
قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إن بلاده "لا تأخذ التهديدات النووية الروسية على محمل الجد"، واصفاً الاستفتاءات التي أجرتها روسيا في شرق أوكرانيا، والاتفاقيات التي وقعت في الكرملين، الجمعة، بأنها "حيلة علاقات عامة دموية مبنيّة على ضحايا من البشر".
وأشاد الرئيس الأوكراني بوساطة ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان للإفراج عن أسرى كانت روسيا تحتجزهم.
وقال زيلينسكي خلال مقابلة حصريّة أجراها من كييف عبر منصّة "زوم" مع مقدّمة برنامج Frankly Speaking كاتي جنسن، والذي تنتجه "عرب نيوز": "لست متأكداً من نوع الاستفتاءات التي أجروها، إذ لا وجود لمثل هذه الاستفتاءات لدينا في أوكرانيا، وليس لدينا أي قانون لهذا الغرض حتّى".
وأعلنت روسيا أن نتيجة الاستفتاءات التي أجريت في أقاليم لوغانسك ودونيتسك وزابوروجيا وخيرسون شهدت "تصويت الأغلبية الساحقة لمصلحة الانضمام إلى الاتحاد الروسي"، في حين يرى الكثير من المراقبين الدوليين أن العملية كانت "مزورةً".
زيلينسكي، رفض أيضاً زعم بوتين مؤخّراً بتحقيق "انتصارات كبيرة في ساحة المعركة"، إذ شهد الأسبوع الماضي، إعادة القوات الأوكرانية بسط سيطرتها على مدينة ليمان الاستراتيجية الواقعة شرقاً في أحد الأقاليم الأربعة التي ضمتها روسيا، ما دفع بموسكو إلى إعلان انسحاب قواتها إلى "خطوط أكثر ملاءمةً".
وقال زيلينسكي "من الواضح أن ما يعلنون عنه يختلف عما هم قادرون على فعله. فقد قالوا إنهم سيحتلّون أرضنا وأمتنا. ولكن بعد ثمانية أشهر من الحرب، يمكنني أن أقول لك إننا استعدنا مدينةً أخرى، مدينة ليمان في دونيتسك أوبلاست، المدينة نفسها التي أعلنت روسيا احتلالها بالكامل منذ بضعة أيام".
وأضاف قائلاً: "يمكنني أن أؤكّد لروسيا وللشعب الروسي أننا، على عكس موسكو، لسنا مهتمين بالأراضي الروسية. إننا مهتمون بأرضنا وبحدودنا كما اعتُرف بها دولياً عام 1991".
3 أسباب للانتصار
وزعزعت الحرب في أوكرانيا المنطقة والنظام الجيوسياسي والاقتصادي العالمي بسبب التحوّلات التي طرأت على تجارة الطاقة وارتفاع كلفة النفط والغاز، إضافة إلى إعادة تشكيل سلاسل التوريد، حسبما ذكرت "عرب نيوز".
وقالت الصحيفة، إن أكثر من 6 ملايين أوكراني فروا إلى البلدان المجاورة، في حين تصاعدت التوترات الدبلوماسية مع تزايد الضغوط على الدول لاختيار طرف تدعمه. وتزامن كلّ ذلك أيضاً مع مخاوف متنامية بشأن الأمن الغذائي العالمي.
وفيما ساد جوّ من القلق بين زعماء العالم مرّةً جديدةً بعد انتشار خبر ضمّ بوتين لأربعة أقاليم أوكرانية، وعدم وجود نهاية واضحة للحرب في الأفق، رأى زيلينسكي، أن هناك 3 عناصر ستسهم في انتصار أوكرانيا في نهاية المطاف.
وقال زيلينسكي إنه "انتصار عظيم لأي دولة حول العالم عندما يتّحد شعبها وعندما يكون الناس قادرين على تخطّي بعض الخلافات الصغيرة والاختلافات التاريخية. هذا مهم جداً".
وأضاف: "النقطة المهمة الثانية هي أننا نحرز تقدّماً ضدّ ثاني أكبر جيش في العالم. واستطعنا أن نُظهر أن القوة الحقيقية تكمن في الوحدة، لا في التسلّح".
واعتبر أن النصر الثالث هو "نجاحنا في توحيد أوروبا والعالم بأسره. قبل الحرب كان كلّ شخص يهمّه نفسه فقط. أمّا الآن، فنرى هذه الوحدة ونعي أنه ستكون هناك الكثير من التحديات على المستوى الدولي أيضاً وسيكون هناك المزيد منها في المستقبل".
الرد على التهديدات الروسية
وفي مقابل تفاؤل زيلينسكي، تعهّدت موسكو بعدم التخلي عن المناطق التي ضمّتها حديثاً وبالدفاع عنها بكافّة الوسائل المتاحة. وذهب زعيم جمهورية الشيشان رمضان قديروف إلى حدّ اقتراح استخدام أسلحة نووية تكتيكية في أوكرانيا.
ورفض زيلينسكي هذه التهديدات، واصفاً قديروف بأنه "إرهابي لم ينتخبه شعبه حتّى".
وأشار إلى أن "هذا ليس بتهديد جدّي. إذ كيف يمكن لشخص ما أن يهدّد الآخرين بأسلحة نووية في عالمنا الحديث؟ نعم، يوجد الكثير من الإرهابيين حول العالم ويوجد قتلة، لكن لا يمكنني أن أنحدر إلى مستوى إرهابي مثل هذا وأتحدّث معه".
انضمام أوكرانيا للناتو
ووقّع زيلينسكي، عقب ضمّ الأقاليم الأوكرانية، على طلب يهدف إلى تسريع عمليّة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو". ومع ذلك، ينظر العديد من المشكّكين إلى هذا الطلب على أنه من دون جدوى، ولا سيما نظراً إلى أن ردّ واشنطن لم يُشر إلى أي "إجراء فوري".
فيوم السبت، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جايك سوليفان إن الولايات المتحدة ترى أن طلب انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) "يجب التطرّق إليه في وقت آخر".
وقال سوليفان: "نرى حالياً أن أفضل طريقة يمكننا من خلالها أن ندعم أوكرانيا هي عبر تقديم دعم عملي على الأرض في أوكرانيا، أما العملية في بروكسل فيجب التطرّق إليها في وقت آخر".
وعلى الرغم من ذلك، قال زيلينسكي إنه على الدول "أن تنتبه للحقائق فقط، لا للكلمات فحسب".
كما أشار إلى أن "10 حلفاء، وهم أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قد صرّحوا معبّرين عن دعمهم الكامل لأوكرانيا. يجب أن ينضمّ بلدنا إلى حلف الناتو بأسرع وقت ممكن".
وأكمل شارحاً: "أفضّل أن أقول متى بالإشارة إلى الجغرافيا، لا الوقت، إذ أعتقد أن ذلك قد يحدث عندما نصبح واقفين عند حدودنا".
رفض التفاوض مع بوتين
وكرّر الممثل الأوكراني الذي أصبح زعيماً في زمن الحرب رفضه عرض التفاوض الذي تقدّم به بوتين، مشدّداً من جديد على أنه لن يتفاوض إلا مع "رئيس آخر".
وأضاف: "حذرناهم وقلنا لهم إذا كنتم تريدون إجراء هذه الاستفتاءات المزيفة، فسنرفض الدخول في محادثات إضافية مع رئيس الاتحاد الروسي، لأن الرئيس الروسي غير قادر على احترام القانون والقانون الدولي والدستور، ليس فقط دستورنا بالمناسبة، بل دستور بلاده أيضاً، فلو كان يحترم الدستور لما انتهك سلامة أراضينا".
وتساءل زيلينسكي: "هل أنا في وضع يسمح لي بالتحدث معه؟ فهو ليس برئيس".
مع ذلك، يبدو أنه يوجد مجال للوساطة وللمبادرات التي يمكنها أن تساعد في حلحلة مختلف القضايا الملحّة مثل تبادل الأسرى والإفراج عن الحبوب المحتجزة في البحر الأسود من مرافئ الجنوب الأوكراني.
وساطة سعودية
وخلال الشهر الماضي، توسّطت السعودية في عملية تبادل أسرى بين روسيا وأوكرانيا، حيث أدّت دوراً دبلوماسياً مهماً بين الدولتين المتحاربتين.
وفي هذا السياق، قال زيلينسكي: "أودّ أن أتوجّه بالشكر إلى السعودية على الجهد الذي بذلته. ونظراً للعلاقات التي يمتلكها ولي العهد مع روسيا، كانت فرص النجاح مرتفعةً على الأغلب وأنا ممتن جداً له على هذه النتيجة الرائعة".
وتضمّن الاتفاق عودة نحو 300 شخص، بما في ذلك 10 رعايا أجانب إلى أوطانهم، ما شكّل أول الإنجازات القليلة جداً التي شهدتها الحرب.
وقالت وزارة الخارجية السعودية حينها إن المبادرة جاءت بدعم من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان واستمراراً لجهوده في تبني المبادرات الإنسانية تجاه الأزمة الروسية-الأوكرانية.
وأكّد زيلينسكي أن بلاده : "منفتحة على أي مقترحات عندما يتعلّق الأمر بالنتائج الواجب تحقيقها، نتائج هكذا جهود".
مسيرات إيرانية في الحرب
وبينما كانت السعودية تحاول التوسّط، اتهمت كييف إيران بالكذب على كبار المسؤولين الأوكرانيين وبيع مسيّرات إلى روسيا.
وأسقطت القوات الأوكرانية مسيّرات "كاميكازي" (انتحارية) إيرانية الصنع تمّ بيعها إلى روسيا بهدف استهداف المدنيّين، ما دفع بزيلينسكي إلى طرد الدبلوماسيين الإيرانيين من البلاد.
وشرح زيلينسكي قائلاً: "من المؤسف أنه علينا الإقرار بأن الحكومة الإيرانية تكذب، تماماً مثلما تفعل حكومة الاتحاد الروسي، لأننا تواصلنا مع أكبر القادة الإيرانيين. كما تواصلنا مع السفارة وطلبنا من السفير الحضور إلى وزارة الشؤون الخارجية وقد أكدوا لنا بأنه لم يتمّ بيع أي شيء لروسيا وبأن تلك المسيّرات ليست مسيراتهم، ولا وجود لشيء من هذا القبيل".
وأضاف: "لدينا عدد من هذه المسيّرات الإيرانية الصنع التي تمّ إسقاطها، وقد تمّ بيعها لروسيا لقتل شعبنا. وهي – كما قلتِ – تُستخدم ضدّ البنى التحتيّة المدنيّة والمدنيين، المدنيين السلميين. ولهذا السبب، طردنا الدبلوماسيين الإيرانيين من بلدنا. فليس لدينا ما نناقشه معهم".
التطلع إلى المستقبل
وفيما تستعر نيران الحرب، يتطلّع زيلينسكي إلى المستقبل، حيث يُصرّ على وجود فرص كبيرة للدول العربية للاستثمار في إعادة بناء أوكرانيا.
وقال: "نودّ حقاً أن يكون لشركات عربية ولدول عربية وجود في بلدنا وأن تعمل فيه. نحن مستعدون لتقديم شروط وأحكام رائعة للشركات كتلك المرتبطة بالضرائب. كما يوجد أيضاً هدف طموح لكلّ بلد يودّ أن يأتي إلى أوكرانيا وبحوزته فكرة تسهم بالتعافي".
وأضاف: "ستتوّفر أيضاً فرص للشركات الخاصة وللدول العربية للمساهمة في إعادة البناء البلاد، في سبيل إعادة إنعاش الدولة بأكملها والأمة".
"اتهام غير عادل"
ومع ذلك، أظهرت دراسة حديثة أجرتها صحيفة "عرب نيوز" بالتعاون مع شركة YouGov للأبحاث والدراسات في شهر مايو، أن غالبية العرب (66%) لا يكترثون للصراع الروسي-الأوكراني. علاوة على ذلك، وجّه غالبية المجيبين من العالم العربي أصابع اللّوم في الحرب المستعرة ليس إلى روسيا بل إلى الرئيس الأميركي جو بايدن وحلف الناتو، بسبب عدم سماحهما لأوكرانيا بالانضمام إلى الحلف قبل سنوات، وهو استنتاج لا يوافق عليه زيلينسكي.
وشرح زيلينسكي قائلاً: "في الحقيقة، روسيا هي من بدأ هذه الحرب وهي الوحيدة التي تتحمّل اللّوم. ما الإجراءات الأخرى التي كان يمكن للغرب الموحّد أن يتّخذها لتفادي هذه الحرب؟ ربما يمكنهم فعل المزيد، ولكن إلقاء اللّوم على الولايات المتحدة والقول إنها هي التي تسبّبت بالحرب، هو أمر غير عادل وبعيد كلّ البعد عن الحقيقة. وحدها روسيا تتحمّل مسؤولية الحرب".
في دول مجلس التعاون الخليجي وبلاد الشام وشمال أفريقيا، وعلى الرغم من أن حلف الناتو يُنظر إليه في كثير من الأحيان على أنه الطرف المسؤول عن الصراع، جاء توزيع اللّوم أكثر توازناً.
فالمجيبون في دول الخليج، على سبيل المثال، يلومون حلف شمال الأطلسي 23% على الحرب أكثر بقليل مما يلومون روسيا 19%.
وعلى الرغم من أن الدول العربية الكبرى، على غرار المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة قد ارتأت إدانة العدوان الروسي خلال تصويت في الأمم المتحدة في شهر مارس الماضي، إلّا أنها ظلّت محايدةً إلى حد كبير، وأعربت عن رغبتها في التوسّط بين موسكو وكييف.
اقرأ أيضاً:




