
يستعد كورت كامبل، مسؤول ملف آسيا في البيت الأبيض، لزيارة جزر سليمان، في رحلة نادرة على مستوى بارز، تؤكد قلق واشنطن بشأن اتفاق أمني أبرمته الدولة الواقعة في المحيط الهادئ، مع الصين.
وسيزور كامبل جزر سليمان هذا الشهر، برفقة دانيال كريتنبرينك، أبرز مسؤولي ملف آسيا في وزارة الخارجية الأميركية، حسبما أوردت صحيفة "فاينانشال تايمز".
وتأتي زيارتهما بعدما برزت جزر سليمان بوصفها ساحة معركة استراتيجية، بين الولايات المتحدة والصين. وأعربت واشنطن عن قلق متزايد بشأن جزر سليمان، بعدما حوّلت علاقاتها الدبلوماسية من تايبه إلى بكين، في عام 2019.
وتكثفت هذه المخاوف، بعد تسريب مسوّدة اتفاق أمني تمنح بكين موطئ قدم في جزء من المحيط الهادئ، يُعدّ أقرب إلى أستراليا ونيوزيلندا وهاواي من الصين.
مسوّدة الاتفاق تمكّن الصين من نشر جنود وعناصر شرطة في الجزر، وتنصّ أيضاً على أن يحرس عناصر أمن صينيين أيّ سفن صينية ترسو في جزر سليمان.
وأعلنت جزر سليمان أواخر الشهر الماضي أنها والصين وقّعتا الاتفاق بـ"الأحرف الأولى"، في انتظار إبرامه رسمياً بواسطة وزيرَي خارجية البلدين.
رئيسا الاستخبارات الأسترالية
ونقلت "فاينانشال تايمز" عن مسؤول بارز في وزارة الخارجية الأميركية قوله، "إنه اتفاق واسع جداً، ويبدو أنه يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لنشر قوات أمنية وعسكرية صينية مستقبلاً في جزر سليمان. لدينا مخاوف بشأن ما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى المصالح الأمنية لأصدقائنا في جزر المحيط الهادئ".
وأضاف: "سنكون قلقين من أن نشر عناصر أمن صينيين، أو ربما قوات عسكرية، في المنطقة بطريقة غير شفافة وغير تعاونية، يُرجّح جداً أن يؤدي إلى مفاقمة التوتر" في المنطقة.
رئيس وزراء جزر سليمان، ماناسيه سوغافاري، نفى أن يكون الاتفاق يسمح للصين بتشييد قاعدة عسكرية في بلاده. لكن أندرو شيرر، رئيس مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي، وبول سايمون، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية في أستراليا، زارا هونيارا، عاصمة جزر سليمان، هذا الأسبوع، في تأكيد لمخاوف في هذا الصدد.
"مفاجأة استراتيجية"
خلال الحرب العالمية الثانية، شهدت جزر سليمان معركة بين عامَي 1942 و1943، أدت دوراً محورياً في تحويل مسار الحرب ضد مصالح اليابان، التي أرادت تشييد قاعدة جوية على الجزر. وفي يناير الماضي، قال كامبل أمام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن المحيط الهادئ هو المنطقة التي يُرجّح أن تشهد "مفاجأة استراتيجية"، مثل تشييد قاعدة صينية فيها. وحذر من أن لدى الولايات المتحدة وحلفاءها "فترة زمنية وجيزة جداً... لتكثيف (جهودنا) في كل المجالات".
وقال تشارلز إيدل، وهو باحث أسترالي في المركز الذي يتخذ واشنطن مقراً، إن الاتفاق مقلق لأن لدى بكين سجلاً في إنكار أنها ستفعل أموراً، مثل التعهد بالامتناع عن عسكرة جزر في بحر الصين الجنوبي، قبل فعل ذلك لاحقاً.
وأضاف: "القواعد الصينية ستوجد دوائر نفوذ تعيد تشكيل سياسات المنطقة، وتهدد حلفاءنا، ويمكنها في أيّ نزاع أن تؤخر وتقلّص تدفق القوات الأميركية إلى المنطقة. عندما يُبرز الجيش الصيني قوته في المحيط الهادئ، فإن ذلك يمنحه مزيداً من القدرة على مراقبة القوات الأميركية وتتبّعها واستهدافها".
"شركاء المحيط الهادئ"
وأشارت "فاينانشال تايمز" إلى أن زيارة كامبل تستهدف تجديد الانخراط مع جزر سليمان، علماً أنها تأتي فيما تخطّط الولايات المتحدة لفتح سفارة في البلاد، للمرة الأولى منذ عام 1993.
ونقلت الصحيفة عن مصدر أن كامبل يُعدّ مبادرة أُطلق عليها "شركاء المحيط الهادئ"، لمساعدة الدول الجزر في هذا المحيط على مواجهة نشاطات قسرية تنفذها الصين.
وشددت كارولاين كينيدي، ابنة الرئيس الأميركي السابق جون كينيدي، والتي رُشّحت لشغل منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى أستراليا، على وجوب أن تكون واشنطن "أكثر بروزاً" في المنطقة.
في السياق ذاته، اعتبر النائب الجمهوري مايك جالاجر أن الاتفاق يشكّل "صفقة كبرى"، تؤكد أن واشنطن لم تهتم بشكل كافٍ بالجزر في المنطقة، من بابوا غينيا الجديدة إلى فانواتو. واعتبر أنه على الولايات المتحدة بناء المزيد من الشراكات الإبداعية في المنطقة، لا سيّما للإعداد لنزاع محتمل مع الصين بشأن تايوان. وأضاف: "قد يعتقد بعضهم أن جزر سليمان صغيرة، لكن ذلك مؤشر ضخم على أننا أهملنا هذه المنطقة لفترة طويلة".
اقرأ أيضاً:
"فيلق السلام"
أما كاثرين إيبرت جراي، التي أدارت العلاقات مع جزر سليمان بوصفها سفيرة للولايات المتحدة في بابوا غينيا الجديدة، حتى أواخر عام 2019، فذكرت أن السكان المحليين اعتبروا أنهم طالبوا الولايات المتحدة طيلة سنوات بأن تكون أكثر انخراطاً في شؤون بلدهم، مستدركين أن واشنطن كانت تتابع أولويات كثيرة، كما أن أستراليا أدت عملاً جيداً في إدارة العلاقات مع هونيارا.
ولفتت إيبرت جراي إلى أن تركيز الولايات المتحدة على جزر سليمان تجدد في السنوات الأخيرة، حتى قبل أن تحوّل علاقاتها الدبلوماسية من تايبه إلى بكين. وتابعت: "عندما بدأت مهمتي بوصفي سفيرة في المنطقة، لم يكن هناك أيّ اهتمام لواشنطن بفتح سفارة جديدة، لكننا واصلنا الدفع في هذا الاتجاه وحصل ارتداد سريع، مع استمرار الصين في تعزيز نفوذها".
وأشارت إيبرت جراي إلى قرار "فيلق السلام" ببدء برنامج في جزر سليمان، بعد توقف لعقدين، علماً أن الفيلق هو وكالة مستقلة وبرنامج تابع للإدارة الأميركية يدرّب متطوّعين وينشرهم، من أجل تقديم مساعدة إنمائية دولية.
تكتيكات "فرِّق تسُد"
في فبراير الماضي، زار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، فيجي، التي تشهد أيضاً تنافساً على النفوذ بين الولايات المتحدة والصين، وتعهد بتقديم مزيد من المساعدة للمنطقة، بشأن الاحتباس الحراري وفيروس كورونا المستجد.
ونقلت "فايننشال تايمز" عن المسؤول البارز في وزارة الخارجية الأميركية إن الولايات المتحدة تبرّعت لجزر سليمان هذا الأسبوع، بأكثر من 52 ألف جرعة من لقاحات كورونا، بعد تبرّعها بـ100 ألف جرعة أواخر العام الماضي. وأضاف أن واشنطن تساعد أيضاً في إزالة أسلحة غير منفجرة من حقبة الحرب العالمية الثانية، فيما كان خفر السواحل الأميركي يتصدّى لصيد غير شرعي.
واعتبر آمي بيرا، الرئيس الديموقراطي للجنة الفرعية لملف آسيا في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، أنه كان على الولايات المتحدة التأكد من ألا تستخدم الصين اتفاقات أمنية في المنطقة، مثلما اعتمدت تكتيكات "فرِّق تسُد" في بحر الصين الجنوبي، لعسكرة شعاب مرجانية وجزر بشكل تدريجي.
وأضاف، في إشارة إلى الصينيين: "إمنحهم شبراً واحداً، فسيأخذون قدماً. إمنحهم قدماً، فسيأخذون ساحة. يجب أن توقفهم عند ذاك الشبر الأول. منعُ الحرب أسهل بكثير من خوض مواجهة مباشرة". وشارك بيرا في طرح "قانون المحيط الهادئ الأزرق"، ويستهدف تعزيز تمويل الدبلوماسية والتنمية من أجل مواجهة الصين.
اقرأ أيضاً:




