توترات واستقالات وجهود للتهدئة.. ماذا يحدث في كوسوفو؟ | الشرق للأخبار

توترات واستقالات وجهود للتهدئة.. ماذا يحدث في كوسوفو؟

time reading iconدقائق القراءة - 13
مجموعة من صرب كوسوفو يرفعون العلم الصربي خلال تظاهرة في مدينة ميتروفيتسا، شمال كوسوفو، 6 نوفمبر 2022 - AFP
مجموعة من صرب كوسوفو يرفعون العلم الصربي خلال تظاهرة في مدينة ميتروفيتسا، شمال كوسوفو، 6 نوفمبر 2022 - AFP

تعيش كوسوفو على وقع توتر جديد يُنذر بإحياء الخلافات العرقية بين الألبان والصرب في بلد يخيم عليه شبح الحرب الأهلية، وسط اتهامات غربية لأطراف خارجية، ولا سيما روسيا بالعمل على تصعيد الأوضاع.

وتصاعد التوتر الأسبوع الجاري، مع إصرار بريشتينا على تطبيق قانون يلزم مواطنيها أصحاب الأصول الصربية بالحصول على وثائق هوية، ولوحات ترخيص لسياراتهم صادرة من كوسوفو، وفقاً لما نقلته صحيفة "بوليتيكو" الأميركية.

ولأكثر من عام، مثلت هذه القضية مصدراً للنزاع والخلافات، إذ يفضل الصرب المحليون استخدام لوحات صادرة عن بلجراد على الرغم من حظرها في كوسوفو.

ولوّحت بريشتينا بأنها ستستخدم القوة لفرض القانون، وستبدأ في حجز السيارات المخالفة اعتباراً من أبريل، الأمر الذي اعتبرته الأقلية الصربية بمثابة اعتداء قمعي على هويتها.

وقال وزير داخلية كوسوفو جلال شفيتسلا: "نحن مصممون أكثر من أي وقت مضى على أن يشمل النظام والقانون كل ركن من أركان الجمهورية".

والإشارة هنا إلى مدينة ميتروفيتسا ذات الغالبية الصربية في شمال كوسوفو، على الحدود مع صربيا، حيث يبدي السكان ولاءهم لبلجراد، ويرفضون الاعتراف بسلطة بريشتينا، خصوصاً في المسائل المتعلقة بوثائق الهوية والمستندات الرسمية.

استقالة جماعية

وعقب الإجراءات في كوسوفو، انسحب الصرب من البرلمان والقضاء والشرطة دفعة واحدة السبت الماضي، كما استقال رؤساء البلديات الأربع ذات الأغلبية الصربية على طول الحدود بين كوسوفو وصربيا.

وقال وزير الداخلية الكوسوفي، الاثنين، إن 578 شرطياً من صرب كوسوفو قدموا استقالاتهم، معتبراً أنَّ هذه الاستقالات جاءت "نتيجة الخوف والضغط من قبل بعض الجماعات الإجرامية"، بحسب وصفه.

وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صوراً لعناصر من صرب كوسوفو، وهم يخلعون زيهم العسكري في إشارة إلى تخليهم عن عملهم.

وأخذت الأمور مساراً عدائياً بعد ما رفض رئيس إدارة الشرطة الإقليمية أمراً من العاصمة بإصدار تحذيرات لأولئك الذين لم ينتقلوا إلى لوحات ترخيص صادرة من كوسوفو.

وقال رئيس المديرية الإقليمية الشمالية نيناد أوريتش، في بيان الأربعاء: "لا يمكننا تنفيذ هذا الاتفاق لأنه اتفاق سياسي، وموجَّه بشكل أساسي ضد الطائفة الصربية"، على حد تعبيره.

وعقب البيان تم إيقاف المسؤول ذي الأصول الصربية عن العمل، ليردَّ السكان الصرب في ميتروفيتسا بإغلاق الطرق، وإقامة المتاريس، وإطلاق أعيرة نارية في الهواء، وسط أجواء تنذر بمزيد من التصعيد، خصوصاً في ظل موقف الحكومة الصربية الداعم لهؤلاء السكان في تمردهم على سلطات بريشتينا.

تلويح صربي بالتصعيد

من جانبه، أشار نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الصربي ميلوس فوسيفيتش، الاثنين، إلى أنه لا يستبعد حدوث مزيد من التصعيد في كوسوفو.

وقال فوسيفيتش: "آمل ألا يكون هناك دافعاً للتصعيد، ولكن سيكون من اللامسؤولية والعبث أن أقول إنني أستبعد ذلك. من الصعب توقع ما قد يحدث وما قد يخطر ببال (رئيس وزراء كوسوفو ألبين) كورتي"، بحسب ما نقلته وكالة "تاس" الروسية.

ووصف وزير الدفاع الصربي الوضع في شمال كوسوفو بعد استقالة رجال الشرطة الصرب بـ"الفراغ القانوني الذي يجب أن تملأه الوحدات الدولية التابعة لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والاتحاد والأوروبي الموجودة في البلاد، وليس رجال الشرطة الألبان"، في إشارة إلى القوات الخاصة التابعة لحكومة بريشتينا، والتي يرفض الصرب المحليين انتشارها في مناطقهم.

جهود غربية للتهدئة

وفي محاولة لتهدئة الأوضاع، دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "ناتو" ينس ستولتنبرج، خلال اتصال مع الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش، جميع أطراف النزاع إلى "الامتناع عن الخطوات التي قد تؤدي إلى تصعيد، بما في ذلك الإجراءات الأحادية التي تهدد السلام والاستقرار".

وأشار ستولتنبرج إلى أنَّ الحلف "يقدر التعاون مع صربيا" كدولة محايدة عسكرياً، وفقاً لما نقلته "تاس".

كما دعا الاتحاد الأوروبي صرب كوسوفو إلى العودة لمناصبهم في مؤسسات الدولة، بحسب ما نقلته مجلة "بوليتيكو". 

وحضّ مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل كلا الجانبين على "الامتناع عن أي إجراءات أحادية، قد تؤدي إلى مزيد من التوترات". وقال في بيان إنَّ "التطورات الأخيرة تعرض للخطر سنوات من العمل الجاد في إطار حوار بلجراد وبريشتينا".

وكان الاتحاد الأوروبي تمكن في إطار ما يعرف بـ"اتفاقية بروكسل" من وضع أساس لتطبيع العلاقات بين البلدين يقوم على اعتراف ضمني من بلجراد بامتلاك بريشتينا سلطة إدارية في كوسوفو.

لكن الرئيس الصربي اعتبر خلال اتصاله مع أمين عام الناتو، أنَّ بريشتينا "تنتهك بشكل صارخ اتفاق بروكسل من خلال أفعالها أحادية الجانب"، بما في ذلك إقالة مدير المديرية الإقليمية الشمالية، والتعامل غير القانوني مع المسائل المتعلقة بلوحة الترخيص.

من جانبه، شدَّد الزعيم الصربي على أن "صربيا تريد الحفاظ على السلام والاستقرار وستظل ملتزمة بهذا الموقف".

إشكالية اللوحات

وبدأت الخلافات بشأن لوحات السيارات خلال يونيو الماضي، مع إقرار بريشتينا قواعد جديدة تُلزم أي شخص يدخل كوسوفو ببطاقة هوية صربية، بالحصول على وثيقة مؤقتة أثناء وجوده في البلاد، وإمهالها صرب كوسوفو شهرين لاستبدال لوحات التسجيل الصربية لمركباتهم بلوحات جمهورية كوسوفو.

وجاءت هذه الإجراءات ردّاً على ممارسة مماثلة اتبعتها صربيا التي لا تعترف بوثائق الهوية التي تصدرها كوسوفو لمواطنيها.

في الظاهر تبدو مسألة اللوحات متوقفة على مجرد اختصارات غير مؤذية، فاللوحات الصربية كتب عليها "SRB" في إشارة إلى صربيا، والكوسوفية مكتوب عليها "RKS" أي جمهورية كوسوفو، لكن حقيقة الأمر تحمل هذه الاختصارات معاني عميقة في بلد تمثل فيه الهوية مسألة مهمة، نظراً لتاريخ من المآسي القائمة على التصنيف العرقي.

وقال دامجان بتروفيتش، أحد الصرب المحليين: "إذا فقدنا هذه (لوحة تسجيل السيارات)، فلن تكون هناك صربيا هنا بعد الآن.. سنفقد هويتنا"، بحسب ما نقلته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية.

وتم إحراق منزل أحد ضباط الشرطة بعد ما قام بتغيير لوحة إلى اللوحات الكوسوفية، مع وصفه بـ"الخائن" وذلك في مجموعة صربية محلية على فيسبوك. وكـتب أحد المعلقين الصرب: "يجب أن يحترق مع عائلته".

كما تعرضت سيارات أخرى للحرق بعد تغيير ملاكها اللوحات، وتم رفع لافتات في مدينة ميتروفيتسا كتب عليها "هذه صربيا".

وقال رئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي، إنه لا يتصرف ضد مصالح الصرب، لكن "بلجراد تتصرف ضدي.. أولويتي هي احترام دستور جمهورية كوسوفو"، مضيفاً عبر "فيسبوك": "لا تقاطعوا مؤسسات كوسوفو وتتخلوا عنها.. ولا تقعوا فريسة للتلاعب السياسي والمناورات الجيوسياسية."

"وضع هش"

ووفقاً لمجلة "فورين بوليسي"، فإنه على الرغم من انتهاء الحرب الأهلية قبل أكثر من 20 عاماً، إلا أنَّ القضايا الأساسية لا تزال من دون حل، وعلى وجه الخصوص في ميتروفيتسا حيث لا تزال الأقلية الصربية هناك تحافظ على علاقات وثيقة مع بلجراد وموسكو، وتشارك أحياناً في أعمال العنف ضد الحكومة التي يقودها الألبان العرقيون في بريشتينا.

وقال وزير خارجية كوسوفو السابق بتريت سليمي، إنَّ "إثارة مثل هذه التوترات بسبب الخلاف حول الوثائق الرسمية هو دليل على هشاشة الوضع".

واعتبرت "فورين بوليسي"، أنَّ التركيبة السكانية للمدينة تجعلها جاهزة لمعركة بالوكالة بين القوى العظمى، على حد تعبيرها.

وأشارت إلى أنه منذ أن غزت روسيا أوكرانيا، ساءت الأمور، وزادت حدة الخطاب التحريضي لدى السياسيين، كما ظهر في شوارع ميتروفيتسا الرمز "Z" لدعم ما يسمى بالعملية العسكرية الخاصة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا.

اتهامات لروسيا 

وتعد موسكو حليفاً تقليدياً لبلجراد التي رفضت الانضمام إلى العقوبات الغربية على روسيا، كما أن موسكو لا تعترف بكوسوفو حتى الآن، وتستغل عضويتها الدائمة في مجلس الأمن للحيلولة دون اعتراف أممي ببريشتينا.  

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتهم في فبراير الماضي، حلف "ناتو" باختلاق إبادة جماعية مزيّفة في كوسوفو لإضفاء الشرعية على تدخله. وفي مارس وعقب انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا، شهدت بلجراد تجمعاً حاشداً لدعم الحرب. 

وقالت "فورين بوليسي" إن دخول روسيا في حالة حرب، تسبب في تسارع وتيرة الأعمال الاستفزازية في ميتروفيتسا، فبمجرد إعلان بريشتينا تنفيذ لوائح لوحات السيارات، أقيمت الحواجز، وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على وسائل الإعلام في كوسوفو الجماعات شبه العسكرية الصربية وهي توزع الأسلحة.

وفي الأشهر الأخيرة، أعلنت مجموعة جديدة تمثل الصرب في كوسوفو، وتدعى "اللواء الشمالي"، عن وجودها في ميتروفيتسا.

وقال مسؤولون في مخابرات أوروبية إنَّ "اللواء الشمالي" تضم نحو 300 مقاتل شبه عسكري ومسلحين بصورة جيدة، وبعضهم من الرعايا الأجانب، وذلك بحسب ما ذكرته صحيفة "ألبانيان بوست".

ولطالما اتُهمت موسكو بأنَّ لها صلات مع القوات شبه العسكرية الصربية. كما تحيط الشكوك أيضاً بـ"المركز الإنساني الروسي الصربي" في نيش بصربيا، بالقرب من ميتروفيتسا وحدود كوسوفو.

وقال أستاذ العلوم السياسية الصربي سيرجان سفيجتش: "هناك، بالطبع، مزاعم بأنه يتم استخدامه كمركز تجسس محلي. شعوري هو أنه من خلال المطالبة بوضع دبلوماسي لموظفي المركز (وهو ما ترفضه صربيا حتى الآن)، فإنَّ روسيا تلعب لعبة رمزية مع الغرب، وتضغط في الوقت نفسه على بلجراد".

وزعمت الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى، أنَّ المركز قاعدة للتجسس الروسي. وقال سليمي إنَّ طلب روسيا منح حصانة دبلوماسية للموظفين "ينم عن الهدف الحقيقي للمركز"، بحسب تعبيره.

وفي الآونة الأخيرة، ذكرت حكومة كوسوفو أنَّ نشطاء من المركز عبّروا بشكل غير قانوني إلى شمال كوسوفو من نيش.

"صراع مفتوح"

بدورها، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الاثنين، إن روسيا قلقة من التصعيد بشأن كوسوفو "حيث يدفع الغرب الموقف نحو صراع مفتوح ولا يفعل شيئاً لوقف استفزازات الراديكاليين في كوسوفو"، وفقاً لما نقلته وكالة "تاس".

وأشارت زاخاروفا إلى أن التصعيد الحالي يأتي في وضع يكون فيه الاتحاد الأوروبي، الذي فوضته الجمعية العامة للأمم المتحدة للتوسط في الحوار بين بلجراد وبريشتينا، "في الواقع إما غير راغب، أو غير قادر على حل المشكلة". 

واعتبرت أنَّ بلجراد على العكس من ذلك "تظهر نهجاً بناءً وتدعو إلى تسوية المشاكل الناشئة من خلال الحوار وتنفيذ الاتفاقات القائمة".

وزاد "الناتو" عديد قواته في كوسوفو في إطار ما وصفه مسؤول في الحلف بأنه "أنشطة تدريبية للحفاظ على مستوى عالٍ من الاستعداد والمساهمة في الحفاظ على بيئة آمنة وحرية الحركة لجميع الناس في كوسوفو".

كما أشار الحلف إلى أنَّه على اتصال وثيق بالسلطات في كوسوفو، وأنَّ قواته على استعداد للقيام بالمهام المسندة إليها لحفظ الأمن في البلاد.

وتعود جذور الأزمة بين الجانبين، إلى الحرب الأهلية التي دارت رحاها في العامين (1998-1999)، والتي عارضت خلالها عرقية الألبان كلاً من العرقية الصربية، وحكومة يوغوسلافيا (الدولة الفيدرالية السابقة التي كانت تضم جمهوريتي صربيا، والجبل الأسود) في كوسوفو.

ودفعت المآسي التي تم ارتكابها خلال الصراع، الناتو إلى شن ضربات عسكرية في مارس 1999 ضد القوات الصربية واليوغوسلافية.

واستمرَّت ضربات الناتو لمدة 11 أسبوعاً، وامتدَّت في النهاية إلى العاصمة الصربية بلجراد. ثم في يونيو 1999 وقَّع الناتو ويوغوسلافيا اتفاق سلام ينص على الانسحاب من كوسوفو، وعودة حوالى مليون من الألبان إلى المنطقة، ونشر قوات حفظ السلام الأممية في كوسوفو التي أصبحت الآن تحت إدارة الأمم المتحدة، ويتمركز فيها 3 آلاف و770 جندياً من قوات الناتو.

وفي فبراير عام 2008 أعلنت كوسوفو أحادياً استقلالها عن صربيا، علماً بأن يوغوسلافيا  تفككت في عام 2003، لتحلَّ مكانها الدولة الاتحادية التي تضم صربيا والجبل الأسود، والتي انقسمت أيضاً بدورها إلى دولتين منفصلتين في عام 2006.

اقرأ أيضاً:

تصنيفات