ماذا وراء تعديلات قانون "الخيانة العظمى" في روسيا؟ | الشرق للأخبار

"الحرب الإعلامية".. ماذا وراء تعديلات قانون "الخيانة العظمى" في روسيا؟

time reading iconدقائق القراءة - 7
جنود روس في مركز تجنيد بسيمفروبول بجزيرة القرم. 25 أبريل 2023 - REUTERS
جنود روس في مركز تجنيد بسيمفروبول بجزيرة القرم. 25 أبريل 2023 - REUTERS

مع استمرار الأزمة الأوكرانية تواصل روسيا تشديد إجراءاتها القانونية لمواجهة ما تعتبرها "حرباً إعلاميةً" ضدها، بعدما أدخلت العام الماضي تعديلات على القانون المتعلق بالمسؤولية الجنائية، وشددت العقوبات على ناشري الأخبار "الزائفة" التي تمس الجيش، كما أقر البرلمان الروسي، الأربعاء، تعديلات تضمنت "السجن المؤبد (مدى الحياة)" لمن تثبت عليهم تهمة "الخيانة العظمى".

ووقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مارس من العام الماضي، قانوناً يعاقب بالسجن 15 عاماً، وغرامات مالية تصل إلى 5 ملايين روبل (61 ألف دولار)، كل من يشوّه سمعة المشاركين في "العملية العسكرية الخاصة" كما تصفهما موسكو، إضافة لنشر الأخبار المزيفة حولهم.

وتخص التعديلات بالتحديد القوات المسلحة الروسية، وهو ما ينطبق على المواطنين وكذلك وسائل الإعلام، في حين كان الحد الأقصى للعقوبة سابقاً يصل إلى السجن 5 سنوات.

قراءة في التعديلات

واعتمد مجلسا البرلمان الروسي، "الدوما (النواب)" و"الاتحاد (الشيوخ)"، تعديلات جديدة على القانون الجنائي للاتحاد الروسي تضمنت "السجن المؤبد" لمن تثبت عليهم تهمة "الخيانة العظمى".

وجرت الموافقة على إضافة تعديلات للقانون، تشمل السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات لكل من يساعد في تنفيذ قرارات المنظمات الدولية التي لا تشارك فيها روسيا. 

كما وسعت التعديلات لائحة الجرائم، لتضم "تسهيل الأعمال التخريبية"، و"التدريب على القيام بأعمال التخريب" و"تنظيم جماعة تخريبية والمشاركة فيها" وغيرها، لتكون العقوبة "مصادرة الممتلكات المكتسبة بهذه الطريقة".

وتكمل "المادة 57" عقوبة السجن مدى الحياة "من القانون الجنائي للاتحاد الروسي بأساس جديد- ارتكاب جرائم خطيرة بشكل خاص ضد أسس نظام وأمن الدولة.

كذلك، تشدد المسؤولية الجنائية على مرتكبي الأعمال الإرهابية، إذ تعاقب بالسجن لمدة تصل إلى 20 عاماً، أما تنظيم جماعة إرهابية والمشاركة فيها فتكون العقوبة، السجن لمدة ما بين "5 إلى 10" سنوات وتصل إلى 15 عاماً، إلى جانب المسؤولية الجنائية ليس فقط عن الهجوم على أشخاص أو مؤسسات تحت الحماية الدولية، بل وللتهديد بمثل هذا الهجوم.

"لا تخالف الدستور"

الخبير القانوني يفجيني سميرنوف قال لـ"الشرق"، إن "مشروع القانون بشأن الخيانة العظمى لا يخالف الدستور الروسي"، مشيراً إلى أنه "في السابق، كانت العقوبة تتراوح بين 15 و20 عاماً، واليوم يرغبون بجعلها مؤبد (مدى الحياة)".

وأوضح: "لا يجب أن نحلل ما إذا كان هذا القرار صائباً أم لا، فالإفراج المشروط ممكن فقط بعد 25 عاماً من السجن، ولدينا في القانون الجنائي عدة مواد متعلقة بالحكم المؤبد، والدستور الروسي لا يمنع مثل هذه العقوبات".

ووفقاً لبيانات رسمية صدرت عن الدائرة القضائية في المحكمة العليا الروسية، أُدين بين عامي 2009 و2013 بتهمة "الخيانة" و"التجسس" 25 شخصاً، كما أن هناك زيادة في عدد تلك القضايا منذ عام 2014.

وفي عام 2015 وحده، تم إصدار 15 حكماً من هذا القبيل، أما في 2021 فكان هناك 17 حكماً، وفتحت العام الماضي 25 قضية على الأقل ضد صحافيين وسياسيين ونشطاء.

وسجل منذ بداية العام الحالي حتى منتصف، أبريل الجاري، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد قضايا "الخيانة العظمى" إذ بلغت 22 حكماً حتى الآن.

قصص مختلفة

وعلى مدى أكثر من عام، تعددت قصص تحدي ذلك القانون، وانتشر بعض منها على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها قصة ماريا موسكاليف، التلميذة في المدرسة الابتدائية بمدينة تولا، والتي رسمت شكلاً مناهضاً للحرب في درس الفنون.

وتسببت الطفلة في مارس الماضي، برفع دعوى قضائية لتقييد حقوق والدها أليكسي موسكاليف، قبل أن يوضع قيد الإقامة الجبرية بسبب قضية "تشويه سمعة الجيش"، ليحاول الهرب قبل أن يتم القبض عليه واعتقاله لمدة عامين، وإرسال الطفلة إلى دار لرعاية الأطفال. 

"منع التوتر"

الكاتب والباحث السياسي أندريه أونتيكوف اعتبر أن "مثل هذه القوانين من شأنها أن تمنع التوتر في صفوف الجيش والمجتمع الروسي"، معرباً عن اعتقاده بمنطقية إجراء "تشديد على القوانين والمسؤوليات المتعلقة بعدد من الجرائم على خلفية الأعمال القتالية الجارية".

وقال أونتيكوف لـ"الشرق" إنه "قبل بدء العملية العسكرية، كان هناك تحرك بسيط في تخفيف بعض القوانين الجنائية منها في مجال الجرائم الاقتصادية، ولكن في الفترة ذاتها واجهت روسيا محاولات للضغط على جيشها ونشر أكاذيب حوله".

ورأى أن إقرار "مثل هذا القانون يأتي لوقف هذه المحاولات السلبية، بما في ذلك مساعي زعزعة الوضع من الداخل، ليس فقط في صفوف القوات المسلحة الروسية، بل داخل المجتمع الروسي بأسره".

ولفت أونتيكوف إلى أن "التاريخ الروسي كان شاهداً على أمثلة حين كان هناك حملات مناهضة للجيش والحكومة في صفوف الجيش والمجتمع، التي كانت تؤدي في نهاية المطاف إلى أمور مأساوية وهنا أعني أحداث عام 1917، ما أسفر عن بدء الثورة البلشفية"، مشيراً إلى وجود حالياً "محاولات لمنع وقوع مثل هذه الأحداث".

"وضع مريب"

في المقابل، علّقت سفيتلانا جانوشكينا الناشطة في مجال حقوق الإنسان في روسيا، وعضو سابق في منظمة "ميموريال" الحقوقية، في ما يتعلق بتشديد القوانين بشأن الخيانة العظمى: "كأننا نعود إلى أيام الاتحاد السوفيتي إذ يتم احتجاز الأشخاص وتغيير القوانين، ليصبح السجن مدى الحياة".

ووصفت جانوشكينا في تصريحاتها لـ"الشرق" الوضع الحالي بـ"المريب جداً"، مضيفةً أنه "من الطبيعي أن يكون هناك انتقاد للحكومة فيما تفعله، فالحكومة في أي دولة بحاجة للانتقاد وبحاجة لمحاور يمثل المجتمع المدني".

ورأت أن السياسة الحالية "تؤدي إلى المواجهة مع العالم بأسره، كذلك الخروج من المعاهدات الدولية"، لافتةً إلى أن "هناك الكثير من الحديث بشأن اقتراب حلف شمال الأطلسي (الناتو) من حدودنا، لكن في نهاية المطاف توسعت حدود الحلف مرتين أو 3 مرات، ونبدأ بالتصرف بعدوانية، والعالم يخاف منا ونتيجة لذلك يتحد ضدنا".

وذكرت جانوشكينا أن "روسيا كان لديها الفرصة لتغيّر ما يجري معها اليوم (والذي) يرجعنا إلى الخلف مجدداً ويبعد السلطة عن الشعب"، معتبرةً أن "هذه السياسة تتزايد وهي شبيهة بما حدث عام 1937، وحتى قبل ذلك أيضاً، فهناك مسؤولين روس تمت تسميتهم بأعداء السلطة"، في إشارة إلى حملات القمع التي تمت خلال فترة حكم الزعيم السوفيتي السابق جوزيف ستالين، وهي تعرف باسم "التطهير العظيم".

وترى جانوشكينا أن "الوضع الحالي أسوأ من أيام فترة ستالين ليس من حيث القسوة، لأن حينها كان يوجد نظام معين، لكن في الوقت الحالي ليس هناك أي نظام"، حسب تعبيرها.

وألقت الأزمة الأوكرانية بظلالها على حياة المواطن الروسي بكل تفاصيلها، فهي لم تؤثر على الاقتصاد والحياة الاجتماعية فحسب، بل دفعت الحكومة إلى تنفيذ تغييرات تشريعية وقانونية في البلاد.

اقرأ أيضاً:

تصنيفات