
خيَّمت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وتبعاتها الحالية والمحتملة على المنطقة، على فعاليات "المنتدى العربي الاستراتيجي" الذي استضافته مدينة دبي بالإمارات في دورته الثانية عشرة، الأربعاء.
وخلال جلسة حوارية تحت عنوان "ماذا يريد العالم العربي من العالم؟"، شارك فيها رئيس المخابرات السعودية الأسبق الأمير تركي الفيصل، وأنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، ووزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي، وأدارها الإعلامي المصري عماد الدين أديب، شدد المشاركون على ضرورة العمل على توحيد الصف العربي في مواجهة التهديدات الخارجية التي تشكلها بعض القضايا المطروحة في ظل عالم يتغير بشكل سريع.
وقال مستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش إن دولة الإمارات ودول المنطقة يجب أن تتعامل مع الهجوم اللا أخلاقي واللا إنساني على غزة، من خلال طريقتين، الأولى عبر التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، والثانية تكون من خلال إدارة الملف كما ندير الملفات الإقليمية الأخرى كـ"شيء ضروري ومهم جداً".
وأضاف أنه بموازاة ذلك، لا بد أن ننظر إلى المستقبل، وتابع: "من جهة أنت تدير الواقع الذي تعيش فيه، وتحاول أن تتحلى بالحكمة والعقلانية في إدارته بما يمكن أن تقوم به".
وشدد على أنه "لا شك في أن أزمة حرب غزة حالياً هي على رأس الأولويات"، ولكنه أكد ضرورة إدارة الواقع الذي نعيش فيه، بإدارة الاحتياجات الأساسية، والتسلّح بالعلم وتعزيز الاقتصاد، وقطاع التكنولوجيا.
وأوضح: "أمامنا مهمتان متوازيتان، أولهما التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته، بالتوازي مع النظر إلى المستقبل".
واعتبر أن "الدولة الوطنية العربية أو النظام العربي يخوض 3 معارك.. المعركة الأولى هي موقعه في العالم.. أين نحن من هذا العالم؟ وهل سندع هذا العالم يتقدم اقتصادياً وتكنولوجياً، ونتأخر حيث نحن؟"
وتابع: "المعركة الأخرى مع الدول الإقليمية غير العربية، كيف نتعايش مع إيران، وهي مستفيد كبير جداً من حرب غزة، بينما تركيا انحسر دورها الإقليمي من خلال دعمها العديد من جماعات الإسلام الحركي، وإسرائيل أيضاً دولة إقليمية، فكيف نتعامل مع هذه الدول؟".
"مسارات سياسية عقلانية"
وأضاف قرقاش: "إذا أخذنا إيران (نموذجاً) فلا للمواجهة، لا بد أن نجد أطراً للتعامل معها، حيث ترى أن مصلحتها الأكبر هي في التعامل العقلاني مع العالم العربي، ومصلحتنا كذلك، وهناك أطراف إيرانية تؤمن بهذا الشيء، ولا بد أن نقوم بكل ما يلزم لإيجاد نوع من التوازن. أعتقد أن الاتفاق السعودي الإيراني (لتطبيع العلاقات) هو خطوة أيضاً في هذا الطريق".
وأضاف: "نأتي أيضاً إلى إسرائيل، في نهاية المطاف لا بد من إيجاد مسار سياسي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، فمسارات المواجهة في التاريخ العربي مع إسرائيل كانت غير ناجحة، والمسار السياسي سواء من (الرئيس المصري الراحل محمد أنور) السادات، وما تبعتها أنجح".
ولفت المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي إلى أنه "لا بد من الوقوف في وجه هذه العنجهية الإسرائيلية، التي تهمّش الخسائر في الأرواح والتي نراها في غزة".
وأردف بقوله: "المعركة الثالثة داخلية، هناك محاولات لتهميش دور الدولة الوطنية العربية سواءً مصر أو الأردن أو الإمارات أو السعودية، وكل الدول العربية لصالح ميليشيات، وبالتالي الدولة الوطنية العربية لا بد أن تكون هي الأكثر نشاطاً ومبادرة في التعامل مع القضية الفلسطينية لأهميتها ومركزيتها، وأيضاً مع القضايا الأخرى التي نراها في المنطقة من السودان إلى اليمن وما إلى ذلك".
وقال قرقاش: "نحن نخوض كنظم عربية رسمية، ودولة الإمارات جزء منها، معركة لنكون ضمن هذا المستقبل الذي يتبلور في العالم، معركة مع دول الجوار، لإقناعها بأن مسارات التفاهم والتواصل والسلمية هي لخير المنطقة، وأيضاً لإقناع الجماهير العربية أن النظام الرسمي العربي لديه أدواته ولديه تأثير".
وتابع: "في نهاية المطاف، حينما يأتي وقت إعادة الإعمار من الذي سيأخذ المسؤولية؟ هل هي هذه الميليشيات نفسها؟ أم هل هو النظام الرسمي العربي؟ وبالتالي هذه المعارك وجودية ومهمة ولا بد من صيانتها، وتتطلب الكثير من التواصل فيما بيننا".
مثلث إسرائيل وأميركا وإيران
وبسؤاله عما وُصف بـ"مثلث إسرائيل وأميركا وإيران" وشراكتهم في "أعمال عدائية" ضد المصالح العربية، قال رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق، ورئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث، الأمير تركي الفيصل إن "هذا المثلث هو استمرار لما كان قائماً في السابق".
وعاد الأمير تركي الفيصل إلى تاريخ إيران ما قبل ثورة 1979، زمن سنوات الشاه (محمد رضا بهلوي 1941 - 1979) الذي "وقفت معه الولايات المتحدة بكافة إمكانياتها، وخاصة في فترة السبعينيات عندما كان يصفه المسؤولون الأميركيون، وصناع القرار في واشنطن، ودور الفكر وغيرها على أنه (شرطي الخليج) وأُعطي من الإمكانات العسكرية وغيرها من الفرص، لكي يلعب ذلك الدور في ذلك الحين".
وتابع: "كان هناك توافق أيضاً مع إسرائيل من الناحية الأخرى على البحر الأبيض المتوسط على أنها ربما تكون هي (شرطي البحر الأبيض المتوسط) من شرقه باتجاه العالم العربي، وهذه الاستراتيجية كانت قائمة في ذلك الحين. وأتت الثورة الإيرانية، ولخبطت اللعبة إلى قدر ما".
وأشار إلى أنه "باسترجاع كيف أتت الثورة الإيرانية، كان للولايات المتحدة دور في ذلك، ولا ننسى أنه في أثناء الحرب العراقية الإيرانية كانت هناك صفقة بين إيران وإٍسرائيل، والتي سُميت في ذلك الحين بـ(إيران كونترا). حيث زودت تل أبيب، طهران بأسلحة كانت واشنطن غير قادرة على تزويدها بها على أساس مصالح مشتركة".
ولفت إلى أن "العلاقة بين إيران وإسرائيل قائمة منذ ذلك الحين، وإلى ما قبل ذلك، ولا أستغرب أن يكون هناك تمازج في تعريف مصالح مشتركة بين ذلك المثلث".
وقال إن إدارة الرئيس الأميركي (الأسبق) باراك أوباما (2009 - 2017) سعت مثلاً، وإدارة الرئيس جو بايدن لا زالت تسعى إلى عقد صفقة بشأن الاتفاق النووي مع إيران، بغض النظر عما يمس مصالح أصدقاء الولايات المتحدة إن كانوا من العرب، أو من الدول الأخرى المحيطة بإيران".
"عاصفة مكتملة"
وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي، اعتبر أن "العالم يمر حالياً بعاصفة مكتملة، إذ أن النظام الدولي اختلف كثيراً بعد التحول من قطبين، إلى قطب أوحد، إلى متعدد الأقطاب، وحالياً الأقطاب لا تعرف بالضبط ما دورها، بما فيها أميركا التي تجد نفسها حائرة بين أن تكون دولة كبرى، أم دولة عالمية، أم دولة عظمى".
ورأى الدبلوماسي المصري أن "المشكلة تكمن في غياب التواصل الكافي بين القرارات الوطنية المختلفة، وهناك غرور قوة إسرائيلي، في المنطقة بعيداً عن كل الأصول والقواعد القانونية".
وقال فهمي إنه نتيجة لذلك، فإن "علينا كعرب أمرين: عدم الاعتماد على الغير أكثر من اللازم، لكن دون انعزال، وأخذ المبادرة في التعامل مع القضايا الإقليمية بالحكمة والحذر، ولا بد أن نلزم الجميع باحترام القانون كدول متوسطة أو دول صغيرة، فالعمود الفقري للأمن القومي العربي إقليمياً ووطنياً، هو احترام القانون، ونحن لسنا دولاً معتدية على الغير، وإذا لم نستطع فرض القانون كأساس للعلاقات الدولية سندفع ثمناً ضخماً، وبالتالي فلا بد من التعامل مع القضايا الجسيمة مثل الوضع في غزة".
"المساس بالحدود.. مساس بكامب ديفيد"
وعن الأوضاع في غزة والمواقف الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الأخيرة، رأى نبيل فهمي أن اليسار الإسرائيلي أو ما يُسمى بـ(مؤيدي السلام في إسرائيل) انكمش على مدى الـ20 عاماً الماضية، وأضاف: "أعني (حزب العمل) الذي لم يعد له قيمة على الإطلاق، سواءً بسبب تطرف إسرائيلي أو لعدم وجود أمل في السلام. نحن نتعامل الآن ليس مع اليمين، ولكن مع اليمين المتطرف الإسرائيلي، وهذه ليست حجة لعدم التصدي لهذه المشكلة".
وأضاف أن "المشكلة موجودة، علينا أن نتعامل معها بالحزم والحكمة، هناك أمور غير مقبولة، وتؤثر على استقرار الأمن في المنطقة ككل".
وأشار فهمي إلى أنه "إذا طرحنا موقفاً واضحاً من حيث شكل السلام المستقبلي، وثمن عدم المضي تجاهه سيكون هناك تطور تدريجي في الجانب الإسرائيلي، وإذا لم نطرح ذلك، سنجد المزيد من التطرف والمبالغة الإسرائيلية. المسألة بين اليمين الإسرائيلي واليمين المتطرف، وكلهم في سلة واحدة".
وأكد أنه "علينا توضيح السلام، وثمن المضي في العنف والاعتداء. الاحتلال يؤدي إلى ظلم، والظلم يؤدي إلى الغضب، والغضب يؤدي إلى التطرف، وسينعكس على الكل، عليهم وعلينا".
وعما إذا كان تطور الأحداث على الأرض في غزة، من شأنه أن يفتح احتمال حدوث أزمة على الحدود مع مدينة رفح المصرية، قال الوزير المصري السابق: "نعم هنالك احتمال، لكن هل هذا مستهدف؟ لا أعتقد ذلك، إذ سيكون له رد فعل وثمن من الجانب المصري".
وأردف بقوله: "أعلنّا صراحة أن الحدود خط أحمر. كل حدث له حديث". نحن بادرنا إلى السلام، ونسعى إلى السلام، هناك أمور سيادية لا نقبل التجاوز فيها، المساس بالحدود هو مساس باتفاقية كامب ديفيد، ورد فعل (مصر) سيكون فيه حزم وحكمة".
"ما يقبله الفلسطينيون.. تقبله السعودية"
من جهته، أشار رئيس المخابرات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل إلى أنه "جرت اتصالات عدة بين الولايات المتحدة والسعودية من أجل هذا الموضوع، التطبيع كما سُمّي، أو فتح المجال أمام علاقة بين إسرائيل والمملكة".
وأوضح أن "الموقف السعودي كان أن القضية الفلسطينية تُحل، ثم يتلو ذلك ما يمكن أن يساهم في إحلال السلام في المنطقة".
وتابع بقوله إن "المملكة لم تكتف بذلك، بل دعت وفداً من السلطة الفلسطينية ليأتي إلى الرياض ليجتمع مع مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، ليتشاور الفلسطينيون مباشرة مع الولايات المتحدة في هذا الشأن".
وأكد الأمير تركي الفيصل أن "المملكة لم تدّع لنفسها مطلقاً أنها تتحدث عن الفلسطينيين، بل قالتها علناً عدة مرات، ما يقبله الفلسطينيون، نحن نقبله، وبذلك كان موقفها واضحاً وصريحاً للأميركيين".
وقال إن "السعودية طلبت أيضاً من الأميركيين بعض الأمور التي تخص المملكة مباشرة مع الولايات المتحدة، إن كان مثلاً من خلال اتفاقية دفاعية لمصلحة البلدين، أو فتح مجال لشراء الأسلحة بدون مشاكل، وغيرها من الأمور التي طلبتها المملكة من الولايات المتحدة".
"معايير مزدوجة"
وتابع الأمير تركي الفيصل: "إذا كان موقفنا في منطقتنا قوياً، فلن تؤثر فينا هذه التداعيات والتجاذبات بين الآخرين، وبالنسبة إلى قضية غزة الآن، في لقاء سابق أدنت الهمجية التي اكتُملت من الطرفين (إسرائيل وحماس) في ذلك الأمر في يوم 7 أكتوبر وما تلاها طبعاً، ولكن ليس هناك نسبية في الموضوع، وليس هناك معادلة تَساوي، فالهمجية الإسرائيلية بدون شك فاقت بأعداد فلكية ما يمكن أن تُدان به حماس في كيف تعاملت مع بعض الأوضاع التي حدثت في ذلك الهجوم".
وتابع: "من هنا يجب على العالم بصفة عامة أن يتخلى عن المعايير المزدوجة التي يتبناها، سواءً في الغرب، أو في الشرق، والتي تنظر إلى إسرائيل كنموذج للديمقراطية والإنسانية ولكل المعايير العليا في الأخلاقيات وإلى آخره، وتنظر إلى الفلسطينيين بصورة عامة على أساس أنهم أدنى من ذلك، هذه الازدواجية هي المسببة للمشاكل الموجودة في المنطقة".
وأوضح: "الفشل، فشل لكل الدول، حتى إننا في العالم العربي فشلنا في أن نكون في لُحمة قائمة وقوية تمنع عنا هذه الأخطار. وألوم أيضاً الإخوان الفلسطينيين، فلا يجوز أن يكون هناك اختلاف في اللُحمة الفلسطينية، لا يجوز أن تكون هناك حماس لوحدها والسلطة الفلسطينية لوحدها، وبالتالي علينا مسؤولية كفلسطينيين وكعرب أن نتحد مع بعضنا، وأن تكون هذه قاعدة تعاملنا مع الآخرين".
هل يوجد خلاف بين السعودية والإمارات؟
ورداً على سؤال من مدير الجلسة الإعلامي المصري عماد الدين أديب، بشأن ما إذا كان هناك خلاف بين السعودية والإمارات، رد مستشار رئيس الإمارات قائلاً: "أبداً بيننا كل خير".
وبدأ أديب سؤاله قائلاً: "ما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي، أن هناك شداً وجذباً بين الإمارات والسعودية، وما نراه على مستوى اللقاءات اتفاقيات وابتسامات فهل أنتم متنافسون؟ مختلفون؟ ماذا هناك؟"
ورداً على السؤال، التفت الأمير تركي الفيصل إلى قرقاش وقال: "أخ أنور بيننا شيء؟"، ليرد عليه مستشار رئيس الإمارات قائلاً: "أبداً كل خير.. كل خير".
ليرد الأمير تركي الفيصل على عماد الدين أديب، قائلاً: "هذا جوابك".
وقال قرقاش "اللي حاصل في السعودية، وفي الإمارات نموذج لبقية الدول العربية، نموذج إيجابي وهو جزء من مسألة تعزيز موقع العرب في العالم، وأنا أعتقد أن هذا إيجابي، كل اللي يصير في السعودية إيجابي لنا، وأعتقد كل اللي يصير في الإمارات إيجابي للسعودية".
وقال الأمير تركي الفيصل: "سمعت عن عدد الرحلات الجوية بين السعودية والإمارات، أكثر من 39 رحلة في اليوم، هذا دليل أن هناك سوقاً لركاب هذه الخطوط التي تبحث عن الربح طبعاً، والطائرات التي تأتي بين البلدين دائماً ممتلئة بالركاب، المواطن الإماراتي سعودي، والمواطن السعودي إماراتي، ولا فرق بينهم".
وأردف: "هناك بعض الومضات البراقة والإيجابية في عالمنا العربي بصفة عامة، وهي تتعلق بالتطور المذهل والانفتاح والتنوير المجتمعي والفكري، في شباب الأمة العربية من الخليج إلى المحيط، وهذا يندرج على كل المواطنين في هذه البقعة الجغرافية الكبيرة، وهو ما يعطيني الأمل في المستقبل. فهناك ثورة ذهنية وإبداعية في شتى المناطق العربية. ويجب التركيز على المستقبل الذي ينبع من هذه الأمة الناهضة بجميع مكوناتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية".











