
يشتدّ التنافس بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي استعداداً لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المقررة بعد نحو شهر من الآن، خصوصاً وأنها قد تعيد تشكيل الوجه السياسي لأميركا.
ويعوّل الجمهوريون والديمقراطيون في الفوز بمجلسي النواب والشيوخ، على إثارة القضايا الأكثر إلحاحاً بالنسبة للناخبين، فما أولويات الأميركيين الآن؟ وهل أصبح التضخم والاقتصاد على رأس الاهتمامات؟ أم أن قضية الإجهاض تحتلت الصدارة؟ وماذا عن قضايا الهجرة والتغير المناخي وتقييد السلاح؟
ليس عاماً استثنائياً
رغم تداخل عوامل عدة يمكن أن تحدد خيارات الناخبين في صناديق الاقتراع، إلا أن البيانات الصادرة عن مؤسسات استطلاعات الرأي العام الأميركية، تشير إلى أن الاقتصاد كان ولايزال، القضية الأساسية في معظم الانتخابات الوطنية، سواء كانت انتخابات نصفية أو رئاسية، وهذا العام لا يشكل استثناء، ولهذا فإن التضخم على وجه الخصوص، يعد أبرز اهتمامات الأميركيين التي قد تحرك سلوكهم الانتخابي في 8 نوفمبر المقبل.
ووفقاً لاستطلاع أخير أجرته شبكة "سي بي إس نيوز" قبل أيام، فإن الاقتصاد والتضخم لا يزالان من أهم القضايا المثيرة للقلق، فرغم ملاحظة أكثر من نصف الناخبين للتراجع النسبي في أسعار وقود السيارات، إلا أن غالبية الناخبين يتوقعون أن يدخل الاقتصاد الأميركي في حالة ركود العام المقبل، كما وافق 40% فقط على طريقة تعامل الرئيس جو بايدن وإدارته مع الاقتصاد.
تأثير التضخم
في المقابل، يرى البروفيسور تيم جروسكلوز، أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج ميسون الأميركية، أنه رغم اهتمام الأميركيين بالتضخم، إلا أن الأسواق المالية تشير إلى أنه سينخفض.
وأوضح جروسكلوز لـ"الشرق"، أن أسواق العقود الآجلة على سبيل المثال تشير إلى أن سعر الذرة سينخفض بنحو 5 إلى 10% من الآن وحتى موعد الانتخابات، كما تشير الأسواق نفسها أيضاً إلى أن سعر النفط والقمح والأرز سينخفض بنحو 1% على الأقل.
وأضاف أن شيئاً مشابهاً يحدث مع أسعار الفائدة، إذ يبلغ معدل الفائدة على سندات الخزانة الأميركية حالياً لأجل 10 سنوات حوالي 3.67%، وإذا اعتقد التجار والمتعاملون أن التضخم سيستمر عند 8%، فلن تكون الفائدة على السندات منخفضة إلى هذا الحد، بل ستقترب من 9 أو 10%، متوقعاً أن تتحقق أمنية الديمقراطيين بتراجع التضخم قليلاً خلال الشهرين المقبلين.
غير أن أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا ريتشارد جروبر، يعتقد أن التضخم لا يزال العامل الأول الأكثر تأثيراً في تحديد خيارات الناخبين الجمهوريين والمستقلين على وجه الخصوص.
لكنه أوضح في حديث لـ"الشرق" أن الأمر يختلف بالنسبة إلى الديمقراطيين، الذين يرون أن الإجهاض هي القضية رقم واحد، وتحفز الكثيرين، وخصوصاً المستقلين والمحايدين وكذلك الديمقراطيين الذين لم يصوتوا منذ وقت طويل.
أما أستاذة العلوم السياسية في جامعة ولاية فلوريدا لونا أتيكسون، فترى أن الأمور متباينة وتتغير بسرعة، وأن السؤال المطروح الآن، ما الذي سيكون على رأس أولويات الناس عندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع، وما الذي يفكرون فيه كمؤشر على اختياراتهم للتصويت، لكنها عبرت في حديث لـ"الشرق" عن اعتقادها بأن السبب وراء ذلك يعود إلى وجود بيئة إعلامية منقسمة وممزقة، تضخ تدفقات متباينة من المعلومات لأشخاص مختلفين بهدف حشدهم خلف قضية ما.
ومع ذلك، ترى أتيكسون المتخصصة في السلوك الانتخابي أن الاقتصاد والتضخم يمثل مشكلة حالية للناس، لأنه يتعين عليهم دفع أموال أكثر حينما يضعون البنزين في سياراتهم، وعندما يذهبون إلى متاجر البقالة، ما يشكل أعباءً أكثر على ميزانياتهم، ولهذا تعتقد في النهاية، أن الاقتصاد سيكون في أذهان الجميع عندما يدلون بأصواتهم في الانتخابات.
بيانات متضاربة
وتعكس هذه الرؤية أيضاً مؤشرات أخرى تشير إلى مدى سوء تقييم الأميركيين للأوضاع الاقتصادية حالياً، إذ وصل مؤشر الثقة الاقتصادية لمؤسسة "جالوب" إلى أحد أدنى مستوياته على مدار الـ30 عاماً الماضية، رغم أنه لم ينخفض إلى مستوى عام 2008، وقت حدوث أزمة الرهن العقاري التي أضرت بالاقتصاد الأميركي والعالمي.
ووفقاً لمؤسسة "جالوب" فإن 8 من كل 10 يصنفون الاقتصاد على أنه متوسط أو ضعيف، بينما يقول أكثر من ثلثيهم إن الاقتصاد يزداد سوءاً، وفي استطلاع آخر أجرته شبكة "إن بي آر" و "بي بي إس"، أعلن 7 من كل 10، أنهم اضطروا إلى تقليص نفقاتهم الشهرية خلال الستة أشهر الماضية.
لكن تراجع ثقة الأميركيين في الاقتصاد، تتناقض مع حقيقة أن حوالي 7 من كل 10، يقولون إن الوقت مناسب للعثور على وظيفة جيدة، وهو معدل يعد من بين أعلى القراءات عبر التاريخ.
ورغم موافقة معظم الأميركيين على قانون خفض التضخم الذي سنه الكونجرس أخيراً، إلا أنهم يتشككون في أنه سيقلل التضخم، بعد الإنفاق الفيدرالي الضخم الذي بدأ منذ عام 2020 مع ظهور وباء "كوفيد-19".
قضية الإجهاض
وغيرت قضية الإجهاض من المناخ السياسي في البلاد، خصوصاً مع تركيز وسائل الإعلام على القضية ودفع الحزب الديمقراطي مرشحيه لإثارتها في حملاتهم الانتخابية، وهو ما لاحظته شبكة "سي بي إس نيوز" عبر متابعة عمليات جمع أموال التبرعات، واستعداد الناس للتطوع في الحملات الانتخابية المؤيدة للإجهاض، ما أدى إلى زيادة تسجيل الناخبين الديمقراطيين وخاصة بين الشابات.
وحفز ذلك المرشحون الديمقراطيون للكونجرس لضخ ملايين الدولارات إلى الإعلانات التلفزيونية والرقمية عبر الانترنت، للتركيز على قضية الإجهاض، بينما حاول الجمهوريون في بعض الولايات تجنب الموضوع أو تصوير مواقفهم على أنها أكثر اعتدالاً، ما جعل هذه القضية تقفز إلى مستوى أعلى في سلم أولويات الناخبين، قبل تغير المناخ، والهجرة، رغم أنها تأتي خلف الاقتصاد والتضخم.
ولا تنفي لونا أتكيسون، التي تشغل أيضاً منصب مديرة معهد "ليروي كولنز" في جامعة ولاية فلوريدا، أن الإجهاض عامل مهم في اتخاذ القرار، لكنها تعتقد أنه مسألة تعبئة وحشد للديمقراطيين، وبخاصة بالنسبة للناخبات الشابات، ويمكن أن تكون عاملاً إيجابياً بالنسبة للمرشحين الديمقراطيين حيث تتقاطع مع قضية الاقتصاد.
ومع ذلك، ترى أتكيسون أن الاقتصاد ما يزال في أذهان الجميع، وأنه سيكون القوة الدافعة في التصويت، ولكن في سوق الإعلام المجزأ في أميركا، يتعامل الناس مع قضايا مختلفة ويسمعون عنها بطرق متباينة، ما يترك تأثيرات تتراوح في قوتها على الناخبين.
النساء أكثر من الرجال
وخلاف ذلك، ترى إلين كامارك، مديرة مركز الإدارة العامة بمعهد "بروكينجز" في واشنطن، أن قضية الإجهاض ستكون شديدة التأثير للكثيرين، نظراً لأولويتها بالنسبة إلى المرأة وصحتها الإنجابية، وتبرهن على ذلك بالعدد الهائل للإناث ضمن السكان والناخبين في الولايات المتحدة، إذ يصل عدد النساء في أميركا إلى 167.5 مليون مقابل 164.38 مليون رجل.
والأهم من ذلك، أن النساء يصوتن أكثر من الرجال، إذ تشير البيانات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية لعام 2020، أن النساء شكلن 52% من إجمالي الناخبين مقابل 48% للرجال.
وتشير كامارك إلى أن التحولات الصغيرة بين النساء في التصويت المرتقب بـ8 نوفمبر، قد تسفر عن أعداد كبيرة، فعلى سبيل المثال، سجلت ولاية بنسلفانيا المتأرجحة عام 2020، إقبالاً قياسياً مرتفعاً بلغ 6.924 مليون، وبحسب استطلاعات الرأي، فإن 52% كانوا من النساء أي 3.6 مليون، وهذا يعني أن تحولاً بنسبة 3% فقط من أصوات النساء يساوي 108 آلاف و25 صوتاً أو 27 ألفاً و470 صوتاً، أكثر من عدد الأصوات التي فاز بها بايدن على ترمب في الولاية.
أولويات أخرى
وإضافة إلى الاقتصاد والتضخم والإجهاض، تتنافس ملفات عدة أيضاً على خيارات الناخبين، فبينما يهتم الديمقراطيون بتغير المناخ وحقوق التصويت وعدم المساواة العرقية، يهتم الجمهوريون بالهجرة والجريمة والحدود.
ووجد استطلاع للرأي أجرته جامعة "مونماوث"، أن الجريمة تأتي بعد التضخم في أولويات الأميركيين، يليها قضايا التصويت والانتخابات، ثم الوظائف والهجرة وعدم المساواة العرقية والسيطرة على الأسلحة وتغير المناخ، وجائحة كورونا وديون قروض الطلبة.
ويبدو أن حملات بايدن للانتخابات النصفية، في وصف أجنحة من الحزب الجمهوري بأنها معادية للديمقراطية، لم تلق صدى سوى لدى القاعدة الديمقراطية فقط، إذ تظهر استطلاعات الرأي أن تحديد التهديد يمكن أن يختلف بشكل كبير، اعتماداً على الحزب الذي تؤيده، إذ يرى الكثير من الجمهوريين الخطر على الديمقراطية في الحزب الديمقراطي، بينما اعتبر قطاع واسع من المستقلين أن خطاب بايدن من شأنه أن يثير الانقسام أكثر داخل المجتمع الغارق في الاستقطاب السياسي منذ سنوات.
الجريمة والأسلحة النارية
وتعد السياسات المتعلقة باحتواء الجريمة والحد من الأسلحة النارية، من بين القضايا المهمة للناخبين، خاصة بعد إطلاق النار على مدرسة ابتدائية في أوفالدي، بولاية تكساس، والذي أحدث بؤرة ساخنة في المعركة المستمرة منذ عقود بشأن السياسة الوطنية للسيطرة على الأسلحة، التي تتسبب في زيادة معدلات الجريمة في ولايات عدة، ما جعلها سبباً رئيسياً للقلق في المجتمع.
وبينما يواصل الجمهوريون تسليط الضوء على مخاوفهم من انتشار الجريمة، يواصل الديمقراطيون، بمن فيهم الرئيس بايدن، حملتهم من أجل سياسة أسلحة أكثر صرامة، ورغم إقرار قانون السيطرة على الأسلحة من قبل الحزبين الصيف الماضي، وهو القانون الأكثر أهمية منذ ما قرابة 20 عاماً.
واستجابةً لمخاوف الناخبين المتزايدة، يحاول الديمقراطيون تصوير أنفسهم على أنهم أكثر صرامة في التعامل مع الجريمة من الجمهوريين، مشيرين إلى ضرورة الدعم لزيادة التمويل الفيدرالي لإنفاذ القانون.
التصويت والانتخابات
ومن بين القضايا الأكثر حساسية بين الحزبين، قضايا التصويت والانتخابات، إذ أن هناك اعتقاداً شائعاً بين معظم الجمهوريين بأن الانتخابات الرئاسية لعام 2020، إما كانت مسروقة أو أُسيء التعامل معها، بينما تتعلق المخاوف بين بعض المستقلين والناخبين الديمقراطيين من أن الجمهوريين يمكن أن يستولوا على السلطة.
يرفع ذلك من سقف المخاوف العامة بشأن التصويت والديمقراطية، والتي أصبحت قضية مثيرة للقلق، خصوصاً مع احتمال وقوع أعمال عنف مع تصور اتساع الانقسامات في البلاد، ويعتقد 80% من الأميركيين أن الولايات المتحدة منقسمة الآن أكثر مما كانت عليه خلال جيل آبائهم، كما يقول الكثيرون أن اللباقة والكياسة قد ساءتا في التعامل بين الطرفين.
من الأقرب للفوز؟
ما يضعف احتمالات فوز الديمقراطيين بمجلس النواب في هذه الانتخابات، ضعف التأييد الذي يحصل عليه الرئيس جو بايدن عن أدائه في القضايا الأكثر أهمية للمستقلين، ولهذا يعتقد البروفيسور جروسكلوز، الذي أصدر مؤلفات عن العملية الانتخابية، أن الديمقراطيين سيخسرون مجلس النواب.
ويشير إلى أن أفضل طريقة للتنبؤ بمن سيفوز بالانتخابات هي النظر إلى أسواق الرهانات، والتي تقول أن فرصة خسارة الديمقراطيين السيطرة على مجلس النواب تصل إلى 80% تقريباً، في حين أن نفس هذه الأسواق تقول إن الديمقراطيين سيحتفظون على الأرجح بالسيطرة على مجلس الشيوخ، بنسبة احتمالات تصل إلى 68%.
ويتفق ريتشارد جروبر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا، في أن فرصة الجمهوريين في الفوز بمجلس النواب أفضل من الديمقراطيين، وإن كانت بعدد مقاعد أقل مما كان متوقعاً قبل أشهر عدة، لكنه يشير إلى أن الناخب المستقل وليس المنتمي للحزبين، هو من سيقرر النتيجة النهائية لانتخابات التجديد النصفي.
ويتنافس الحزبان على جميع المقاعد في مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، ويحتاج أي من الحزبين للفوز بـ218 مقعداً من أجل ضمان السيطرة على مجلس النواب، وتشير مراكز رصد الانتخابات، إلى أنه إذا أجريت انتخابات مجلس النواب، سيحصد الجمهوريون مكاسب صافية قدرها 13 مقعداً ويشغلون 226 مقعداً، بينما سيفوز الديمقراطيون بعدد 209 مقعداً فقط.
كما يتصارع الحزبان على 35 مقعداً في مجلس الشيوخ، إذ يحتاج الجمهوريون وكذلك الديمقراطيون للفوز بمقعد إضافي واحد لضمان السيطرة على الغرفة التشريعية المقسمة بالتساوي بينهما.
وصنفت شبكة "سي بي إس نيوز"، 10 سباقات من أصل 35، على أنها مسابقات قتالية محتدمة، منها 4 تعتبر "متعادلة نسبياً"، في ولايات أريزونا وجورجيا ونيفادا وويسكونسن، بينما تميل 3 منها لصالح المرشح الجمهوري في فلوريدا ونورث كارولينا وأوهايو، في حين تميل 3 أخرى إلى المرشح الديموقراطي في كولورادو وبنسلفانيا ونيوهامشير.
وتجري منافسات أخرى في 36 ولاية على مناصب مختلفة، بدءاً من منصب حاكم الولاية إلى سكرتير عام الولاية والمدعي العام، إضافة إلى الصراع من أجل السيطرة على المجالس التشريعية للولايات، وهي جميعها منافسات مهمة سيكون لها تأثيرات واسعة النطاق على إدارة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، إلى جانب حسم العديد من القضايا الساخنة مثل حقوق الإجهاض وتغير المناخ والرعاية الصحية.




