
يؤثر الإعلام الأميركي بجناحيه الليبرالي والمحافظ عادةً في السياسة والانتخابات بشكل عام، خصوصاً أن التعديل الأول للدستور ينص صراحة على حرية الصحافة، باعتبارها حجر الزاوية للديمقراطية الأميركية.
لكن منذ الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، تراجع نفوذ وسائل الإعلام التقليدية نسبياً في التأثير على الناخبين، إذ بات غالبيتهم يحصلون على الأخبار والمعلومات التي تحدد خياراتهم في صناديق الاقتراع، من وسائل التواصل.
اتهامات بـ"التحيز"
ومنذ الانتخابات الرئاسية التي شهدتها الولايات المتحدة عام 2016، تعرضت السلطة الرابعة ووسائل التواصل الاجتماعي لانتقادات من المحافظين والليبراليين، بسبب طريقة تغطية الانتخابات. وتفاقمت الانتقادات، مع الحملة العنيفة التي شنها الرئيس السابق دونالد ترمب على وسائل الإعلام التقليدية خلال فترة ولايته، واتهمها بأنها "متحيزة" وتبث "أخباراً كاذبة"، وزاد من هجومه عليها بعد خسارته انتخابات الرئاسة عام 2020.
ومنذ ذلك الوقت، بقيت هذه الاتهامات موجودة، وامتدت لتطال وسائل التواصل الاجتماعي الكبيرة منها مثل "تويتر" و"فيسبوك" و"تيك توك" و"يوتيوب" أو الصغيرة مثل "تروث سوشيال" و"بارلر" و"جيتر" و"جاب" و"رامبل"، وسط استقطاب وانقسام سياسي أرخى بظلاله على المشهد الإعلامي ووسائل التواصل، وطريقة استهلاك الأخبار في هذه المنصات.
تكريس الانقسام
ويقول أستاذ العلوم السياسية في "جامعة كاليفورنيا" ريتشارد بيتر جروبر، إن وسائل التواصل تؤثر بدرجة كبيرة على الانتخابات النصفية، مشيراً إلى أن تأثير الشبكات المحلية أو ما يعرف باسم "الكيبل" يأتي بدرجة أقل، إذ يشاهد الناس محطات الأخبار التي تلائم توجهاتهم، ويحدث ذات الشيء مع وسائل التواصل الاجتماعي.
ويضيف جروبر في حديث لـ"الشرق" أن الناس يتابعون مواقع التواصل الاجتماعي التي تتوافق مع آرائهم وتوجهاتهم، وبالتالي فإن القطاع الأوسع من المحافظين، سيستمعون ويشاهدون المنافذ التي يرون أنها تمثلهم، وهذا ينطبق أيضاً على الشريحة الأكبر من الليبراليين.
ويتابع: "من هذا المنطلق، فإن التأثير الذي تتمتع به وسائل الإعلام يمكن أن يكون هائلاً جداً، كما يمكنها أحياناً تشويه الحقيقة وتضخيمها وتكرارها داخل المجموعات الحزبية، وفقاً لتوجهات المجموعة".
ويشير إلى أن "هذا الواقع يجعل من الصعب للغاية تصحيح ما في عقول الناس، ويمكن أن يصبح أمراً خطيراً للغاية إذا لم يستمع الناس إلى وجهات نظر مختلفة، وهذا جزء من المشكلة التي تحدث في واشنطن مع الانقسام الحزبي والتصويت الحزبي الراسخ".
القصص السلبية
وتؤكد أستاذة العلوم السياسية في "جامعة ميتشيجان" إيدي جولدنبرج التأثير القوي الذي تتمتع به وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، وذلك نظراً لأنها تبث إعلانات سياسية تخاطب اهتمامات الناخبين، ويمكن أن تُحسن من حظوظ المرشحين ونسبة تأييدهم.
وترى جولدنبرج في حديث لـ"الشرق" أن "وسائل الإعلام التقليدية "تميل إلى التركيز على القصص الإخبارية السلبية، لأنها تجد أن القصص الإيجابية أقل إثارة للاهتمام لدى المشاهدين"، مضيفة: "لهذا السبب يمكن أن يكون هناك تأثير سلبي على المرشحين الذين يشغلون حالياً مقاعد في مجلسي النواب أو الشيوخ". ولكنها نبهت إلى أن "الخطر الأكبر يأتي من وسائل التواصل الاجتماعي التي تمطرنا جميعاً وباستمرار، بنداءات للمساهمة في حملات المرشحين، وبادعاءات تكون أحياناً مضللة للغاية".
تحول في الوسائل
غير أن موقع "أكسيوس" رصد خلال الانتخابات التمهيدية والنهائية، تخلي 2024 مرشحاً عن وسائل الإعلام التقليدية السائدة. واكتفى مرشحو الأحزاب بالتحدث إلى مجموعات مستهدفة من الناخبين، عبر وسائل إعلامية محددة تتوافق معهم.
كما قرر مرشحون عدم المشاركة في المناظرات الانتخابية، التي تم تصويرها سابقاً على أنها تبادل صريح للآراء حول القضايا الجادة، على اعتبار أنها فرصة لتسجيل بعض النقاط الخطابية أمام جمهور كبير، لكن المناظرات وقعت ضحية قدرة السياسيين المتزايدة على تجاوز وسائل الإعلام التقليدية.
وللمقارنة، كان هناك 17 مناظرة في أكثر 5 سباقات تنافسية في مجلس الشيوخ عام 2020، لكن هذا العام، نُظمت 8 مناظرات انتخابية فقط، وفقاً لـ"معهد بروكينجز" في واشنطن. وهكذا أصبحت فكرة الحصول على وقت متساوٍ على شبكات التلفزيون الرئيسية، أو أن يتاح للمراسلين والمذيعين توجيه أسئلة للمرشحين من كلا الحزبين، شيئاً من الماضي مع استثناءات محدودة.
ويمكن تبرير هذا الانخفاض بالقرار الاستباقي الذي اتخذته اللجنة الوطنية الجمهورية قبيل الانتخابات الرئاسية، بقطع العلاقات رسمياً مع لجنة المناظرات الرئاسية، بعد 35 عاماً من انطلاقها لأول مرة.
وبدلاً من المناظرات بات المرشح يخاطب الجماهير عبر وسائل إعلامية ذات بث محدود، يجري اختبارها في انتخابات التجديد النصفي هذا العام على نطاق واسع. وهذا يعني أن اليمين بات يتحدث إلى اليمين، واليسار يتحدث إلى اليسار، بينما تم إهمال الأغلبية الصامتة من الأشخاص الذين لا يتابعون التغريدات السياسية أو الأخبار، كما لم يحدث من قبل.
تأثير الاستقطاب
ويبدو أن تأثير الاستقطاب السياسي أثر أيضاً على الإعلاميين والصحافيين، فقد كتبت دانييل كورتزليبن، مراسلة السياسة في الإذاعة الوطنية العامة "إن بي آر"، هذا الصيف، أنها عندما ذهبت إلى ويسكونسن لإنتاج تقارير عن كيفية تأثير قضية الإجهاض على انتخابات التجديد النصفي، كانت الفكرة هي كتابة قصة واحدة عن الديمقراطيين وأخرى عن الجمهوريين. لكنها سمعت رداً من الديمقراطيين فقط، في حين لم تتلق رداً من أي شخص جمهوري على مكالمات هاتفية ورسائل بريد إلكتروني ورسائل "فيسبوك"، أرسلتها إليهم.
هذا الابتعاد عن وسائل الإعلام التقليدية، لم يكن حكراً على الجمهوريين فقط، إذ كتب مايك ميمولي من شبكة "إن بي سي" أن مساعدي الرئيس جو بايدن، الذين كانوا محبطين لفترة طويلة بسبب نزوع وسائل الإعلام التقليدية لانتقاء ما يركزون عليه، يبحثون الآن عن منافذ أخرى لمخاطبة الجمهور.
وعلى سبيل المثال، جلس بايدن أثناء وجوده في الساحل الغربي هذا الشهر، وجهاً لوجه للحديث مع الممثلين جيسون بيتمان، وشون هايز، وويل أرنيت، لإجراء نقاش يبث عبر وسائل التواصل.
وفي مثال آخر، تحدث بايدن خلال رحلة إلى معرض السيارات في ديترويت خلال شهر سبتمبر الماضي، إلى ناشط شهير على منصة "تيك توك" يسمى دانيال ماك، يحظى بمتابعة 12 مليوناً.
وتأتي الاستطلاعات لتؤكد على حجم الانقسام، إذ يؤكد استطلاع صدر مؤخراً، على حماسة الناخبين بشأن انتخابات نوفمبر، ومستويات الاستقطاب السياسي التي تقسم الأمة الأميركية، قبل أيام من موعد الانتخابات النصفية.
وأشار حوالى 80% من الديمقراطيين والجمهوريين إلى أنهم يرون أن الحزب السياسي الآخر يشكل "تهديداً"، وأنه إذا لم يتم إيقافه فسوف "يدمر أميركا التي يعرفونها"، بحسب شبكة "إن بي سي نيوز".
تدخلات أجنبية
ومع تزايد سخونة الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة، اكتسبت وسائل التواصل الاجتماعي اهتماماً متزايداً، حيث أقر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريستوفر راي، بأن الحكومات الأجنبية لا تزال تشكل "تهديداً كبيراً" على الانتخابات الأميركية.
وقال إن "التأثير الأجنبي الخبيث، سواء كان من الحكومة الصينية أو الحكومة الروسية أو الحكومات الأخرى، لا يتعلق فقط بالانتخابات، لكنه مشكلة مستمرة طوال أيام العام".
وتأتي مخاوف الإدارة الأميركية بشأن التهديدات الانتخابية، بعد أيام من إجراء مكالمة بين المسؤولين الفيدراليين وموظفي إنفاذ القانون المحليين، تناولت انتخابات التجديد النصفي.
وناقش المسؤولون احتمالية اندلاع أعمال عنف رداً على انتشار روايات كاذبة بشأن العملية الانتخابية، ولفتوا إلى إمكانية أن يواجه العاملون في مراكز الاقتراع تهديدات ومضايقات سواء عبر الإنترنت أو من خارجها، حسبما ذكر موقع "بوليتيكو"، الذي نقل عن مسؤولين قولهم إن "المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي تعد من أكبر التهديدات التي تواجه الانتخابات النصفية".
المعلومات المضللة
ويعيد هذا السيناريو ملامح الانتخابات الرئاسية السابقة عام 2020 إلى الواجهة من جديد، حينما اتهمت واشنطن موسكو بالتدخل في الانتخابات عبر وسائل التواصل. ولكن رصد المعلومات المضللة قبيل انتخابات التجديد النصفي، أصبح أكثر صعوبة، وذلك بسبب انتشار مواقع التواصل الاجتماعي البديلة، وقدرتها على ترسيخ المعلومات الكاذبة والمضللة، حسبما تقول صحيفة "نيويورك تايمز".
ودللت الصحيفة على إنشاء ترمب لموقع "تروث سوشيال" وهي منصة للتواصل الاجتماعي أسسها مع أشخاص مقربين منه، حيث ردد ادعائه بأنه فاز بالفعل في الانتخابات الرئاسية لعام 2020.
وعلى الرغم من أن مشاركة التدوينة اقتصرت على 8 آلاف شخص، وهو رقم ضئيل مقارنة بما كان يحظى به على "تويتر"، فقد انتشرت هذه التدوينة في الفضاء العام، وانتقلت إلى منصات التواصل الاجتماعي الأخرى، فضلاً عن البودكاست والراديو والتليفزيون، وشاهدها أكثر من مليون شخص في أكثر من 12 موقعاً آخر، حتى أنها ظهرت على "فيسبوك" و"تويتر" و"يوتيوب" و"جاب" و"بارلر" و"تليجرام".
ويوضح انتشار ادعاء ترمب الذي لم يقدم له أي دليل، كيف أصبحت المعلومات المضللة أكثر انتشاراً، قبل انتخابات التجديد النصفي، رغم سنوات من الجهود التي بذلتها وسائل الإعلام وشركات وسائل التواصل نفسها، لمعالجة هذه المشكلة.
منصات جديدة
وتعود هذه الصعوبة بشكل رئيس إلى ظهور إلى عشرات المنصات الجديدة، التي تفتخر بما تصفه "حرية التعبير" وعدم وجود رقابة على مستخدميها، وباتت تحظى بمتابعة مهمة.
وانضم نحو 69 مليون شخص إلى منصات مثل "بارلر" و"جاب" و"تروث سوشيال"، التي تصف نفسها أنها بدائل محافظة لشركات التكنولوجيا الكبرى.
وتشير الصحيفة إلى أن التحولات في مشهد المعلومات المضللة أصبحت واضحة مع الدورة الجديدة للانتخابات الأميركية، وأصبح مقدمو المعلومات المضللة أكثر قدرة على تجاوز قواعد المنصات الرئيسة.
المعلومات المضللة
غير أن أستاذة علم السياسة في "جامعة فلوريدا" لونا أتكيسون تنصح بضرورة توضيح المقصود من المعلومات المضللة، وتقول في حديث لـ"الشرق" إنه "لا توجد معلومات خاطئة أو مضللة عن التضخم مثلاً، فهذا أمر يراه الجميع عندما ذهابهم إلى محطات البنزين".
وتضيف: "لا أعرف أي عالم سياسي يمكن أن يقول إن التضليل المعلوماتي الروسي عن التضخم أو أي شيء آخر، هو عامل رئيس في التأثير على الانتخابات النصفية الأميركية"، معربة عن اعتقادها أن القوى الخارجية "غير مؤثرة بدرجة كبيرة مثل القوى الداخلية التي تواجه الناس في حياتهم الاجتماعية".
ونبهت إلى أن "هذا لا يعني عدم وجود تدخلات، لكن نزاهة الانتخابات لا تزال موضع تساؤل بين الناس، وهم قلقون للغاية بشأن آلات التصويت".
اقرأ أيضاً:




