كيف أصبح انقسام الحضر والريف عاملا حاسما في انتخابات أميركا؟ | الشرق للأخبار

كيف أصبح انقسام الحضر والريف عاملاً حاسماً في الانتخابات الأميركية؟

time reading iconدقائق القراءة - 13
شخص على متن دراجة يمر عبر لافتات تحث على التصويتفي انتخابات التجديد النصفي الأميركية بضاحية باليسيدز بمدينة نيويورك، الولايات المتحدة- 27 أكتوبر 2022. - REUTERS
شخص على متن دراجة يمر عبر لافتات تحث على التصويتفي انتخابات التجديد النصفي الأميركية بضاحية باليسيدز بمدينة نيويورك، الولايات المتحدة- 27 أكتوبر 2022. - REUTERS

تميلُ المناطق الحضرية خاصة ولايات شمال شرق الولايات المتحدة والساحل الغربي، تقليدياً لانتخاب الديمقراطيين، بينما تنتخب المناطق الريفية وولايات الجنوب والغرب الأوسط الجمهوريين.

وفي 2020، أيد ناخبو المناطق الحضرية الرئيس جو بايدن بنسبة 2 إلى 1، بينما دعمت المناطق الريفية الرئيس السابق دونالد ترمب بنفس النسبة.

غير أن هذه الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية اتسعت بشكل كبير خلال العقد الماضي، ووصلت إلى أوسع نقطة لها في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فما الذي يدفع لتعميق هذا الانقسام بين الريف والمدن؟ وهل سنراه مرة أخرى في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بعد أيام؟

مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي، يتحدث المراقبون السياسيون في الولايات المتحدة مرة أخرى عن اتساع الفجوة بين الناخبين في المناطق الحضرية والريفية، فعلى مدى ربع قرن، صوت الريف على نحو متزايد للجمهوريين، بينما صوتت المدن للديمقراطيين.

وأصبحت هذه المعادلة أشبه بالخط الفاصل الذي حل محل الانقسام بين الشمال والجنوب باعتباره أكبر مصدر للاحتكاك السياسي في البلاد، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على الحزب الذي سيفرض سيطرته على الكونجرس في يناير المقبل.

جذور الانقسام

تعود جذور الانقسام إلى الجزء الأول من القرن الـ21 وبزوغ العصر الصناعي، حين أصبح الديمقراطيون حزباً حضرياً خاصة خلال صفقة الرئيس الأميركي الـ32 فرانكلين روزفلت نتيجة الكساد العظيم، وفقاً  لجوناثان رودين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد.

وعزا رودين هذا الأمر إلى إقامة الديمقراطيين لروابط مع النقابات العمالية وحصولهم على دعم بين العمال الصناعيين في المدن.

وقال رودين لـ"الشرق"، إنه ومع هذه الروابط لم يتكثف التركيز الجغرافي للديمقراطيين بالمدن إلا في ثمانينيات القرن العشرين، فبعد اختفاء التصنيع لفترة طويلة من المراكز الحضرية، ظهرت مراكز للتوظيف في اقتصاد المعرفة بمدن مثل بوسطن وسان فرانسيسكو.

وخلال العقود الأخيرة، تعزز الاستقطاب بين الريف والحضر، لأنه بمجرد أن أصبح لدى الديمقراطيين زمرة من شاغلي الوظائف الذين يخدمون لفترة طويلة، أصبحوا أهدافاً لمجموعات المصالح الحضرية الجديدة التي تبحث عن حلفاء وفقاً لرودين.

ورأى أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد، أن هذه العملية بدأت مع الأميركيين الأفارقة في الحضر خلال عصر الحقوق المدنية، واستمرت مع التقدميين الاجتماعيين في ثمانينيات القرن العشرين، ومؤخراً مع قطاع اقتصاد المعرفة الحضرية، وبالمثل شكّل الجمهوريون تحالفات مماثلة مع المجموعات الريفية وبعض الضواحي بمرور الوقت.

وفي كل مرة يتم فيها تسييس قضية جديدة، من الحقوق المدنية إلى الإجهاض إلى الهجرة، يتبنى الديمقراطيون المنظور الحضري، ما أدى إلى استقطاب متزايد بمرور الوقت، إذ بدأ الناخبون فرز أنفسهم في الأحزاب وفقاً لتفضيلاتهم بشأن هذه القضايا الجديدة بحسب رودين.

اتساع الفجوة

تُرجع لونا أتكيسون أستاذة العلوم السياسية بجامعة فلوريدا، سبب اتساع الفجوة في التصويت بين المناطق الحضرية والريفية وبين ولايات الشمال الشرقي والساحل الغربي من جانب، وولايات الجنوب والغرب الأوسط من جانب آخر، إلى التغييرات المتعلقة بالتركيبة السكانية الأساسية خلال الربع الأول من القرن الماضي.

وذكرت أتكيسون لـ"الشرق"، أن "سكان ولايات الشمال الشرقي والغرب الساحلي متعلمون للغاية، ويمثلون النخب في الولايات المتحدة، وكما يعلم الجميع فإن مدينة نيويورك وشيكاغو وكل هذه المدن الكبرى وبالطبع الساحل الغربي بأكمله هي ولايات ديمقراطية.

وأضافت: "لكن إذا عدنا إلى الوراء قليلاً فسوف نجد أن ولاية أوريجون كانت جمهورية، وبالتالي فإن تغيير التركيبة السكانية حوّلها إلى ولاية ديمقراطية مؤخراً".

ولفتت أتكيسون إلى عوامل اجتماعية أخرى، "منها أن المناطق الحضرية تُوفر خدمات ومزايا أكثر من الريف وتكون خدمات الشرطة والإطفاء فيها أسرع، الأمر الذي يجعل سكان الريف يشعرون بعدم المساواة في ظل بيئة تُشجع على التحزب، وازداد الأمر سوءاً، مع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي تجعل المجتمع أكثر وعياً بالفوارق، ويصبح التشابه مع مجتمعك أكثر التصاقاً".

"الاستياء الريفي"

وتشير دراسات أجراها كل من كال مونيس وهو أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة يوتا فالي، ونيكولاس جاكوبس الأستاذ المساعد للشؤون الحكومية بكلية كولبي حول المجتمعات الريفية، إلى أن سكان الريف الأميركي لديهم شعور عميق وواسع الانتشار بالظلم وكيفية النظر إليهم.

وعدت الدراسة هذا الشعور استياءً من المعاملة غير العادلة من قبل الحكومة، أو بسبب تعليقات السياسيين، أو تصوير وسائل الإعلام التي إما تُبسط حياة المناطق الريفية ومشاكلها، أو تتجاهلها بشكل قاطع.

بينما تُعد المناطق الريفية، وفقاً للدراسة، أكثر مرضاً وفقراً من أميركا الحضرية، كما فقدت العديد من مصادر المال والاحترام على مدى العقود الثلاثة الماضية، ما أدى لتعاظم المعتقدات الريفية بشأن عدم المساواة الجغرافية، أو ما يسمى في العلوم الاجتماعية "الاستياء الريفي" الذي انتشر في جميع أنحاء البلاد.

ويُعرّف علماء السياسة "الاستياء الريفي" بأنه يركز على 3 أشياء دلّت عليها دراسات مسحية خلال العامين الماضيين، يتعلق الأول بإعادة التوزيع، أو الاعتقاد بأن المناطق الريفية لا تحصل على نصيبها العادل من الموارد والمزايا الحكومية.

ويتعلق الثاني بالتمثيل السياسي، أو تصور أن معظم السياسيين يتجاهلون سكان الريف. أما الثالث فيرتبط بشعور بالتجاهل على المستوى الثقافي، وأن أنماط الحياة الريفية وثقافتها لا تحظى بنفس الاحترام الذي تتمتع به المجتمعات الحضرية والضواحي.

ويُظهر تحليل آراء الناخبين بالمناطق الريفية أن "الاستياء الريفي" برز على أنه توقع قوي بالتصويت لصالح الجمهوريين، خاصة أن الرئيس السابق دونالد ترمب غذّى هذه المشاعر في خطاباته المناهضة بما يصفه بـ"المستنقع الحكومي" و"النخب الفاسدة".

التحول للجمهوريين

يُجادل بعض العلماء والنقاد بأن ميول المناطق الريفية للتصويت للجمهوريين يتعلق بمن يعيش في المكان، ذلك أن الناخبين البيض وكبار السن والأكثر تديناً والأقل ثراءً والأقل تعليماً ومن يعيشون في المناطق الريفية هم أكثر ميلاً للاحتفاظ بآراء محافظة اجتماعياً يؤيدها الجمهوريون عموماً.

وفي الوقت نفسه، تمتلئ المناطق الحضرية بالأشخاص الأصغر سناً، والأكثر تنوعاً من الناحية العرقية، والأكثر تعليماً والأكثر ثراءً ممّن يحملون وجهات نظر أكثر ليبرالية من الناحية الاجتماعية التي يُناصرها الديمقراطيون عموماً.

وتُظهر بعض الدراسات الحديثة أن المكان نفسه مهم أيضاً، فعلى عكس الناخبين الجمهوريين في الضواحي والمدن، يهتم الريفيون بما يمكن أن نُسميه "عدم المساواة الجغرافية" أي فكرة أن المناطق الريفية تتلقى أقل من حصتها العادلة من الحكومة، ويتم تجاهلها من قبل السياسيين، والاستهزاء بها في الثقافة الشعبية.

وبدون هذه المعتقدات، لن يكون الانقسام السياسي بين المناطق الحضرية والريفية كبيراً كما هو عليه اليوم.

أسباب الخلاف

قد يصعب تحديد الاختلافات الثقافية بين سكان الريف والحضر، لكن هناك 3 علامات تُظهر ما يُميز الناخبين الأميركيين في كل منهما، وتتعلق بالعقيدة وملكية السلاح والعرق.

ووفقاً لمركز دراسة الانتخابات بجامعة هارفارد، يُعرف حوالي 48% من الناخبين في المناطق الريفية أنفسهم بأنهم مسيحيون إنجيليون، بينما يعتبر أقل من ثلث ناخبي الضواحي والمدن أنفسهم مسيحيين، كما أن 75% من الإنجيليين البيض في الريف يُعرفون أنفسهم بأنهم جمهوريون.

ويختلف الناخبون في الريف والحضر أيضاً بشأن ثقافة السلاح، حيث يقول 61% في مناطق الريف إن هناك سلاحاً واحداً على الأقل في منازلهم، بينما على النقيض من ذلك، يمتلك حوالي 1 من كل 4 أميركيين حضريين سلاحاً.

وبحسب مركز "بيو" للأبحاث، تصل ملكية الأسلحة بين الجمهوريين إلى 44% وهي أكثر من ضعف معدل امتلاك الأسلحة بين الديمقراطيين 20%.

وتُميز وجهات النظر بشأن العلاقات العرقية والعنصرية المنهجية بين أميركا الحضرية والريفية، إذ يقيس بعض علماء الاجتماع المواقف العرقية باستخدام مقياس يسمى "إنكار العنصرية"، أي أنهم يسألون المستجيبين عما إذا كانوا يوافقون أو لا يوافقون على أن الأشخاص البيض لديهم مزايا معينة؟

وبعدها ثبت أن مستويات "إنكار العنصرية" تتنبأ بخيارات التصويت في الانتخابات، حيث وجد تقرير صادر عن مركز "بيو "للأبحاث في 2018، أن غالبية الأميركيين الريفيين يُنكرون استفادة البيض بالولايات المتحدة من المزايا المجتمعية التي يفتقر إليها نظرائهم ذوي الأصول الإفريقية.

وتُشير دراسة أشرف عليها برايان شافنر أستاذ الدراسات المدنية بجامعة تافتس المتخصص في العرقيات، إلى أن المعدلات المختلفة لإنكار العنصرية بين الأميركيين في المناطق الريفية والحضرية تُفسر حوالي 3 أرباع الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية في التصويت لصالح ترمب عام 2020، إذ يفضل الأميركيون الريفيون سياسات ترمب المشحونة بالعنصرية.

وبسبب الخلاف الأساسي بشأن العنصرية في الولايات المتحدة، من المرجح أن يستمر الانقسام بين المناطق الحضرية والريفية في الانتخابات النصفية المقبلة وما بعدها من انتخابات، وفقاً للدراسة.

تأثير سلبي

الانقسام بين مناطق الحضر والريف يؤثر على كلا الطرفين، ذلك أن محاولات الديمقراطيين استمالة الناخبين الريفيين، وعدم التوازن الريفي-الحضري في مجلس الشيوخ والمجمع الانتخابي أو الكلية الانتخابية، والهيمنة التشريعية للولايات الجمهورية في إعادة تقسيم الدوائر، تعني أنه بينما يفوز الديمقراطيون بشكل روتيني بأعداد أكبر من الأصوات على الصعيد الوطني، فإنهم يجدون صعوبة متزايدة في ترجمة الأغلبية الانتخابية إلى أغلبية حاكمة داخل مجلسي الكونجرس والبيت الأبيض، ما يجعل من الصعب تمرير أجندة سياستهم.

وفي الوقت نفسه فإن محاولات الجمهوريين المضنية في الولايات والمناطق، التي تضم عدداً كبيراً من سكان المدن، تعني أنه ليس لديهم تأثير كبير في المراكز الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية الأكثر ديناميكية وحيوية وإنتاجية في البلاد.

ولهذا يتفق غالبية الخبراء في أن الانقسام بين المناطق الحضرية والريفية يضر بالديمقراطية الأميركية.

وعلى سبيل المثال، عندما يفوز الجمهوريون بالرئاسة، يصلون إلى البيت الأبيض غالباً بدون أغلبية شعبية كما حدث خلال العقدين الأخيرين، وتتمتع الولايات الريفية بسلطة أكبر مما يناسب أعدادها في مؤسسات مثل مجلس الشيوخ والهيئة الانتخابية التي تُحدد الرئيس الفائز، إذ يتم تمثيل كل ولاية بصوتين في مجلس الشيوخ بصرف النظر عن عدد سكانها، ولهذا يصبح للولايات الريفية نفوذاً أكبر في نتائج الانتخابات وفي تحديد من يربح بها.

كما تُنشئ العديد من الولايات مقاطعات تجمع الناخبين في المناطق الريفية مع بعضهم البعض والناخبين الحضريين مع بعضهم البعض، ما يجعل السباقات أقل تنافسية، وغالباً ما تعني المناطق الأقل تنافسية مساءلة أقل، ومرشحين أكثر تطرفاً، ويُساعد على ذلك إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية كل 10 سنوات بحيث تخدم الحزب الذي يُسيطر على المجلس التشريعي في الولاية، وتضر بمنافسه.

ماذا عن الانتخابات المقبلة؟

ليس من المتوقع أن يتلاشى الاستقطاب الحضري والريفي بسرعة أو بسهولة، ليس فقط خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة للكونجرس، لكن لعدة أعوام أخرى.

وفي هذه الحالة ستستمر الولايات المتحدة في الاعتماد على تقاليدها الفيدرالية والاستقلال الذاتي المحلي، كطريقة للتعامل مع الانقسام الجغرافي.

مع ذلك، ترى إيستر راشيل فوشز، أستاذة العلوم السياسية بجامعة كولومبيا، أن التنبؤات الجيدة بالانتخابات تعتمد على آخر نقطة بيانات لديك، والأمر يعتمد على مدى إقبال الناخبين على التصويت.

وفي حديث لـ"الشرق"، ضربت فوشز مثالاً بالانتخابات الأخيرة التي شهدت إقبالاً أكبر من التوقعات بين مجموعات سكانية محددة جداً، مثل الشباب الذي يميل إلى الديمقراطيين.

وعندما تكون الانتخابات متقاربة، فإن أشياءً كثيرة يمكن أن تُحدث فرقاً، ويصبح السؤال هو من سيشارك؟، لذا فإن الأمر يتوقف على ما إذا كان هناك إقبالاً كبيراً في المناطق الحضرية التي تفيد الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، وما إذا كان هناك إقبالاً كبيراً في المناطق الريفية التي تفيد الجمهوريين.

هل من تغيير مستقبلاً؟

أستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد جوناثان رودين، قال لـ"الشرق" إن الهجرة السكنية قد تُساعد في نهاية المطاف على تهدئة الاستقطاب الحضري والريفي، ليس لأن الديمقراطيين ينتقلون إلى المناطق الريفية أو الجمهوريين إلى المدن، لكن لأن قطاعاً متنوعاً من الأميركيين بما في ذلك الأقليات، ينتقلون إلى مناطق ضواحي مترامية الأطراف وبأسعار معقولة وغير متجانسة سياسياً، حول المدن سريعة النمو، مثل أورلاندو وفينيكس وهيوستن.

علاوة على ذلك، يظهر الاستقطاب الريفي الحضري بشكل خاص في الولايات المتحدة بسبب نظام الحزبين، وقد يُساعد التنويع الأكبر في النظام الحزبي في الحد من الاستقطاب، وحتى لو ظل نظام الحزبين الحالي قائماً، فقد يواجه أحد الطرفين في النهاية حوافز تدفعه للتغلب على الانقسام بعد خسارة مدمرة، وربما التخلي عن بعض القضايا.

وقد تعود الأحزاب الأميركية إلى استراتيجية كانت شائعة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، خاصة بين الديمقراطيين، وهي السماح للمرشحين التشريعيين بتمييز أنفسهم عن القضايا الوطنية واعتماد برامج مصممة خصيصاً للناخبين المحليين، ما يجعل فرصهم أفضل كثيراً في المنافسة.

اقرأ أيضاً:

تصنيفات