء أمام محكمة في موسكو.
وحُكم الاثنين على يوري دميترييف وهو أحد مؤرخي منظمة "ميموريال"، بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة "الاعتداء الجنسي". وندد بالمحاكمة التي اعتبرها عقاباً له على أبحاثه حول "القمع السوفياتي".
استياء وقلق غربي
من جانبه، أعرب وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، عن "استيائه" و"قلقه" بعد قرار القضاء الروسي بحل منظمة "ميموريال" غير الحكومية.
وقال لودريان في بيان، إن "حل ميموريال الدولية يشكل خسارة رهيبة للشعب الروسي الذي من حقه الإفادة من معرفة صحيحة لماضيه، ومن مجتمع يقوم على القيم الأساسية التي يحمل مجلس أوروبا لواءها".
وأضاف: "يعد عملها العلمي المتميز لصالح معرفة أفضل بالجرائم الجماعية في القرن العشرين، من خلال جمع الأرشيفات والشهادات ودراسات المؤرخين، مساهمة أساسية في التاريخ المعاصر، وإعادة تأهيل ضحايا القمع والذاكرة الجماعية بشكل أكثر شمولاً".
وتابع لودريان: "في هذا العام الذي يصادف الذكرى المئوية لميلاد أندريه ساخاروف، مؤسس هذه المنظمة والحائز جائزة نوبل للسلام، فإن هذا الإعلان مقلق للغاية بالنسبة لمستقبل البحث التاريخي والدفاع عن حقوق الإنسان في روسيا". واعتبر لودريان أن الحكم على المؤرخ "مقلق للغاية".
وقال "فرنسا، مثل شركائنا في الاتحاد الأوروبي، تدعو إلى إطلاق سراحه وستواصل مراقبة وضعه بأكبر قدر من الاهتمام".
كما اعتبرت وزارة الخارجية الألمانية أن قرار المحكمة الروسية العليا بحل منظمة "ميموريال"، "غير مفهوم".
وقالت متحدثة باسم الخارجية في بيان: "ينبغي الإصغاء إلى الانتقادات المشروعة لمنظمات على غرار ميموريال"، مؤكدة أن هذا القرار "يقلقنا لأنه يلغي أصوات ضحايا الظلم والقمع".
ونددت الأمينة العامة لمجلس أوروبا ماريا بتشينوفيتش الثلاثاء، بحل "ميموريال"، وقالت في بيان "يبدو أن روسيا الاتحادية تبتعد أكثر فأكثر من معاييرنا وقيمنا الأوروبية المشتركة"، مؤكدة أن "وجود منظمات المجتمع المدني وتطورها هما ركن أساسي في أي ديموقراطية أوروبية".
"ازدراء لحقوق الإنسان"
ونددت واشنطن بحل منظمة "ميموريال انترناشونال"، ووصفت ذلك بأنه "ازدراء" لحقوق الإنسان.
وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن في بيان إن "ملاحقة منظمة ميموريال انترناشونال، ومركز ميموريال لحقوق الإنسان، هو ازدراء لمهامهما النبيلة ولقضية حقوق الإنسان في كل مكان"، في إشارة أيضاً إلى مركز حقوق الانسان التابع للمنظمة الذي يواجه بدوره خطر الإغلاق.
وأضاف أن القرار "يأتي بعد عام من التقلص السريع للمساحة المتاحة للمجتمع المدني المستقل والإعلام والنشطاء المؤيدين للديمقراطية في روسيا".
اعتراض داخل المحكمة
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن محامية الدفاع ماريا إيسمونت قولها "هذا قرار مسيء وظالم وضار لبلادنا". وبعد تلاوة نص الحكم هتف أشخاص عديدون في قاعة المحكمة "عار".
وعبر المحامون عن موقفهم بعد ذلك أمام المحكمة مؤكدين أنهم سيستأنفون الحكم. بعد ذلك حض عناصر الشرطة أنصار المنظمة غير الحكومية والصحافيين على مغادرة جوار مبنى المحكمة. وقد أوقف ما لا يقل عن 6 أشخاص قبل صدور الحكم وبعده، وفق فرانس برس.
ولاحقاً، تعهدت "ميموريال" إيجاد "سبل قانونية" لمواصلة أنشطتها، وقالت في بيان إن "ميموريال ليست منظمة ولا حتى حركة اجتماعية. ميموريال تمثل حاجة مواطني روسيا إلى معرفة حقيقة ماضيها المأسوي ومصير ملايين من الأشخاص. ولا يمكن لأحد القضاء على هذه الحاجة".
وتتهم السلطات "ميموريال إنترناشونال" بتشويه ذكرى الاتحاد السوفياتي وانتصاراته، وإعادة الاعتبار "للمجرمين النازيين". ويمثّل قرار المحكمة المبرم والذي لا يمكن استئنافه أمام محكمة في روسيا، أكبر ضربة تتعرّض لها المنظمة التي أسسها معارضون للحكم السوفياتي عام 1989، بينهم أندريه ساخاروف، الحائز جائزة نوبل للسلام.
وتعد "ميموريال" هيئة مكوّنة من منظمات مسجّلة محلياً، فيما تحتفظ "ميموريال إنترناشونال" بأرشيفات الشبكة الواسعة في موسكو وتنسق عملها، وأمضت المجموعة سنوات في توثيق أحداث الحقبة السوفياتية، خصوصاً في شبكة من معسكرات الاعتقال السوفياتية.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في وقت سابق من الشهر الجاري، إن "ميموريال تدافع عن المنظمات الإرهابية والمتطرفة".
وتأتي المحاكمات بعدما حجبت روسيا موقع منظمة "أو في دي-انفو" الحقوقية، المتعاونة مع "ميموريال" قبل أيام، متهمة إياها بـ"الترويج للإرهاب والتطرف".




